غِياث
غِياث

@Mme_3455

69 تغريدة 428 قراءة Apr 21, 2022
تلك العجوز التي في الحجرة هي أسماء بنت أبي بكر، تجاوزت المئة عام، حتى تبقى آخر المهاجرات في هذه الدنيا، وأما ذلك القتيل المصلوب فهو ابنها عبدالله، وأما من يمشي تكاد أرض مكة تنشق تحته هو الحجاج بن يوسف الثقفي
"قصة أسماء ذات النطاقين"
جاء آخر فصلٌ في الدنيا أمر الله جبريل برسالته لآخر نبيًّ في الدنيا، من اهتدى بهديه نجى ومن ضلَّ عن سبيله هلك، وكانت أسماء من أوائل من اهتدى بهديه ﷺ، وذلك لما تبدلت حال أبي بكر فلم يعد كسابق عهده من الانبساط والراحة، عرفت حينها أسماء أن أمرًا جللًا قد حدث، أمرًا أدرك أبو بكر حجمه
"طرق الباب"
يا ترى كم مرةً طُرِق هذا الباب
باب بيت أبي بكر، الآف المرات وربما أكثر، كيف لا وابن أبي قحافة من وجهاء القوم، ولكن تلك الطرقات ستذكرها أسماء لما قامت تفتح الباب، فإذا بأبيها يقول:
السَّلامُ عليكِ يا أسماء.
تعجبت أسماء؛ إذ لأول مرة تسمع هذه التحية فقالت:
ما هذا يا أبتاهُ … وهل هذه هي تحية اللقاء؟
قال: نعم يا أسماء .. إنها تحية اللقاء، وتحية الإسلام،
الإسلام؟
والله إنها لأجمل كلمة سمعتها أسماء في حياتها
طال حديثها مع أبيها حتى قالت:
أشهد ألا إلا إلا الله وأن محمد رسول الله.
ثم سألته: ولكن قل لي يا أبتاه، ما ردُّ هذه التحية؟
فقال: ردُّ هذه التحية:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وإذا بالباب يطرق مرةً أخرى
فإذا برسول الله ﷺ يقول:
السلام عليكِ يا بنت أبي بكر.
قالت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا رسول الله
فتبسم رسول الله ﷺ وقال:
وعرفتني وعرفتِ تحية الإسلام، بارك الله فيكِ يا أسماء
فقالت وكأنها ولدت من جديد وكأنها للتو عرفت الحياة: عرفتها جيدًا يا رسول الله، وآمنت بكُلَّ ما جئت به من عند الله عز وجل.
وبالفعل كانت تلك ولادة أسماء
عرفت أسماء الإسلام وذاقت لذة الأيمان
ونشأت في بيت أبي بكر، حضرت الإسلام خفيًا وظاهرًا ومستنكرًا ومحاربا، وتمضي السنوات وتتزوج أسماء الزبير بن العوام، ويذهب إلى الشام بتجارةٍ له فتذهب لبيت أبيها.
وكانت أسماء مع أختها عائشة في بيت أبيهما
ولمحت رسول الله فقالت لأبي بكر:
هذا رسول الله ﷺ مُتَقَنِّعًا -أي مُغطيًا رأسه-
فقال أبو بكر: فِداءً لهُ أبي وأُمِّي، واللهِ ما جاء بهِ في هذه الساعةِ إلا أمرٌ
فدخل رسول الله وقام أبو بكرٍ عن مكانه وجلس به رسول الله فقال:
"أخرج من عندكَ"
-أي لا يريد النبي ﷺ أن يسمع أحد ما سيقول-
فقال أبو بكرٍ: إنِّما هم أهلك يا رسول الله بأبي أنت يا رسول الله
-يقصد أسماء وعائشة وأن السرَّ عندهم أمين-
فتكلم رسول الله بوجودهن فقال:
فإني قد أذِنَ لي في الخروج -أي الهجرة-
فقام أبو بكرٍ من مكانه وقال:
يا رسول الله الصِّحْبَةَ
-أي أجعلني صاحبك في الهجرة-
فقال ﷺ: الصُّحْبَةُ -أي أنت صاحبي-
فبكى أبو بكر ولعل دموع أسماء نزلت من هذا الموقف، أما عائشة فكانت طفلة فتعجبت وقالت حينما روت الرواية بعد سنوات:
وما كُنْتُ أحسبُ أنَّ أحدًا يبكي من الفرحِ، حَتَّى رأيتُ أبا بكرٍ يومئِذٍ يبكي منَ الفَرحِ
ولما كان النبي ﷺ عند أبي بكر كانت قريش قد عزمت على خطتها لقتل النبي ﷺ يهجدون على بيته ليلاً ويضربونه ضربةَ رجلٍ واحد فيتفرق دمه على قريش ولا يستطيعُ بني هاشم الأخذ بالثأر، وخرج رسول الله ﷺ من بيتِ أبي بكر وهو على علمٍ علّمَهُ به علام الغيوب سبحانه.
فلما عسعس الليل اجتمع الكفار أمام بيته على رأسهم أبو جهل ينتظرون خروج النبي ﷺ لينفذوا أبشع خطةً في تاريخ البشرية.
"قتل النبي ﷺ "
تلك كانت غايتهم ومرادهم أن تروى أرض مكة من دماء الرسول ﷺ، أحاطوا بالبيت والرسول ﷺ وعلي بن أبي طالب فيه، فأمر النبي ﷺ أن ينام علي في فراشه، وأخبره أنه مهاجر وأن الملأ خلف بابه
ليقتلوه، ومع ذلك خرج رسول الله أمام الكفار ..
مر النبي ﷺ من أمام سادات قريش
ولكن .. ما ارتفع سيف وما سفك دم ولم يقتل نبي الله ﷺ وذلك لأن الله قد أخذ بأبصارهم.
فنظر لهم رسول الله نظرةَ الشافق على أمته الكاره لهم لما فعلوا ثم أخذ بملء كفه ترابًا، ذلك التراب الذي كان بمخططهم أن يتحول إلى اللون الأحمر أخذه بكفه ثم نظر لهم فجعل ينثر على رؤسهم فبدأ يتلو: {يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}
وينثر التراب على رأس كلِّ رجلٍ منهم
{إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ،
إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}
وأما أبو بكرٍ في بيته لا يكاد يهدأ ينتظر رسول الله
وقد أوصى أسماء وأبناءه يخبرهم ما يصنعون
ولما جاء النبي ﷺ خرجوا من باب صغير يسمى "الخوخة" في ظهر بيته.
وخرجوا من مكة ونظر رسول الله ﷺ لها النظرة الأخيرة وقال: واللهِ إنََكَ لخيرُ أرضِ اللهِ، وأحَبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ مَا خَرَجْتُ"
هنا أحست أسماء بحجم المسؤولية التي عليها
وأولها لما جاءها أبو جهل لعنه الله وذلك لما علموا أن النبي ﷺ ماعاد في بيته وقد خرج، جُنَّ وقتها وأصبح كالثور الهائج ضاعت آخر فرصة للنيل من محمد ﷺ، فذهب إلى بيت أبي بكر ومعه النفر من المشركين فخرجت لهم أسماء.
فقال أبو جهل:
أين أبُوكِ يا بِنتَ أبي بَكْرٍ؟
فقالت: لا أدري واللهِ أين أبي
فزاد غضب أبو جهل فرفع يده
ولم يكن يرَ أسماء كان يرى فيها أبوها ويرى فيها محمد ﷺ ويرى فيها الأسلام كله فلطم خدها لطمةً شديده سقطت منها وسقط منها قرطها الذي في أذنها .. وذهب
قامت أسماء لم تأبه بالصفعة قد بين لها أبوها أنهم سيلقون أكثر من هذا في سبيل الإسلام، قامت لتكمل مهمتها لتوصيل النبي ﷺ للمدينة.
وأما مكة استنفرت ذلك اليوم
رَكِبَ الفُرسَانُ وقُصَّاصُ الأثَرِ في كل وجهةٍ وانتشروا في الجبال والوديان يبحثون عنهم، صعبت المهمة على أسماء ويجب أن تذهب إلى غار ثور حيث النبي ﷺ وأبوها لتأتي لهما بالطعام،
ولما وصلت للغار مع أخيها عبدالله ودنا وقت الرحيل، وأسماء ترتب الأشياء لسفر النبي ﷺ وأبوها، جاءت تربط السفرة فما وجدت ما تربطه به، وكانت مرتديةً نطاقا، وهو حزام يربط على الخصر ليرفع الثوب عن الأرض، فلما لم تجد شيئًا أخذت نظاقها والنبي ينظر لها.
"ذات النطاقين"
فشقت النطاق إلى نصفين وربطت الجزء الأول به الأكل السقاء، والثاني أعادته إلى خصرها
فإذا تسمع صوته الكريم ﷺ وهو يقول:
"أبدلكِ الله بنطاقكِ هذا نظاقين في الجنة"
وكان هذا أجمل ما سمعت أسماء في حياتها.
ولم يبدل فرحتها تلك إلا لما جاء عبدالله بن أريقط الدليل الذي سيدلهم طريق المدينة، فوقفت أسماء أمام رسول الله وقالت:
في حفط الله وهو خير الحافظين
ثم قبلت أبيها على جبينه ثم غادرت فقعدت ترقبهما وهما يختفيان في ظلمة الليل
وهم بالطريق وقد بان الحزن عليهم، فقال عبدالله:
والله يا أسماء إني خائف على أبي وعلى رسول الله ﷺ
فقالت أسماء بعد تنهيدة طويلة:
ولكني يا عبدالله أخاف على رسول الله ﷺ أكثر؛ لأن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى لا تتم إلا به.
وقعدوا آل بكرٍ ينتظرون الأمر بالهجرة
فجاء الفرج كتب أبو بكرٍ إلى عبدالله بأن يأتوا
ففرحت أسماء ولم تأبه بالذي في بطنها وهي في آخر شهر، فرحت حتى أنها لم تفكر بمشقة السفر وخطورته على أمراةً حُبلى، جهزت نفسها للقاء بالرسول والأحبه، بالخروج من مكة وجوها الممتلئ بالشرك إلى أرض الإيمان إلى مدينة رسول الله.
وبينما هم في قباء وفي آخر ساعات الليل كانت أسماء تعاني الأمرين، الآم المخاض وإرهاق السفر، فسهل الله عليها وولدت ولدًا، وأتوا به إليها فضمته إلى صدرها، وما كانت تعلم ما سيكون أمر ولدها ولا حسرتها عليه وتلك حكمة الله.
أما زوجها الزبير في المدينة ما سكت حتى جاءه البشير:
أبشر يابن العوام فقد رزقك الله بمولود!
كبر أهل المدينة لأول مولود للمهاجرين وفرحوا واستبشروا به،
ولما دخلوا للمدينة أخذ أبو بكر المولود، ثم اتجه به إلى رسول الله ووضعه في حجره فابتسم بأبي هو وأمي لما رأى ابن أسماء فقال: "إنه أشبه الناس بأبي بكر"
وسرعان ما تبدلت الأيام وتقلبت الظروف
وأصبح هذا اليوم الذي فرحوا به بأول طفل للمهاجرين، يوم حزن حينما فقدوا سيد المهاجرين وإمامهم، حينما صاحوا في المدينة:
مات رسول الله.
وبكى المسلمون وبكت أسماء وهي تذكر أيامها معه ﷺ حينما كان يأتيهم في بيت أبي بكر لا يكاد يمضي يومٌ دون أن يأتيهم فيه، ثم تذكرت تلك اليالي التي كانت تأتي لهم بالطعام بالغار، وأشد ما تبكي عليه حينما تذكر ذلك الموقف ..
حينما جاءت للمدينة وكان زوجها لا مال له، وكانت تشتغل في كل أعمال البيت لوحدها، وتسوس الخيل، ولما أعطى رسول الله ﷺ زوجها أرضًا فيها نخل وزرع كانت تبعد قليلًا عن المدينة، فكانت تذهب لها كل يوم وتأتي وهي تحمل النوى على رأسها.
وفي مرة وهي عائدة وقد بان عليها التعب لمحها رسول الله ﷺ من بعيد فأشفق لما رأى من حال ذات النطاقين، وما ينسى رسول الله ﷺ أفعال المسلمين، رآها ولعله تذكر تلك الليلة حينما جاءتهم بالغار وعلى خدها آثار صفعة أبي جهل فقال رسول الله:
يا أم عبدالله .. يا أم عبدالله.
فلما أقبلت عليه أناخ جمله لتركب عليه
ولكن كان معه نفرٌ من أصحابه فاستحت أسماء
وكلما ذكرت الموقف بكت وزاد بكاؤها
ثم ما لبثت أن تنسيهم الأيام بعضًا من فقد رسول الله ﷺ حتى فقدوا خليفة رسول الله ﷺ.
وأما حال أسماء فكأنها وقفت في وسط المدينة
وبدأت الدنيا تدور من حولها وهي ثابتة تنظر
الأيام تمضي والسنون تجري، والناس غير الناس
حتى أظلمت الدنيا في عينها وفقدت بصرها وتجاوزت المئة عام، ذهب الأحبة وصحابة الرسول ﷺ حتى لم يبقَ سوى قلة، وما بقي من المهاجرات في الدنيا غيرها.
وأما الحياة الآن فقد مات يزيد بن معاوية، وبويع ابنها عبدالله بالخلافة، ودانت له الحجاز ومصر والعراق، وخراسان وأكثر بلاد الشام، ولكن بني أمية لم يقبلوا بذلك، فأرسلوا جيشًا كبيرًا بقيادة طاغية من طواغيت التاريخ.
الحجاج بن يوسف الثقفي
فعلم عبدالله أن الأمر كبير وما قد ينجو فدخل على أمه وكانت مريضة فقال:
كيف تجدينكِ.
قالت: أجدني وجعة
قال: إن الموت راحة
فقالت أسماء:
تتمنى موتي ؟ فلا تفعل .. وضحكت
وما كان عبدالله يتمنى موتها ولكنه قصد موته هو فإذا مات حزنت عليه فإن الموت لها راحة
وكانت تقول لابنها عبدالله:
والله لا أحب أن أموت حتى أرى على أي طرفيك تأتي أما أن تقتل فأحتسبك، وأما أن تظفر فتقر عيني
ودارت بين عبدالله والحجاج معارك طاحنة ما جبن فيها ولا خشي إلا أن أنصاره جعلوا ينقبضون عنه شيئًا فشيئًا فلجأ إلى بيت الله الحرام واحتمى به هو ومن معه حمى الكعبة المعظمة.
وقبل مصرعه بساعات دخل على أمه فقال:
السلام عليكِ يا أماه ورحمة الله وبركاته
فقالت: وعليك السلام يا عبد الله
ما الذي أقدمك في هذه الساعة، والصخور التي تقذفها منجنيقات الحجاج على جنودك تهز دور مكة هزًا ؟
قال: جئت لأستشيرك
قالت تستشيرني !! .. في ماذا؟
قال: لقد خذلني الناسُ رهبةً من الحجاج أو رغبة بما عنده، حتى أولادي وأهلي انفضوا عني ولم يبقَ معي إلَّا نفرٌ قليل من رجالي وهم مهما عظم جلدهم فلن يصبروا إلا ساعة أو ساعتين.
ورسل بني أمية يفاوضونني على أن يعطوني ما شئت من الدنيا إذا ألقيت السلاح وبايعت عبدالملك بن مروان فما ترين؟
حينما كان يتكلم كانت أسماء خافضةً رأسها فلما انتهى رفعت رأسها وبان عليها الغضب فارتفع صوتها وقالت: الشأن شأنك يا عبدالله، وأنت أعلم بنفسك
فإن كنت تعتقد أنك على حق، وتدعو إلىٰ حق، فاصبر وجالد كما صبر أصحابك الذين قُتلُوا تحت رايتك،
ثم بان على صوتها العبرة:
وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت
أهلكت نفسك، وأهلكت رجالك
فقال: عبدالله ولكني مقتول اليوم لا محالة
قالت: ذلك خيرٌ من أن تسلم نفسك للحجاج مُختارًا، فيلعب برأسك غلمان بني أمية
فقال: لستُ أخشى القتل، وإنما أخاف أن يُمثِّلُوا بي.
وبمجرد ما ذكر هذا عبدالله تصورت المشهد أسماء في عقلها ونزلت دمعتها ولكن مسحتها وقالت بكل حزم: ليسَ بعد القتل ما يخافه المرء، فالشاة المذبوحة لا يؤلمها السَّلخُ.
فابتسم عبدالله ودمعت عيناه وقال:
بُوركتِ من أم، وبوركت مناقبك الجليلة؛ فأنا ما جئت إليكِ في هذه الساعة إلا لأسمع منك ما سمعتُ، والله يعلم أنني ما وهنت ولا ضعفت، وهو الشهيد علي أنني ما قمت بما قمت به حبًا للدنيا وزينتها، وإنَّما غضبًا لله أن تستباح محارمه
وهأنذا ماضٍ إلى ما تحبين، فإذا أنا قُتلت فلا تحزني علي وسلمي أمركِ للهِ
فقالت: إنَّما أحزن عليكَ لو قُتلتَ في باطلٍ اقترب مني يا بني لأتشمَّمَ رائحتك وألمس جسدكَ فقد يكون هذا آخر العهد بك،
فأكب عبدالله على يديها ورجليها يقبلهما
وأجالت هي أنفها في رأسه و وجهه وعنقه تَتَشَمَّمُهُ وتقبله ثم أخذت بيديها تلمس جسده ولكن تغير تلك الملامح الحازنة إلى غضب وعقدت حاجبيها لما أحست بالحديد على جسده
فردت يديها وهي تقول:
ما هذا الذي تلبسه يا عبدالله؟
قال: درعي
قالت: ما هذا يا بني لباسُ من يريدُ الشهادةَ
قال: إنَّما لبستها لأطيب خاطركِ وأسكن قلبكِ
قالت: أنزعها عنك فذلك أشدُّ لحميتك وأقوى لوثبتك، وأخف لحركتك
ولكن ألبس بدلاً منها سراويل مضاعفة -أي طويلة-
حتى إذا صرعت -مت- لم تكشف عورتك
فنزع عبدالله درعه و ودع أمه وقال:
لا تفتري عن الدعاء لي يا أماه
وخرج يقاتل أما هي فقامت تمد يديها أمامها متى لا تسقط في شيء حتى وقفت عند الباب ورفعت يديها تدعي وطال دعائها حتى قالت:
اللهم إني قد سلمته لأمرك، ورضيت بما قضيت له؛ فأثبني عليه ثواب الصابرين
وما غربت شمس تلك الليلة إلا وقد مات عبدالله
وصلبه ثم دخل الحجاج على أسماء فقال:
يا أماه إنَّ أمير المؤمنين وصاني فيك فهل لك من حاجة؟
قالت والحزن يملأ صوتها:
لستُ لك بأم ثم أشارت بإصبع يدها إلى أبنها:
إنَّما أنا أم ذلك المصلوب على رأس الثنية، وما لي إليك من حاجة،
ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول:
يخرج في ثقيف كذاب ومبير.
فأما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فأنت
فغضب الحجاج وخرج
ثم مضت ثلاث ليالٍ وابنها مصلوب فذهبت إلى الحجاج وقالت:
أما آن لذاك الراكب أن ينزل -تقصد ولدها-
فقال الحجاج يريد أغضابها:
تقصدين المنافق؟
قالت والله ما كان منافقًا لقد كان صوامًا قوامًا برًا
فقام من كرسيه وقال: اسكتي فإنك عجوزٌ قد خرفتِ
قالت: والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله يقول:
في ثقيف كذاب ومبير ثم انصرفت.
ولم يُنزل الحجاج ابن أسماء حتى مرَّ عبدالله بن عمر بن الخطاب بجثة عبدالله فتألم لما وصل الحال له فقال:
السلام عليك أَبَا خُبَيْبٍ -ثلاثًا-
أَما وَاللَّهِ لقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عن هذا -ثلاثًا-
أما والله لقد علمتك صَوَّامًا، قَوَّامًا، وَصُولًا لِلرَّحِمِ،
أَما وَاللَّهِ لأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لأُمَّةٌ خَيْرٌ، ثُمَّ انصرف
فلما بلغ الحجاج ذلك القول من أكبر علماء الأمة أمر بإنزاله وطرحه في مقبرة اليهود
ثم أرسل إلى أسماء أن تأتيه فأبت ذلك
فلما عاد الرسول إلى الحجاج غضب وقال:
لَتَأْتِيَنِّي، أَوْ لأَبْعَثَنَّ إلَيْكِ مَن يَسْحَبُكِ بقُرُونِكِ،
جاء الرسول وهو يعتقد أن أسماء ستخاف وتأتي ولكن لعله نسى من وقف في وجه أبي جهل ذلك الطاغية الظالم
فقالَتْ: وَاللَّهِ لا آتِيكَ حتَّى تَبْعَثَ إلَيَّ مَن يَسْحَبُنِي بقُرُونِي
فلماء جاء الرسول الى الحجاج غضب وجاءها فأراد أن يغيضها فَقالَ:
كيفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بعَدُوِّ اللهِ؟
قالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عليه دُنْيَاهُ،
وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ،
ثم رفعت رأسها ونظرت له وأن كانت لا تبصر
نظرةً أخافت الحجاج فقالت:
بَلَغَنِي أنَّكَ تَقُولُ له -أي: ابنها-:
يا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ،
أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ،
أَمَّا أَحَدُهُما فَكُنْتُ أَرْفَعُ به طَعَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الآخَرُ فَنِطَاقُ المَرْأَةِ الَّتي لا تَسْتَغْنِي عنْه،
أَما إنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا، أنَّ في ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا فأمَّا الكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا المُبِيرُ فلا إخَالُكَ إلَّا إيَّاهُ،
فخرج الحجاج يرتعد قلبه مما قالت
ولم يعد لها، وأما أسماء فبكت حسرةً وقهرًا على ولدها وحزنًا على ما وصلت له الدنيا، وضلت تبكي حتى ماتت بعدها باليالٍ قليلة.
-غِياث

جاري تحميل الاقتراحات...