فهد آلْيٍـِحَـيَـا (الحساب البديل)
فهد آلْيٍـِحَـيَـا (الحساب البديل)

@drfalyahya11

36 تغريدة 18 قراءة May 04, 2022
أورسون ويلز
عبقري السينما بل عبقري الفن .. العجيب:
في أكتوبر 1938 وبينما كان ملايين الأمريكيون يتابعون تمثيلية إذاعية إذا يقطع مذيع البث ويعلن مراسل المحطة في نيوجيرسي غزو أهل المريخ لكوكب الأرض!
كان يوما مشهودا إذ أخذ الخوف بأفئدة المستمعين وصدقوا الخبر وأنهار بعضهم =
مما أضطرهم لطلب المساعدة الطبية!
وبعد ساعتين تبين الناس أن هذا إعلان إذاعي بصوت أورسون ويلز عن مسلسل تمثيلي مأخوذ من رواية الخيال العلمي "حرب العوالم" للكاتب الإنجليزي هربرت جورج ويلز!
=
لم يكن ويلز قد تجاوز الثالثة والعشرين حينئذٍ وقد ذاع صيته في المسرح وافذاعة والصحافة في نيويورك .. وبالمناسبة هو فنان متعدد المواهب وعالي القدرات
=
وُلد في 6 مايو 1915. في طفولته المبكرة عاش ويلز حياة رغيدة وكان والداه متألقين. الأب مخترع حقق ثروة لا بأس بها والأم عازفية بيانو شهيرة.
بيد أن هذا لم يدم طويلا فقد افترق والداه وهو في الرابعة وماتت أمه من اليرقان وهو في التاسعة وتدهورت تجارة أبيه ومات وهو ابن 13 عاما =
بدأت علامات نبوغه وعبقريته منذ الصغر ودرس في التعليم العام الدراما والموسيقا وشارك في التمثيل المسرحي ويرسم الكاريكاتير وهو في العاشرة
وعلمه صديق والده الدكتور بيرنشتاين ألعب السحر وخفة اليد. وتولى بيرنشتاين رعايته بعد وفاة والده وفي المدرسة في ألينوي تألق في المسرح ونمت مواهبه=
كان الجميع يتوقع أن يتجه بعد تخرجه عام 1931 أن يتجه إلى المسرح ولكنه كان شغوفا بالتصوير الفوتوجرافي والرسم بالزيت والتحق بمعهد شيكاجو للفن!
وفي ذات العام ذهب إلى إيرلندا لممارسة هوايته/دراسته في التصوير والرسم!
بيد أن لحظة التحول السحرية في حياته كانت عندما أفلس وذهب إلى دبلن
=
حيث دخل مكتب مدير مسرح دبلن وقدم نفسه على إنه ممثل معروف في برودواي/نيويورك. وأن عمره 19 عام (في الواقع كان 16). وساعده على هذا كبر جرمه وطوله الفارع!
أجرى له المدير اختبار أداء فنجح وأُعجب به وألحقه بالفرقة!
نجح أورسون نجاحا باهرا وبدلا من إجازة قصيرة أقام في دبلن عاما كاملا
=
رجع أورسون ويلز إلى نيويورك وإلى برودواي مباشرة .. فقد كان اكتسب خبرة كبيرة ووصلت شهرته إلى نيويورك!
كما قدم تمثيليات ومسلسلات إذاعية.
بعمر 19 سنة طغت سمعته في برودواي وأعجب المخرج جون هاوسمان بدور تيبالت الذي أداه أورسون في مسرحية روميو وجولييت ودعاة ليرأس =
شعبة إخراج في "مشروع المسرح الإتحادي" عام 1936!
وفي عام 1937 (21 عاما) قدم مسرحية ماكبث من فريق ممثلين كلهم من الزنوج التقاهم وانتقاهم في حي هارلم!
وفي عام 1937 أسس مع هاوسمان فرقة مسرحية!
وأستمر في عمله الإذاعي وفي عام 1938 أغلن عن غزو المريخيين المذكور أعلاه!
=
بالمناسبة كان ذلك المسلسل الإذاعي يتعرض إلى نقد مكثف كما أن تقييمه الجماهيري كان منحدرا!
ولكن ذلك الإعلان في الراديو قلب الموازين فأرتفع عدد المتابعين للمسلسل وملأت شهرة أورسون ويلز أمريكا من المحيط إلى المحيط! وكان في حدود الـ 23 من العمر!
=
للتو فرغت من شاهدة فيلم Mank 2020 عن كاتب سيناريو المواطن كين أول أفلام أورسون ويلز
وتقاسم السيناريست والمخرج أوسكار أفضل سيماريو أصلي (مكتوب مباشرة للشاشة)
=
عام 1940 دعت شركة RKO أورسون ويلز -الشاب ذي 24 عاما والذي لم يخرج فيلما سينمائيا طويلا من قبل وكل رصيده فيلم قصير صامت Twelfth Night 1933- وقدمت له عقدا غير مسبوق في تاريخ السينما راتب مغرٍ للغاية وحرية مطلقة في اختيار الموضوع والممثلين والطاقم الفني .. إلى أخره!
=
(تصحيح دعوة شركة RKO كانت 1939)
وتضمن العقد 25% من صافي الأرباح له ودفعة مقدمة قدرها 150 ألف دولار!
هذا العقد غير المسبوق قديما وحديثا أثار حسد "هوليوود" وكان الجو عدائيا عندما وصل هوليوود في 20 يوليو 1939 ولم يحضر الحفل الذي أقامه بمناسبة قدومه إلا عدد قليل!
فعلت الغيرة فعلها=
شرع أورسون ويلز يعمل على سيناريو لفيلم مقتبس من رواية جوزيف كونراد "قلب الظلام" بطريقة مبتكرة بيد أن هذا لم يكتب له النجاح!
فتحول إلى استيحاء سيناريو من عمل للإنجليزي سيسل داي-لويس The smiler with the knife
ولكن المرشحين للبطولة Carole Lombard و Rosalind Russell
رفضتا العمل =
مع هذا المخرج صغير السن (24 سنة) غير معروف في أول أعماله!
(وكما يقول الناقد الفرنسي الشهير أندريه بازا -يكتب خطأ بازان أو بازين- الحمد لله إنهما رفضتا لأنه أدى إلى صنع التحفة المواطن كين)!
حينها توجه أورسون ويلز وشريكه في مسرح ميركوري وهيرمان مانكيوز إلى كتابة "المواطن كين"!
=
سنة كاملة أمضاها ويلز في هوليوود قبل أن يبدأ بتصوير فيلمه.
يقول أندريه بازا أن ويلز استفاد من سنة شبه البطالة هذه في استكشاف تقنيات الأستوديو وتقنيات التصوير وشاهد أفلاما كثيرة عرضت له!
بينما يقول د علي شلش في كتابه في عالم السينما نقلا ويلز في مقابلة مع تلفزيون الـ بي بي سي:
=
أنه تعلم فن إدارة المَشاهد وإخراجها في 3 ساعات!
ويقول ناقد أخر:
ان ويلز الذي وقته يتجول بين الاستوديوات ويطلع على دقائق الحرفة السينمائية ويسأل بفضول عن كل شيء وعن كل تفصيل.
ويذكر مصدر أخر أن ويلز شاهج فيلم Stagecoach (1939) لـ
جون فورد 40 مرة قبل وأثناء تصوير المواطن كين!
=
جمع ويلز آخر شهر تموز يوليو 1940 عدداً كبيراً من الصحافيين ليشهدوا تصوير المشاهد الأولى من الفيلم! (عادة لا تكون هي المشاهد الأولى التي نراها على الشاشة).
وفي اليوم التالي تصدر عنوان "رجاءً الصمت! عبقري يعمل"!
بعدها تعمد ويلز السرية التامة على مدى مدة تصوير الفيلم
=
هذه السرية دفعت صحف الإثارة والفضائح للتنبيش واختلاق الأخبار حول الفيلم.
نمى إلى علم إمبراطور الصحافة وليام راندولف هيرست أن الفيلم مستلهم من سيرة حياته هو فثارت ثائرته!
واستصدر حكما بأن يشاهد الفيلم قبل عرضه محاميه والصحفية بارسون التي تعمل في إحدى صحفه وأكدا أن الفيلم يعرض به=
حاول هيرست أن يستصدر حكما بمنعه =ولكنه عرف أنه لن يستطيع فبدأ بمحاربة شركة RKO ومنع إعلاناتها أوالإعلان عن الفيلم وكادت الشركة أن ترضخ لكن ويلز هدد باللجوء إلى المحكمة فنزل دور العرض في في نيويورك ولوس أنجلوس في يوم 5 سيتمبر 1941.
=
حقق الفيلم نجاحا فنيا مذهلا بين النقاد وحقق فشلا ذريعا بين الجماهير.
رُشح الفيلم لـ 9 جوائز أوسكار 1942: أفضل فيلم وإخراج ومونتاج وتصوير .. وغيرها ولكنه فاز بجائزة السيناريو فقط!
وعند إعلان الفيلم لكل ترشيح كان الحضور يهتفون ضده بوووو!
لذا لم يعرض جماهيريا إلا في الخمسينيات
=
لحسن الحظ لم يحقق الفيلم خسارة للشركة الممولة ولكنه حقق مكسبا لا يذكر للشركة فقد بلغت تكاليفه 800 ألف دولار ودخلاا مليون دولار!
لكن هذا جعل الشركة تأخذ موقفا متشددا: فلم تمول له إلا:-
عائلة أمبرسون المدهشة 1943
الغريب 1946
سيدة من شنجهاي 1947 (ولم يُذكر اسمه بطلب منه)
=
المواطن كين أفضل فيلم لـ ويلز وهو أيضا -كما يقول- لعنته فالنقاد والناس يقارنون بين أعماله اللاحقة وبينه!!
والفيلم يُعتبر من أفضل 5 أفلام في تاريخ السينما إن لم يكن أفضلها على الإطلاق؛ وكثيرون يعدونه كذلك!
وإذا كان ويلز لا يكفيه مجلد لتدوين إنجازه فإن المواطين كين بحاجة إلى كتاب
=
لقطات من المواطن كين (1)
=
لقطات من المواطن كين (2)
=
مستوحىً جزئيا من حياة هيرست وحياة كل من: منافس هيرست اللدود جوزيف بوليتسر صاحب الجائزة الصحفية الشهيرة. ومخترع شيكاغو الصناعي الكبير صمويل إنسول. وناشر صحيفة شيكاغو تريبيون روبرت ماكورميك. وويلز ذاته.
تبين هيرست لاحقا إنه مخطئ لكن سبق السيف العذل ولم يكن هناك مجال للتراجع !
=
ومضى في هجومه على ويلز حتى وفاته عام 1951 متهما إياه بالشيوعية (موضة بقه).
تم طلاق والدي ويلز عندما كان في الرابعة فعاش مع أمه التي توفيت عندما كان في الثامنة وهي نفس السن الذي تخلت أم كين عنه لعوزها وضيق ذات اليد.
=
وانتقل بعدها للعيش مع أبيه (كانت تجارته قد بدأت بالتدهور مع ولادة أورسون) الذي ما لبث أن توفي بعد سنوات قليلة بسبب إدمان الكحول ولسبب ما كان الشعور بالذنب يخامر أورسون بأنه السبب في إدمان أبيه الذي فقد عمله وتدهورت أحواله (كان الميراث كله 500 دولار).
=
وأنتقلت وصاية أورسون إلى صديق الأسرة بيرنشتاين الذي تولى رعايته وعلمه الألعاب السحرية.
وإحدى الشخصيات الرئيسة في الفيلم اسمها "بيرنشتاين"!
وهناك تقاطعات أخرى بين حياة أورسون ويلز والمواطن كين!
=
ربما -عزيزي المتابع والقارئ- ستجد فيه فيلما جيدا وجميلاً وجدير بالمشاهدة لأن كل ما قدمه ويلز من تقنيات جديدة في المواطن كين باتت معهودة بالنسبة لك. ولكن فيلمه كما يصفه النقاد ومؤرخ السينما كان ثوريا في تغيير نمط هوليوود المألوف!
بعض من الوسائل المألوفة استخدمها ويلز =
ولكن بشكل أكثر زخما دراميا مثل مشاهد استرجاع الماضي (Flashback).
استخدم البؤرة العميقة في العديد من المشاهد بحيث كانت الأشياء في مقدمة اللقطة بنفس وضوح الأشياء البعيدة في عمق الصورة وذلك بدلا من القطع الذي يلجأ إليه الكثير من المخرجين.
=
التصوير بزاوية منفرجة كان متبعا من قبل السينمائيين الألمان ذوي النزعة التعبيرية مثل روبرت فينه Robert Wiene صاحب فيلم خزنة الدكتور كاليجاري.
كما حرص ويلز على تبيان الأبعاد الثلاثية وحركة الممثلين في أماكن فسيحة.
والتصوير من أسفل إلى أعلى ومصابيح الإضاءة بشكل غير مباشر أو حاد =
قبلة الحياة لفيلم المواطن كين جاءت من أوروبا عندما عرض في الثلث الأوسط من خمسينيات القرن الماضي وأحتى به النقاد الأوربيون وخصوصا أندريه بازا وباقي نقاد مجلة كراس السينما (التي أطلقت الموجة الفرنسية الجديدة) التي رأسها ألكسندر أستروك وهو صاحب نظرية سينما المؤلف أو الكاميرا القلم=
أولئك النقاد كانوا مناهضين لمدرسة المونتاج الروسية (خصوصا آيزنشتاين) ففي تلك المدرسة يظهر الحدث على الشاشة مدة أطول مما يحدث في الواقع (مثل مشهد سلالم الأوديسة في المدرعة بوتمكين).
ويفضلون اللقطات الطويلة لأنها أكثر واقعية وهذا ما قدمه ويلز بامتياز في المواطن كين =
وكان أندريه بازا أكبر المحتفين بـ ويلز وفيلمه المواطن كين وكتب عنه كتاب "أورسون ويلز" الذي صدر في أواسط الخمسينيات وقدم له الشهير جان كوكتو وقبيل وفاته 1958 أعاد إصداره بمقدمة وافية ضافية بقلم "فرانسوا تروفو".
وترجمته المؤسسة العامة للسينما في سوريا في سلسلة الفن السابع!
تحياتي!!
@rattibha
رتب
مع الشكر والتحية

جاري تحميل الاقتراحات...