ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

18 تغريدة 34 قراءة Apr 22, 2022
دع خيالك يحملك بعيداً وتصور أنك ذات يوم أُرِسلت إلى الفضاء لأداء مهمة ما، ثم تم نسيانك هناك ولم يعبأ بك أحد، هذا ليس خيالاً بل فعلياً ما حدث مع رائد الفضاء "سيرجي كريكاليف" والذي أطلق عليه لاحقاً "آخر مواطن سوفيتي"..
حياكم تحت
لم يعرف سيرجي كريكاليف المولود عام 1958 في لينينغراد، أن ثمة حياة حافلة بالمفارقات تنتظره، فعلى الرغم من رغبة والدته أن يصبح طبيبًإ؛ إلا أنه كان تواقا أن يحلق ذات يوم في الفضاء كرائد له، وهو ما تحقق له في عمر الـ 33 بعد مسيرة طويلة من الإنجازات على المستوى التعليمي والمهني.
كان الصراع الفضائي حينذاك بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي يسير إلى الأفول، لكن رغم ذلك لابد للسوفييت من القيام برحلاتهم الاعتيادية نحو محطتهم الفضائية مير، تلك المحطة الأعظم في ذلك الوقت والتي سبقت المحطة الدولية الحالية، وقد انتهى بها المطاف إلى التحطم عام 2001.
اختير سيرجي كريكاليف للسفر للمرة الثانية إلى الفضاء على متن الرحلة سويوز TM-13 التي ستنطلق مساء يوم 18 مايو 1991، من قاعدة بايكونور السوفياتية، يرافق كريكاليف فيها اثنين آخرين سيعودان في غضون أسبوع، أما كريكاليف فمحدد له أن يستمر على متن مير مدة خمسة أشهر.
بعد ٤ أشهر وبينما كان سيرجي يسبح في الفضاء على بعد 350 كم من سطح الارض، ضمن محطة مير، كانت الدبابات تتدفق إلى الساحة الحمراء في موسكو والناس يبنون المتاريس، فيما مذيع التلفزيون الروسي يبدأ نشرة الأخبار قائلاً: "مساء الخير، هنا موسكو، الاتحاد السوفيتي لم يعد موجودا بعد الآن".
ذهول ووجوم منقطع النظير يسيطر على كريكاليف عند سماعه تلك الأخبار، أمر لم يتصوره قط أن تتفكك دولته التي يحمل جنسيتها وهو على ترابها؛ فضلًا عن أن يحدث ذلك وهو في الفضاء، هنا ثار في نفسه سؤال كبير حول مستقبل برنامج الفضاء السوفيتي التابع له، بل حول مستقبله هو وعودته إلى الأرض؟
فقط شهر واحد هو ما تبقى من المدة المحددة لمهمته، لذلك ارتأى أن يكمل ما هو مفترض به دون أي إخلال وبعد ذلك بالتأكيد سيتدبر أحدهم أمر عودته، بعد مضي شهر وانقضاء مهمته، تواصل مرة أخرى مع وكالة الفضاء السوفيتية، لكن كان الرد صادمًا: الدولة التي وعدت بإعادتك لم تعد موجودة!
كان هذا الرد أو الرفض؛ مرتبط بأمرين، الأول مالي حيث التضخم والأزمة الاقتصادية الكبرى التي تعصف بروسيا خليفة السوفييت، والثاني لوجيستي متعلق بفرض الجانب الكازاخستاني الذي كانت تنطلق منه رحلات الفضاء السوفيتية رسوم مرتفعة على روسيا نظير استخدامها قاعدة إطلاقه.
تدرب كريكاليف على البقاء في الفضاء لمدد طويلة، مدد تصل إلى خمسة أشهر؛ لكنه لم يتدرب على البقاء لمدة تزيد عن ذلك، مع مرور كل يوم في الفضاء أنت عرضة لمخاطر صحية جسيمة أبسطها ضمور العضلات، فضلًا عن التأثير الضار للإشعاع، وخطر الإصابة بالسرطان، وضعف الجهاز المناعي.
مر شهر وراء آخر والإجابة واحدة هو أننا "لا نستطيع إعادتك الآن"، لم يجد كريكاليف بدًا إلا التحدث للصحافة، حيث قال لمجلة ديسكفري "صحتي في خطر، لكن لديهم العذر فالبلاد التي تمر بمثل ما مرت به روسيا من تفكك وفوضى تكون أولوياتها هي توفير المال وليس إنفاقه".
انتشرت قصة كريكاليف في الصحافة العالمية وأُلقي الضوء عليه بشدة، وكُتبت لأجله عديد من المقالات والأخبار المساندة، إلى أن اتخذت ألمانيا قراراً جريئاً بمساعدته، حيث رصدت نحو 24 مليون دولار من أجل عودته وهو ما حدث بالفعل في 25 مارس 1992.
عن غير قصد أو بالأحرى مجبراً؛ استطاع سيرجي كريكاليف إحراز رقم قياسي عالمي وذلك بسبب إقامته في الفضاء مدة تجاوزت ضعف المدة المخططة له في الأصل، حيث بلغت المدة التي قضاها نحو 311 يومًا، أو 10 أشهر.
عند الهبوط، خرج كريكاليف من كبسولته بملامح وجه شاحبة وجسد مرهق فيما ثلاثة رجال من حوله يساعدونه على الحركة والمشي. ظهر مرتديا بزته الفضائية التي حملت أحرف أربعة هي "cccp" وعلم أحمر لدولة لم يعد لها وجود، من هنا نعتته الصحافة باسم المواطن السوفياتي الأخير.
عاد كريكاليف إلى وطنه بعد عشرة أشهر وقد تغير كل شيء، إذ لم تعد ضواحي أركاليخ، المدينة التي هبط فيها ضمن دولته بل صارت تتبع كازاخستان المستقلة، فيما مدينة لينينغراد التي ولد وعاش فيها تغير اسمها إلى سان بطرسبرغ.
وفي حين دار كريكاليف حول الأرض خلال تواجده في الفضاء أكثر من 5 آلاف مرة، تقلصت مساحة وطنه واضمحلت بمقدار خمسة ملايين كيلو متر مربع، أما راتبه الكبير سابقاً الذي كان 600 روبل، فقد أضحى بفعل التضخم قليلاً جدا بحيث لا يكفي لتسيير حياة مواطن روسي بسيط.
أما المفارقة الأخيرة التي حظى بها كريكاليف، فقد سجله التاريخ في دفاتره على أنه الوحيد الذي سافر إلى الفضاء بجنسية معينة وهي السوفيتية وعاد بجنسية أخرى هي الجنسية الروسية.
استقبل سيرجي كريكاليف في روسيا استقبالاً حافلاً وتم تسميته بطلاً قومياً، وبعد ذلك بعامين عاد مجدداً إلى الفضاء كأول رائد فضاء روسي يطير على متن مكوك ناسا، كما كان أول من قضى بعض الوقت على محطة الفضاء الدولية الجديدة.
كذلك حظي المواطن السوفيتي الأخير باحتفاء كبير وثائقيًا وسينمائيًا، حيث أنتج فيلم وثائقي يحكي قصته عام 1995 تحت اسم Out of the Present ، كما تم تجسيد قصته في فيلم سينمائي من إنتاج عام 2017 تحت اسم Sergio and Sergei.

جاري تحميل الاقتراحات...