أ.د. طلال الطريفي
أ.د. طلال الطريفي

@AltorifiTalal

25 تغريدة 23 قراءة May 20, 2022
(1-25)
أساس الباطنية...
تاريخ الفكر الديني للفرس
امتدّ تاريخ الفرس لقرون قبل الميلاد، مؤسسين حضارات قديمة، ما جعلهم يُبالغون في التغني بتاريخهم، متعصبين لجنسهم، الأمر الذي دعاهم لاعتبار ملكهم الأول (كيومرت) ابنًا لآدم كأصل للبشرية جمعاء.
(2-25)
كانت الطقوس الدينية الأوليَّة منذ فترةٍ مبكرة في الفكر الفارسي تعتقد بتقديس طبقة رجال الدين، وبالتالي رفعوهم بحسب الطبقية الفارسية إلى المرتبة الأولى قبل رجال السياسة والحرب والإدارة وعوام الناس في المجتمع الفارسي.
(3-25)
اعتمدت طبقة رجال الدين الفرس على دُغماتية دينية جعلت من المجتمع بكل طبقاته تابعًا ومنقادًا لها بعواطفه وتفاعلاته ومصالحه، وهذا ما يؤكد أن منابع الفكر الباطني والصوفي المُغالي من منطلقات ومنشأ فارسي، كما يُثبت تاريخ هذه الأفكار ورجالاته.
(4-25)
وهذا يؤكد أن الفرس بمختلف معتقداتهم القديمة والحديثة من وثنيتهم حتى إسلامهم أخذوا منهجًا واحدًا معتمدًا على كونهم متفقين على تقديس رجال الدين والفكر الكهنوتي، باعتبارهم وسطاء بين الناس والتشريع أيًا تكن فلسفته ومنطلقاته.
(5-25)
ولأهمية هذه الطبقة الدينية ورجالاتها في الفكر الفارسي؛ فإنها تفرعت وتشعبت كما الأفكار الدينية المُشابهة التي تؤمن بالوصاية الدينية للبشر، فكانت لديهم تفرعات في طبقة رجال الدين، تتفق بشكلٍ أو آخر مع وجود حُكَّام، عُبَّاد، زُهَّاد، سَدنة، معلمون.
(6-25)
كما آمن الفرس بخصوصيتهم في فكرهم الديني، باعتباره ابتكارًا عرقيًا خاصًا بهم، حتى حين دخلوا الإسلام أضافوا عليه فكرهم القديم، حتى عُرفت طرائقهم بالباطنية التي تنسلخ دائمًا من نقاء الإسلام بأسرارها وقداساتها وأكاذيبها وخرافاتها.
(7-25)
ولكي نفهم الارتباطات العميقة في الفكر الديني للفرس؛ يجب أن نستعرض بعُجالة دياناتهم القديمة، إذ تُعدُّ ديانة (مزدا الحكيم) أقدمها، حين آمن قدماءهم بأن مزدا إله القبائل المستقرة والمتمدنة، معتبرين إياه إله العالم كله.
(8-25)
واعتقد قُدماء الفُرس أن (مزدا) الإله الأعلى المُرسل للأنبياء والخالق بكل تفاصيل الإله المُطلق، واعتبروا ملكهم كيومرث وزرادشت أنبياءً له. وقالوا بأنه خلق ملائكةً حوله، أكثرهم قوةً (بهمن)، وهو الاسم الفارسي المتداول وقد تسمت به بعض العائلات الفارسية ليومنا الحالي.
(9-25)
ومن رحم (مزدا) تفرعت الزرادشتية، إذ يُعدُّ زرادشت نبيًا مُرسلاً من مزدا، وتتلخص فلسفة الزرادشتية بين النور والظلمة التي تفسر الخير والشر، ويؤمنون أنهما مبدأ وجود العالم، باعتبار أن كل شيء خُلق وحدث بين هذين الضدين.
(10-25)
وحسب الزرادشتية فإن مزدا يمثل الخالق والنور والخير، والشيطان يمثل الظُلمة والشر، ومن تفرعات فكرهم أن الماء مُقدس يمثل الخير، لذلك نجد الزرادشت يقدسونه بعدم غسل وجوههم بالماء، إذ يقتصرون على شربه وري مزروعاتهم.
(11-25)
وبين مزدا وزرادشت تكمن الحكمة وفق الفكر الفارسي للربط بينهما، بينما أن زرادشت أخذ بُعدًا بشريًا في فكرهم، إذ يقولون أنه ولد في أذربيجان من أمٍ فارسية، ويعتقدون أن مزدا خلق روح زرادشت ووضعها في شجرة تحفها الملائكة المقربين، وغُرست في جبال أذربيجان.
(12-25)
وبعملية ربط بين ما هو موجود في الثقافة الفارسية القديمة والحديثة والمعاصرة؛ نجد أن أذربيجان تمثل للفرس منبعًا ومصنعًا لرجال الطبقة الدينية، إذ لا تزال إلى اليوم تستورد بعض رجال طبقتها الدينية من الجنس الآذاري التركي، كما هو الحال مع المرشد الإيراني الحالي علي خامنئي.
(13-25)
يعتزّ الفرس بمعتقداتهم القديمة حتى بعد إسلامهم، الذي صبغوه بفكرهم القديم، لذلك تعتبر آثار زرادشت في الثقافة الفارسية ككتاب (زند أوستا) مصدرًا مهمًا، والذي يُقسم العالم إلى قسمين: مينة وكيتي، الروح والجسد، بما يُحامي اللاهوت والناسوت في الثقافات الدينية الأخرى.
(14-25)
بعد المزدا والزرادشت مرت الثقافة الفارسية بمحطة جديدة في فكرها الديني وهي (المانوية)، المنسوبة لماني المولود سنة (215م)، الذي ظهر في زمن سابور أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور سنة (279م) لأنه تعارض بزهده مع سياسة بهرام التوسعية المحاربة.
(15-25)
(ماني) لم يكن كمزدا الأسطوري ولا زرادشت الآذاري، فـ (ماني) فارسي الأم والأب من العائلة الإشكانية الملكية، والده فاتك الحكيم. وقد أدخل ماني فكرة تناسخ الأرواح في الفكر الديني الفارسي مستفيدًا من البوذية والثقافة الهندية.
(16-25)
تناغم ماني مع زرادشت في فلسفة النور والظلمة، كما استفاد من عقيدة التثليث النصرانية، حيث قال: الإله مكوَّن من ثلاثة: العظيم الأول، الرجل القديم، أم الحياة. لذلك آمن ماني بزرادشت ونبوءة عيسى بن مريم عليه السلام، ويعتبر ماني نفسه آخر الأنبياء المُبلغين عن الله.
(17-25)
أسَّس ماني مرحلةً جديدة في الفكر الديني الفارسي، حين جاء بكتابٍ (البستاه)، لذلك رأى الفرس أنه وأتباعه زنادقة، لأن ماني جعل للبستاه تفسيرًا مناقضًا باسم (الزند)، وفسر الزند بـ (البازند)، لذلك جاءت كلمة زنديق في الثقافة الفارسية لأتباع الزند لتناقضهم الشديد.
(18-25)
اصطدمت المانوية بالزرادشتية، ما جعل السلطة الفارسية تضطهد المانويين الذين اعتبروا نبيهم المزعوم ماني شهيدًا حين قُتل على يد بهرام، لذلك استمرت المانوية بدعوتها سرًا، هربًا من الملاحقة والاضطهاد الزرادشتي.
(19-25)
بعد قرنين تقريبًا، وفي سنة (487م) ظهر مزدك بن بامداد، وأطلق على فكره المزدكية، وكان يدعو للإباحية والفكر المُشاع الذي يتقاطع مع الشيوعية بمعانيها الأوليَّة، ما أحدث أزمةً بتطبيق تعاليمه، إذ لم يكن الرجل يعرف ولده ولا الابن والده، ولم يستطع الناس امتلاك ما في أيديهم.
(20-25)
تحولت المزدكية من كونها فكرًا دينيًا بين الفرس إلى فكرٍ اجتماعي، أسَّس للقوانين الثورية المدمرة، وكاد التنظيم الاجتماعي الفارسي ينهار لولا تسلم السلطة كسرى الأول أنوشروان بن قباذ الذي رد أملاك الناس. ولكن لا تزال بعض مبادئ المزدكية تطبق بأطر دينية متطورة لدى الفرس.
(21-25)
لجأ المزدكيُّون إلى السرية في معتقدهم، وقد خف دورهم، خاصةً في عصر الدولة الساسانية، ولم تعد وتنشط من جديد إلا بعد الفتوحات الإسلامية في بلاد فارس، حين ثار المزدكيون وسعوا إلى الفتنة بين الناس وتطاولوا على الأحرار.
(22-25)
وخلال مراحل الفكر الديني القديم للفرس؛ نجد أنهم عبدوا قوى الطبيعة، فكانت صلاتهم للشمس والقمر والماء والنار، والنار تحديدًا مثلت قوةً لهم، حتى أنهم لا يطفئونها في بيوتهم ويحرصون ألا يخبوا لهيبها، واختصر هذا الفكر بالمجوسية وتفرعاتها.
(23-25)
وفي مراحل متأخرة من تاريخ الفرس القديم؛ تأثروا باليهودية والنصرانية والبوذية، فمنذ حلول اليهود أرض الفرس بعد السبي البابلي؛ وجد الفرس أنفسهم ينهجون السريَّة والتقيَّة تأثرًا باليهود، مقابل انتشار النصاري بينهم حتى ثار الناس على النصرانية في فارس سنة (339م).
(24-25)
ومن خلال تتبع منشأ الفكر الديني الفارسي القديم؛ نلحظ أنه ارتكز على تقديس رجال الدين منذ القدم، وكانت سيطرتهم على المجتمع الفارسي واضحة، كذلك كان لمبادئهم وأصول فكرهم سريَّة وتقيَّة اعتبروها أصلاً في فكرهم الديني.
(25-25)
واشتهر عن الفكرة الديني الفارسي إثارة الفتن والنزاعات والاغتيالات في سبيل تصفية خصومهم، على خلفية صراعاتهم الدينية الباطلة. وهذا ما يدعونا للربط بين ما حدث في بداية دخولهم الإسلام وباطنيتهم وأصول معتقدهم القديم، الذي انعكس على إسلامهم الملطخ بالفتن والدموية والخرافات.

جاري تحميل الاقتراحات...