سيّال
سيّال

@syyaaal

14 تغريدة 12 قراءة May 16, 2022
اللهم ارزقنا حبَّ المساكين..
قبل أيام كنتُ أتأملُ سببَ دعوة النبي ﷺ بمثل هذه الدعوة، لماذا "حبُّ المساكين" تحديداً؟
تأملتُ هذا المعنى ثم بحثتُ عنه بحثاً سريعاً، فكان مما وجدتُ وخطر لي، أن المساكين لديهم من الصفات التي يندر وجودها في غيرهم، هؤلاء أقوام طلقت الدنيا صحبتهم
=
فنالوا لأجل فراقها فراق المسكن والمأوى، وحلو الشراب والطعام، ولذيذ الحديث والمنام، ناءت عنهم الأوطان، وسلب منهم الفقر الأهل والخلان، كما ذهب بنضارة وجوههم، وألبسهم ثياباً عتيقة مرقعة، فانزوت عنهم لذائذ الدنيا بجميع أشكالها وألوانها، ولولا صبرهم وإيمانهم لما عرفنا حالا من أحوالهم!
فلا مطمع لديهم في البقاء في الدنيا إلا أن الإسلام أعطاهم حظوة ليست لأحد غيرهم، هذه الحظوة جعلت أعلى الخلق وأشرفهم عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول: "اللهم إني أسألك حبَّ المساكين". هذه الحظوة أيضاً جعلتهُ يرفض المُلك والدُّنيا، ففي ذات مرَّةٍ أتاهُ جبريل عليه السلام، فقال له:
يا محمد، أرسلني إليك ربك: أملِكاً أجعلك أمْ عبداً رسولاً؟ فقال رسول الله ﷺ: "بل عبداً رسولا". لم يكن النبي ﷺ يهتم كثيراً بحصول الدنيا له، فلم تكن شغله الشاغل، ولا حديثه بين أصحابه؛ ولهذا كان يقول لهم ولنا: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربةَ ماء".
لكن أليس إذا لبس الإنسان لباس الفقر، والتحفَ بلحاف العفاف والصبر، وأتاه من حرِّ الدنيا، وشظف العيش، وقلة ذات اليد؛ أصبحَ معدماً لا مطمعَ لأحد فيه من أهل الدنيا، فهل هو كذلك في ميزان الله تعالى؟
كلا، ليس الأمر كذلك، وإليك هذا الخبر:
مرَّ رجلٌ على رسول الله ﷺ، فقال: "ما تقولون في هذا؟" قالوا: حريٌ إن خطبَ أن ينكح، وإن شفعَ أن يُشفَّع، وإن قالَ أن يُستمع، ثم سكتَ رسول الله ﷺ، فمرَّ رجلٌ من فقراء المسلمين، فقال: "ما تقولون في هذا؟" قالوا: حريٌ إن خطبَ أن لا ينكح، وإن شفعَ أن لا يُشفّع، وإن قالَ أن لا يستمع،…
فقال ﷺ: "هذا خيرٌ من ملء الأرض مثلَ هذا". تلك هي نظرة عموم الناس للفقير المسكين، وتلك هي نظرة رسول الله ﷺ له، حيث شهد له بالفضل والمكانة عند الله!
ما زالت الأسئلة تتدفق، فما هو عطاء الله للمسكين؟ ولماذا النبي ﷺ يدعو بأن يُرزق حبَّ المساكين؟ ولماذا يرفض المُلك لمّا عُرض له؟
ولماذا أثنى على ذلك الفقير؟ وغير تلك الأسئلة الكثيرة!
ولعل من الإجابات حول ذلك والله أعلم: أن المسكين في العادة أقرب إلى الله في يومه من صاحب الغنى؛ فالضيق والكرب يدفعانه دفعاً للتعلّق بالقادر سبحانه، فلا تراه في دعائه إلا باكياً، ولا في صلاته إلا خاشعاً، ولا شيء يشغله عن الطاعة
إلا لقمة العيش وهي قربة وطاعة، فهو يتقلب من عبادة إلى عبادة، ويتحرى في حياته ساعات الإجابة، ويعاني الألم في كل ساعة، ويصبر فيزداد طاعة، وهكذا كل حياته طاعة، قد تخفف من الدنيا، ويدخل الجنة -كما في الحديث- قبل الغني بخمس مائة عام من أعوام الدنيا؛ فما أعظم كرم الله للفقير الطائع!
تُقلِّبُ النظر في حالهم أكثر؛ فتجد الناس تنفر من مجالستهم، وتأنف من مخاطبتهم، وتكره الأكل معهم وبينهم، فلا مصلحة للناس تدفعهم لصحبة الفقراء أو ربط الصلة بهم؛ ولهذا دعا النبي ﷺ: "اللهم إني أسألك حبَّ المساكين" فكأن القدوة عليه الصلاة والسلام ينبه إلى علو مكانتهم في الإسلام، ويريد
كسرَ صنم المادة في نفوس أصحابه وأمته؛ فالناس بإيمانهم لا بأموالهم، وبمعادنهم لا بصورهم وأشكالهم!
وهذا الفقر يرقق القلب، ويدفعه لقبول الحق؛ فالسنة أخبرتنا أن أكثر أهل الجنة من الفقراء، وهم أكثر أتباع الرسل والأنبياء، كما أنهم أكثر الناس بركة لمن حولهم، فلقد كان النبي ﷺ يقول:
"أبغوني ضعفاءكم، فإنكم إنما ترزقون بضعفائكم". وكان رسول الله ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم. كما كان يُذكِّر بفضلهم وسبقهم على غيرهم.
ولعل من الأسرار في ذلك أيضاً: أن النظر إليهم، والمكث معهم؛ يذهب بعلائق الدنيا من القلب، ويخلِّصه من أغلال الشهوات
فيشهد المرء نعيم فضل الله عليه؛ ويُصبح ويُمسي شاكراً، كما أنه امتحان عظيم لمن يرى ذلك الفقير المسكين، أيتواضع ويلين، ويقول حسناً، أم يُصعِّر خدَّهُ ويتولَّى مستكبراً؟ وربما نالهُ ضارباً أو سلَّط لسانه عليه!
ختاماً: أكنتَ أيها القارئ الكريم فقيراً أم غنيّاً، فأنتَ داخلٌ تحتَ امتحان عظيم؛ فلا فقير قد اختار فقره، ولا غني قد اختار غناه، الكل مقدر بيد الله، وعلى علم وحكمة من الله؛ فعلى القارئ الأول: امتحان الصبر، وعلى القارئ الآخر: امتحان الشكر. والله سبحانه وتعالى برٌ رحيم، وشكورٌ حليم.

جاري تحميل الاقتراحات...