20 تغريدة 1 قراءة Dec 26, 2022
بينما كنتُ أستكشف خلال ذاكرتي باحثًا عن أقدم البيانات التي بإمكاني إيجادها عن نفسي، راغبًا عبرها في إعادة التعرف على هذا الجسد الذي تعاقبت عليه هذه الهويات المختلفة، وكيف تركت كل حقبة من هذه الحقب الزمنية المسجلة في الذاكرة بصمتها عليه؛ خلال هذه العملية تذكرتُ فجأة فتاة جميلة
وأُصِبتُ في لحظتها بشوق شرس وقاسٍ على القلب. كانت فتاةً رأيتُها قبل حوالي احد عشر سنة، فعلقت في قلبي شهورًا طويلة وحاولتُ البحث عنها والوصول إليها وفشلتُ في ذلك، لكنني تخيلتها كثيرًا وحلمتُ بها بشكل متكرر.
لا زلتُ أذكر ذلك اليوم الذي رأيتها فيه، كان في العام 2012 في ميدان جامسكا، أعتقد كانت المناسبة هي تكريم للمتفوقين في شهادة الأساس -والذي لحسن حظي كنتُ منهم-، ثم لحسن حظي فإن ابن خالتها -والذي صدف أيضًا أن يكون زميلي في المدرسة- أيضًا كان منهم، ثم لحسن حظي فإنها جاءت هي وخالتها
لتستلما شهادته، ولحسن حظي أخيرًا فقد جلسوا بالقرب منا، فالحمد لله الذي جعل الأسباب وجمعها وجعل لكل سبب علة، ولكل علة مجرى، وقدَّرَ ذلك اليوم.
ولأصدقكم القول فإنّي مهما كنتُ أبدو جريئًا في تقحُّم الحديث عن الهوى والحب والجمال، فإني اكتشفتُ خلال هذه الجولة عبر أروقة الذكريات أني في الحقيقة امرؤ شديد الخجل، على الأقل أكثر خجلًا مما ظننتُ عن نفسي، لطالما كنتُ أرتاح حينما أشعر أني لستُ موجودًا، أو أن لا أحد يدرك أني
موجود أو يبالي بذلك، ولكن بمجرد أن أُوضَع تحت الأنظار فإني أشعر وكأنني وُضِعتُ في وجه المدفع، خوفًا وإشفاقًا ورعبًا. يُضَاف إلى ذلك حقيقة أنّي عشتُ طويلًا وأنا أشعرُ أنّي لن أحظى بالكثير مما تمنحه الحياة، وأني ربما لا أستحق ذلك، وأني حتمًا لا أستطيع المنافسة.
انعكس كل ما ذكرتُ في ذلك الموقف على حقيقة أنّي كنتُ أجلس مع أسرتي وبجانبنا فتاة جميلة، ومجرد وعيي بهذه الحقيقة كان كافيًا في حملي على أن أنطوي على نفسي وأن أتجنب النظر في اتجاهها مع محاولة ملاحظة اتجاه نظرها، كنت خائفًا من أن تنظر إليّ وترى جسدي الهزيل المنهك ووجهي القبيح حتى لا
تحتقرني وتحتقر غرابتي، كنتُ أحاول أن أكون لامرئيًّا أمامها، وفي أفضل الأحوال أن أسترق نظرةً نظرتين لأعلم على الأقل كيف كانت تبدو.
مرّ اليوم بسلام حتى بلغنا آخره، كانت جالسة بكل ثبات،
نظرُها -في حدود ما رأيت- كان مثبّتًا على الحدث، تنقله بهدوء واتزان إلى خالتها ورجوعًا إلى الحدث، فنجوتُ من أن أقع تحت بصرها (سوى بالطبع في اللحظة التي تعارفَتْ فيها أمي وخالتها، فابتسمتُ وسلمتُ واختبأتُ وراء ظل أمي). وكنتُ ظننتُ أني نجوتُ ولله الحمد.
حين انتهى البرنامج وهممنا بالخروج والعودة إلى منازلنا، تقاطعنا مرة أخيرة في بوابة الخروج، أنا وأمي، وهي وخالتها، وهذه المواقف بطبيعة الحال في مجتمعنا السوداني الحبيب الذي يكاد المسلم فيه أن يرغب في أن يونّس الشجر والحجر والمذر، طفقت النساء في الحديث،
وجدتُ فجأة أني وقفتُ وحدي والطوفان يدهمني، أقول يا جَبلُ اعصمني، ولَا جبَلُ.
كانت يا سبحان المولى آيةً من آيات الله سبحانه وتعالى في الوجود، وجهها كأنه سبيكة من الفنّ المحض، وخداها يوشك أن يطلع الفجر من قبلهما، رقةً واحمرارًا في بياض، ووداعة.
كانت تقف واثقة من نفسها، مستقيمة شامخة كالجبل الراسي على أرض تموج (تحتي أنا كانت الأرض تموج وتموج وتموج)، وعلى كل هذا الجلال والشموخ والقوة التي انسحقتُ انسحاقًا كاملًا تحتها، كانت تبتسم تجاهي ابتسامة بهيّة وقوية زادت انسحاقي ثقلًا وصعوبة، بلغتُ بهذا الفيض الشديد
من جمالها وجلالها ووجودها حدّ أني فنيتُ مدةً عما سواها، حدّ أني فقدتُ العلاقة بما يحدث حولي، فليس ثَمّ أمامي إلا هِي، إلا الوجه الجميل والخدّ البهيّ والعينان الكوكبين الحالمين، والجلال والهيبة في وقفتها، والابتسامة على محيّاها.
لا أعلم كم مرّ من الزمن بين ما تجلّت لبصري وبين صحوي بعد ذلك وقد صافحتُها وانطلق كل منا إلى حال سبيله، ولا أدري بالتحديد ماذا حدث خلال هذه الفترة، ولكنني إذ لم أُلَاحَظ نظرات مريبة أو ردود أفعال اتهامية من أحد افترضتُ أني لم أفعل شيئًا مريبًا أو خاطئًا،
ولعلها حينما مدّت يدها إلى السلام وكنتُ منوّمًا بعينيها كنتُ رهن يديها وأفعالها، فحين مدّت يدها مددتُ يدي، ولا زلتُ أذكر ملمس يديها الباردتين الناعمتين (وكأنني أتذكر جزءًا من حلم غائم وضبابي).
هنالك حوادث كثيرة مررتُ فيها على فتيات جميلات، ولكنّ هذه بالتحديد علقت في قلبي طويلًا ولم تخرج منه بسهولة، حدّ أن أتذكرها الآن بعد كل هذه السنين فأشعرُ بكل هذا الشوق الشرس، فلماذا حدث ذلك؟
تخميني يقول أنّني حسب ما لاحظتُ متكررًا في ماضيّ كنتُ أحبّ أن أظهر هامشيًّا، أو لا أظهر أمام أي أحد بسبب حساسيتي القديمة تجاه جسدي وغرابة طباعي بعض الشيء، ولذلك كنتُ أختبئ كثيرًا (حتى في الحالات التي أتعامل فيها مع الناس، أختبئ داخل نفسي وأترك التصرف يحدث وفقًا لمعهود أفعال الناس
في مثل هذه المواقف). هذه الفتاة -التي تذكرتُ اسمها للتوّ أثناء كتابتي لهذا الكلام "ملاك"-، هذه الفتاة كانت ممن نزع فتيل هذه الأزمة النفسية والرعب من الانكشاف التي تسيطر عليّ منذ القدم، كانت تنظر إليّ أنا، بغرابتي وجسدي الهزيل والمنهك ووجهي القبيح ثم تبتسم، كان ذلك يكفي جدا.
لقد نظرت إليّ وابتسمت، ولم تكن ابتسامة متكلفة أو دبلوماسية فقط، كانت ابتسامة لطف حقيقية لا يمكن أن يبذلها أحد يشعر باحتقاره إياي، وكانت جميلة جدا وبهية جدا مما زاد من أثر وقيمة هذه الابتسامة، لا زالت هذه الابتسامة في قلبي لم تغادره، ولا زالت منذ ذلك اليوم تنمو وتكبر في صدري.
آه للتوّ أعي كيف أن تلك اللحظة كانت فاصلة في إدراكي لجماليات وغرائبيات العالم، وقتها علمتُ أني أشعر بإحساس جديدة عليّ لكني لا أملك كلمات كافية لوصفها، لكنني الآن فقط أعي كيف أنّ قلبي قبل مرآها وبعده لم يكن هو نفسه.

جاري تحميل الاقتراحات...