الطبيعيّات التي في كتب الحكمة لا يجب أن يُظَن فيها أنها باطلة ولا حق فيها بعلّة مخالفتها لعلم الفيزياء المُعاصر. بل من أعطى النظر فيها حقّه سيجد أن الأدلّة فيها منها ماهو برهاني فلسفي او رياضي، ومنها ماهو تجريبي.
المسائل التي عليها البراهين الفلسفية او الرياضيّة، بطبيعة الحال من حيث كون تلك الأدلّة المُدَّعى أنها براهين هي فعلًا براهين، فإن المعلومات هذه صادقة، وليس يعني العاقل من حيث هو عارف بالعلوم العقليّة أن الفيزياء الحديثة تخالف أو لا تخالف، بل الموقف الصحيح أن لا يهتم بهذا الخلاف.
ثم هذه المسائل المُبرهنة قد تُعطى مصاديق معيّنة تلك المصاديق ليس للعقل البرهاني الفلسفي او الرياضيّ تحديدها، فيعلم العاقل أن المصاديق هذه تحديدها ليس من شأن الحكيم بما هو يشتغل بالحكمة، ونعني بالحكمة ههنا العلوم التي الحق فيها ثابت.
أما المسائل التي أدلّتها إنما من سبيل التجربة، فهذه يسترجع فيها الطالب الدليل التجريبي، وإن كان مُضمَرًا فليستنبطه فإنه غالبًا سهل الإستنباط. ثم ينظر فيه بحسب شرائط التجربة وظروفها والعوامل المتغيّرة فيها، ويقيّم الدليل. وهنا يجوز للطالب أن ينظر للعلوم الحديثة.
ولكن لا يجوز له التقليد فيما يقوله المُحدثين، بل يقوم بنفس العمل، يستحضر التجربة وينظر في الشرائط، ثم يقوم بالتحكيم مثلًا.
وهناك أمور ليست من سبيل التجربة وليست من سبيل البراهين العقلية او الفلسفية، وهي أصول معيّنة توضع وضعًا لتصحيح نموذج ما يفسّر ظاهرة معيّنة تفسير معتبر، في القدماء مثاله وضعهم لأفلاك تحمل الكواكب وتدور حول نفسها بالحركة الوضعيّة، وعند المُحدثين ربما باب الفيزياء النظريّة كاملًا.
والعارف بالمنطق وصناعة البرهان يعرف تمامًا درجة كل دليل من حيث الشرف والمنزلة، ويستطيع أن يقيّم المعارف تقييمًا دقيقًا.
ولكن للأسف الشديد البعض عندما نظر لفساد بعض التجريبيّات او ماهو أخسّ منها، ظن أن كل الطبيعيّات فاسدة، وهناك من تطرَّف وظن أن الإلهيّ فاسد او ظنيّ بسبب فساد مسألة من الطبيعيّ، بتوسّط أن المشتغل على كلاهما قديمًا هو الفيلسوف وهذا غريب لا ينفع كدليل أصلًا.
جاري تحميل الاقتراحات...