تحت هذه التغريدة أضع لك -أيها القارئ- فيضان قلب ابن تجاه أبيه الذي انتقلت روحه إلى ربها منتصف هذا الشهر الفضيل. 🤍❤️
رجل في سن الثمانين، عانى من مرض الزهايمر قرابة العشرة أعوام؛ تردت ذاكرته، شاب عقله، واختلطت أفكاره، حتى وصل به الحال كميت بثياب حية، المار يرثيه، والجالس يتأمله، والراكب يبكي عليه، والمصافح تنزل منه عبرة العظة.
يأتي أصدقاؤه للسلام عليه في أيام الإجازات، فيبكون على حاله، ويتذكرون مرارة هذه الدنيا التي بطشت بهذا الرجل القوي.. حتى كانوا يصفونه بأن الذباب لا يطير على رأسه، من شدته وقوته.
انهارت القوى في عمر لم يصل للشيخوخة، كنت عندها لم أنضج بعدُ، أتذكره بثوب الأطفال، ولكني لا أقدر على توصيفه الصحيح؛ لأني نضجت وقد بدأ عقله بالتهافت شيئا فشيئا.
لم يكمل منحناه في الصعود، بل آثر الهبوط كما بدأ صعوده، وقد كانت هذه هي الحسرة التي لم ننعم بها.
هوت به القوى العقلية، وصار ينسى شيئا فشيئا، ومن شدة إحكامه لتصرفه لم يعرف الناس خلله العقلي مبكرا، لأن شخصيته كانت تمسك بزمام أطرافها لئلا تنهار، وتغطي على جوانب نقصها كيلا تسقط.
هوت به القوى العقلية، وصار ينسى شيئا فشيئا، ومن شدة إحكامه لتصرفه لم يعرف الناس خلله العقلي مبكرا، لأن شخصيته كانت تمسك بزمام أطرافها لئلا تنهار، وتغطي على جوانب نقصها كيلا تسقط.
ونزول المنحنى شيئا فشيئا بدأ يضرب بالكلام بعضه ببعض في مجلس واحد، وعندها نزع الغطاء وكشف عن الحقيقة المرة التي كانت صدمة الدهشة عندها.
نزل منحنى الإنسان كما بدأ منذ ميلاده ليبدأ حياة الطفولة في ثوب الشيخ الكبير.
نزل منحنى الإنسان كما بدأ منذ ميلاده ليبدأ حياة الطفولة في ثوب الشيخ الكبير.
استسلم لقضاءه الذي لا خيار له فيه، وبدأت يد تقوده إلى ما تريد أنت من مصلحته هو؛ لأنه أصبح منزوع الإرادة معتمدا على صلاح ذاتك في قيادته الآمنة.
تطعمه بما تريد أنت، وتُسيّره إلى المكان الذي تريده أنت، وتجلسه للنوم في المكان الذي اخترته أنت، وكل هذا والله يراك بعين ناظرة بما تصنعه في أبيك الذي ابتلاه الله، في أبيك الذي كان سبب وجودك في هذه الحياة...
في أبيك الذي أنت أيها البار به قد جئت بسببه لهذه الحياة، هو في النهاية قائدك، وإن ظهر لك القياد، وهو من ساعدك على المشي وإن ظهر لك العكس، وهو الذي نظر إليك بعين الفخر أنك ابنه وإن كان الان لا يعرفك.
تنادي عليه ولا يعرفك، وتطعمه ويقبّل لك يدك، وتعرف سعادته إذا وضع رأسه - في عمره هذا - على يدك التي صافحته؛ فتعرف عندها بأنه سعيد بك أنت.
ترى ألمه عندما تقوده بشدة، فتحس بمشاعره الأليمة التي لم يقدر على البوح بها، وعندها تضطرب روحك له، وتبدأ حينها بالشفقة عليه، والرفق به، والتذكر أنك لو كنت مكانه بهذا الحال لن ترضاها لنفسك لأن هذا يؤلمك،
وعندها يتقطع قلبك ألما على الخطوتين اللتين كانت قاسيتان عليه، وتبدأ اقتياده بكل لطف وحنان.
تناوله الماء الذي صببته في الكأس حتى امتلأ، ولكنه بعد شربتين يرده إليك، وتدرك أنه اكتفى من الماء بهذه الشربتين بدون أن يتكلم أو تنطق شفتيه.
تناوله الماء الذي صببته في الكأس حتى امتلأ، ولكنه بعد شربتين يرده إليك، وتدرك أنه اكتفى من الماء بهذه الشربتين بدون أن يتكلم أو تنطق شفتيه.
تدخل عليه بعد المغرب فتراه وحيدا في كرسيه قد هجره الكل، ونأى عنه الجميع، وبغفلتك التي الآن وأنت تكتب هذه السطور تندم عليها ندما قاسيا لأنك اشتغلت بغيره، ونأيت عنه.
تراه منزلا رأسه ساكتا يلعب بالتراب ويصب في كفه الآخر حفنة من تراب آخر، ويلعب في عالمه الذي اختلقه لنفسه بسبب معطيات العقلية التي رزأ الدهر بعقله الذي يجعله يعيش في عالمنا الحالي.
تمدّ كفك لتسلم عليه، فيمسكها كأنه يريدك أن تقعد معه وتجلس بجواره، وتأنس بتمتماته، ولكن لا مجيب في هذا الكون لدعوته التي ما عادت لديه ملكة للتعبير عنها.
حين تفقه هذه الروح التي يتخاطب بها هذه الفئة من البشر، فأنت مع حس إنساني عال تكتنفه الرحمة الباذخة التي تفهم من لا يعرف النطق، وتشعر بالمشاعر الإنسانية التي تصل عند المرهف إلى حد البكاء والشفقة؛ فتدعوه للتطهر من كبرياءه المتعالي، وتعطف على من يستحقون الرحمة والشفقة حولنا.
لا يعرف مواقيت نهوضه؛ لأنه لا يدري بمصلحته، ولا يدري حتى متى هي مواعيده؛ لأن الزمن أفرغه من هذه المواعيد الحياتية؛ فصار بلا ميعاد مع أحد، ولذلك الله - جل جلاله - عذره من ميعاده الأكبر، وهو الوقف بين يديه.
تشفق عليه من كثرة النوم فترغمه على النهوض حفاظا على صحته التي أنت وحدك من تخاف عليها، وترش عليه الماء البارد ليتنشط بسعادته، ويصحو من كسله المتراكم حول ماهيته الوجودية.
تمسك بيده ليقبض كوب الشاي الذي ما عاد بوسع طاقته المتجذرة أن يعرف الطريق الصحيح لرفعه إلى فمه ليشربه، ولذلك تساعده على إمساكه بصورة صحيحة، ثم تراه يشربه كأنه يبلل حلقه بكأس حياة جديدة على روحه التي تراكم عليها الألم.
الألم يعانقه وهو لا يدري بجرحه الذي نخاه حتى أهلكه، واستبدّ بذاكراته حتى ما عاد يدرك أنه في غيابات الزهايمر تتقاذفه الآلام وتهوي به الجراح، وهذه هي القسمة في هذه الحياة التي هي "كَبَد".
وعند مجيء ساعته التي أذن الله أن يأخذه من هذه الحياة إلى جواره، انتفضت روحه البريئة التي كانت لمرحلة الطفولة أقرب منها إلى مرحلة الكهولة، فغدت يوما بعد يوم تنتظر لقاء الله متى يأتي أجلها لتنهض إلى بارئها.
تأتي يوم الخميس بعد مشقة أسبوع في الجامعة وتصل عند الفطرة لتأخذ إفطارك بعد صيام ذلك اليوم، وبعد مجيئك من صلاة المغرب تجده مسجى على فراشه وقد برد جسمه من قلة الحركة، وكأنه يئس من هذه الحياة مستلقيا على سريره ينتظر ما تصنع به رحمة الله.
تقومه من سريره وتجلسه على الكرسي ليأخذ طعاما يتلمض به جسمه - الذي برز عظمه من شدة الهزال- وكأن جسمه كتلة عظام تأخذه، ومع ذلك لا زال جسمه يساعده على تخطي طرقات هذه الحياة، إلا أن آخر أسبوع له كان طريح الفراش.
يجلس في الكرسي متأوها من شدة الألم، وتجلس أنت تشفق عليه من عمق ألمه الذي يعاني منه، ولا تدري ما سبب مرضه وألمه، إلا أن تراه بروح الشفقة وتبكي حسرة من رحم ألم المعاناة.
تعطيه ملعقة من "شوربة خضار" وتشك أنه أدخل الجرعة الأولى بنفسه، ويبدأ بعدها بالتنفس الذي يرتفع معه شدقيه، وكأن الملائكة تعالج روحه في تلك الفترة، وبعدها يبرد هذا الجسم الثمانيني، ويستريح على كرسيه من حطام هذه الحياة، ويقعد مرتخية جميع أعضائه، ثم يشخص ببصره إلى سماء الله...
ليرى روحه تصعد إلى الله.
ينادونك لتأتي إليه وعندما ترى وجهه تدرك أن أباك قد تركك مغادرًا عنك إلى الله، ولكنك مع ذلك تنادي عليه "أبوي!!! " لترى صمتا وعدم إجابة منه، وعندها تريد اليقين وتمسك بيده للأعلى لتنزل بلا مقاومة مرتخية من هذه الحياة الدنيا.
ينادونك لتأتي إليه وعندما ترى وجهه تدرك أن أباك قد تركك مغادرًا عنك إلى الله، ولكنك مع ذلك تنادي عليه "أبوي!!! " لترى صمتا وعدم إجابة منه، وعندها تريد اليقين وتمسك بيده للأعلى لتنزل بلا مقاومة مرتخية من هذه الحياة الدنيا.
تحمله للمشفى وأنت متيقن بوفاته الحتمية، ومع طول إنعاش يقول لك الطبيب بأن الرجل
انتقل إلى رحمة الله تعالى...
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
انتقل إلى رحمة الله تعالى...
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
جاري تحميل الاقتراحات...