12 تغريدة Dec 26, 2022
الحمد لله وبعد
النفسُ مجبولة على البحث عن الاتزان والاتساق بين مختلف جوانبها، أن تكون لها صورة ثابتة مستقرة عن نفسها يشتَقّ منها الإنسان مبادئه وأفعاله في الحياة، ويرجع إليها في تقييم ما يَرِدُ عليه من الأحداث والمواقف، وتتصرف وفقًا لها عواطفه وانفعالاته ومشاعره.
ولكن، إذ يعيش العالم في عالم الصيرورة الذي "لا يستطيع المرء أن ينزل فيه لنفس النهر مرتين" كما يعبر هيرقليطس، يضطر الإنسان لمواجهة قلق التغيرات المستمرة في هذه الصورة والمبادئ والتقييمات والعواطف والانفعالات، والتي كثيرًا ما يتغير كل طرف منها بمعزل عن باقي الأطراف،
ما يضطرّ الإنسان إما لرفض هذا التغير أو إعادة رسم صورته لتوائم هذا التغير، وهذا الرفض إذا كان رفضًا لتغير حقيقي سيؤدي لا محالةَ إلى توتر نفسي مستمر ومتزايد سيؤول في آخر المطاف إلى تغير في صورة النفس.
كل من الحلَّين منتج للريب والخوف التابع له،
بما هما مناقضان لهذه الجِبِلّة الإنسانية "البحث عن الاتزان والاتساق بين مختلف جوانب النفس"، وهي إحدى المآزق الأساسية للنفس البشرية، إذ أنّ الاتكاء على أيٍّ من الكينونة الثابتة -الاتزان-، أو الصيرورة والتغير = يُفقِد الإنسان فضائل ضرورية لجوهر قيمة الإنسان.
إذ من الكينونة -الاتزان- يجد الإنسان حسّ المسؤولية والواجب والثبات على الحق والجهاد لأجله، لكنه يعمى عن الواقع وعن استيعاب تعقّد العالم، لأن الصورة الثابتة عن النفس تقتضي صورة ثابتة عن العالم، وعند الكثيرين تميل هذه الصورة لأن تكون ثنائية تبسيطية للوجود، أبيض وأسود.
ومن الصيرورة يجد الإنسان حسّ التفهّم والانفتاح على استيعاب طبيعة العالم وأفراده ومجموعاته، والمراجعة المستمرة للنفس وتقييم معارفها ومواقفها، لكنه يفقد الموقف الصارم الضروري لتغيير هذا العالم والذي لا بدّ أن ينطوي على قدر من اليقين لا يسمح به الانفتاح المجرد على عالم الصيرورة.
هذا الصراع بين الكينونة والصيرورة قديم في التاريخ البشري، تمظهر في أوضح صياغاته داخل الفلسفة اليونانية ما قبل السقراطية خلال الجدل ما بين بارمنيدس والذي في سبيل الوفاء للكينونة نفى وجود الحركة والتغير في العالم، واعتبرهما وهمًا من الأوهام، في مقابل هيرقليطس والذي في سبيل الوفاء
للصيرورة نفى وجود الأشياء الثابتة واعتبر الوجود في حالة "فيض مستمر" (في التأويل الأكثر شهرة لفلسفته، وإن كان التأويل الأقرب صحة هو أنه لم ينفِ الكينونة، وإنما أثبتها وجعلها نفسها مظهرًا ضمن الصيرورة).
داخل النفس البشرية (كما حدث في الفلسفة) يحتاج المرء ليتعامل مع هذا المأزق المؤلم ما بين طبعه في الميل نحو التوازن ونحو الصورة الثابتة لنفسه، في مقابل ضرورات عالم الصيرورة، يحتاج إلى ابتكار صيغة تعايش يستطيع عبرها الحفاظ على فصائل كل من الجانبين جنبًا إلى جنب،
دون أن يخاطر بفقدان نفسه أو بالتشظي تحت وقعِ ألم الرَّيْب. (في الفلسفة أنجز هذه المهمة أفلاطون عبر خلقِ العالم المُثُل المرتبط بالعقل المتضمن للكينونة، في مقابل الواقع المرتبط بالحس المتضمن للصيرورة. لكننا بالطبع لن نسير ونحن نتعامل مع نفوسنا على خطى هذا اليوناني العتيق)
كنتُ أنوي هنا أن أكتب فكرةً عن مسألة التدين وتحولاته وتصوره عند الفرد مع الزمن، وكيف يمكن للفرد أن يعطّل تزكيته وتدينه عن التطور، وكيف يمكنه أن يقطع مسيره إلى الله سبحانه وتعالى بنفسه، وكنتُ أظنّ أن فقرة فقرتين ستكفي لوضع المقدمات لهذه الفكرة، فإذ بي أجد أني كتبتُ كثيرًا جدًّا،
لكنني أعتقد بهذه الإشارة للموضوع الأصلي للمنشور يمكن لمن يريد أن يتتبع علاقة الفكرتين ببعضهما وربما ما أردتُ قوله عن التدين عبر الأفكار الأساسية هنا، إذ أشكّ في أني سأكتب عن هذا الموضوع استقلالًا.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

جاري تحميل الاقتراحات...