ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

24 تغريدة 458 قراءة Apr 16, 2022
عراب الفن الهندي وأحد أهم الشخصيات الثقافية والفكرية في الهند الحديث بإجماع النقاد، قدم للسينما الهندية عديد من نجومها وساهم في بناء هوية الدراما الهندية وصولا إلى بوليود وعالمية إنتاجها، لكن أبو الفن الهندي لم يكن هنديًا بل كان سعوديًا من أهل عنيزة!!!
حياكم تحت🎬
القوافل تروح وتجيء أمامه وهو لا يزال صغيرًا ينتظر لحظته، كانت عنيزة في تلك الفترة من أواخر القرن التاسع عشر لا تزال قرية صغيرة، لكنها رغم ذلك؛ تدب بالحركة، لقد مكنها موقعها المميز ومائها الوفير أن تكون مستراحًا للعابرين ومستقرًا لقوافل التجارة وبابًا أصيلًا للوفود والترحال
حمد ذلك الطفل الصغير الذي مات عنه أبوه، عاش في كنف أمه العثيمينية متطلعًا إلى تلك اللحظة التي يشتد فيها ساعده ويعول نفسه ويعمل كأقرانه في التجارة، الجميع هنا تاجر، ولابد أن تكون تاجرًا كالجميع، لكن آفاق التجارة فسيحة ممتدة لا نهاية فيها لمكان أو مكانة.
كعادة أهل القصيم في تلك الفترة من إرسال أبنائهم إلى معارفهم في أمصار بعيدة من أجل تعلم التجارة والعمل، وقع اختيار أعمام حمد على معارفهم من عائلة بسام النجدية القصيمية المقيمة في الهند، فقرروا إرسال حمد إليهم كي يتعلم التجارة، وذلك بعد أن صار شابا قويا يرتجى منه العمل.
انطلقت إحدى القوافل وهي تحمل معها هذا الشاب السعودي، طوت في طريقها بلاد وبلاد وأراضين شاسعة، إلى أن حطت رحالها في مدينة بونى غرب الهند، حركة وتجارة ودأب، وحمد تبرق عيناه بالعجب، يتأمل كل ما حوله في ذهول، مركبات في كل مكان وبضائع وشخوص وأمكنة لم يتخيل نفسه معايشا لها يومًا.
انضوى حمد عاملًا ضمن تجارة آل بسام والذين كانوا يعملون بشكل أساسي في تجارة الشاي، تعلم الكثير تحت أيديهم، وبجوار ذلك تمرس في الطب الشعبي ومعالجة الخيول ففتح الله عليه أبوابًا كثيرة من الرزق. ثم لم يمض كثير من الوقت حتى كانت له تجارته الخاصة في الشاي والمواد الغذائية والشاي
منحته تجارته الخاصة في الهند حرية الحركة والسفر من جديد، فتنقل بين الهند وباكستان والكويت ولبنان وكذا القصيم، وفي إحدى رحلاته العائدة به إلى الهند هداه نصيبه إلى نصفه الثاني، حيث تزوج فتاة من عائلة النصار الكويتية، ولم يمض كثير وقت حتى قفل بعروسه نحو الهند مجددًا.
عاش حمد مع زوجته في شقة ضمن بناية كبيرة ضمت بين جوانحها كثير من السكان متعددي المشارب والثقافات كتثميل حقيقي للمجتمع الهندي، حيث الهندوس والمسلمين المسيحيين والسيخ والفرس وغيرهم، ذلك الخليط الثقافي أورث في الجميع نظرة متسامحة
رزق حمد ب٨ من الأولاد والبنات، كان أولهم وأكبرهم هو إبراهيم الذي ولد عام 1925، حيث اهتم الأب حمد بأبنائه كثيرًا، ومع ميسورية الحال حرص أيما حرص على إلحاقهم بالمدارس الهندية، وكيف لا والأب كان مثقفًا محبًا للشعر ومجيدًا للقراءة والكتابة ومتمكنًا بحكم ترحاله وتجارته من عدة لغات.
في المنزل حرص الأب حمد القاضي على الحديث مع أبنائه فقط باللغة العربية، وذلك حتى يبقيهم على اتصال بثقافتهم الأصلية وجذورهم، ليس هذا فحسب بل سار إلى إحضار معلم سعودي خصيصًا لهم، حتى يعلمهم اللغة العربية وبعضًا من علوم الدين الإسلامي، حيث عاش بينهم كواحد من العائلة.
لقد علم الأب حمد نفسه بنفسه، حيث كان قارئًا نهمًا يجمع الكتب من كل صوب وحدب بالعربية والإنجليزية والأردية، كما كان حريصا على اقتناء أحدث الصحف والمجلات مثل الأهرام المصرية، وأحدث الإصدارات الروائية العربية وكان مولعا بروايات نجيب محفوظ
ساهمت تلك البيئة المتمسكة بالجذور وفي نفس الوقت المحبة للعلم المنفتحة على المجتمع بكل أطيافه على تنشئة أبناء مرهفي الحس بعيدين عن الكراهية، وبحكم المولد والنشأة تغلغل في نفس إبراهيم الابن البكر حبًا خاصًا للهند وتراثه وفنه خاصة مع زرعه فيهم أبيهم من حب للفن وتذوق عميق له.
لقد نشأ الفتى دؤوبا مثل أبيه تمامًا، حيث لم يتوقف عن الدراسة والإثراء المعرفي لذاته يومًا واحدا، بجانب ذلك ظهرت عليه بوادر موهبة مسرحية فذة في المسرحيات المدرسية، وكذا في مسرح الجامعة وذلك بعد انتقاله إلى بومبي عام 1941 للدراسة في كلية "سينت خافيير".
كانت الأجواء في بومبي وعموم الهند في تلك الفترة في أوج اشتعالها، فالمطالبات بالاستقلال على أشدها، والفعاليات الفنية ضد الاحتلال الإنجليزي على أشدها الأمر الذي منح إبراهيم فرصًا مميزة للظهور وتنمية قدراته المسرحية والفنية.
عندما لاحظ والده شغفه بالمسرح قرر إرساله لبريطانيا لدراسة المسرح عام 1947 في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية بلندن، حيث تلقى تدريبًا مسرحيًا هناك أوصله إلى نيل جائزة استحقاق من" بي بي سي" عام 1950، انهالت عليه كثير من العروض للعمل في المسرح الإنجليزي لكنه رفض وعاد إلى الهند.
امتهن إبراهيم الإخراج والإنتاج المسرحي، فرعى المواهب الشابة وقدمها للجمهور وأرسى قواعد الفن الدرامي الهندي، وقدم مسرحياته في الهواء الطلق كأول من يقدم على ذلك، ولاقت تفاعلا كبيرًا، كما أقام وأسس منظمات تعنى بالفنون وتنمية المواهب.
على طول مسيرته الممتدة حتى الألفية الجديدة قدم الرجل أكثر من 50 مسرحية تعد من كلاسيكيات الفن الهندي الحديث وجواهره الخالدة التي لا تزال يشاهدها الهنود حتى اليوم، سُجِل عنه إشراكه كبار الممثلين الهنود في مسرحياته، بل إن كثير منهم بدأ مسيرته معه عبر مسرحه.
كان رئيس الوزراء الهندي في ذلك الوقت مهتماً بالثقافة وكان دائما ما يحضر مسرحيات القاضي مذهولا بما يقدمه فقدم له بدوره الدعم من مختلف نواحيه، وكان زوار الدولة من رؤساء حكومات وعلية القوم ومشاهير العالم يأتون لحضور مسرحياته لقيمتها الفنية ولرقيها ولفخر الحكومة الهندية بها.
اهتم القاضي بالجوانب التعليمية فعمل مديراً للمدرسة الوطنية للدراما في نيودلهي لمدة 15 عاماً، وخلال هذه الفترة جعل الإنتاج جزءا من التدريب، لضمان اطلاع الممثل على جميع جوانب الأداء - التمثيل، والأزياء، وتصميم الديكور وحتى التعامل مع شباك التذاكر.
عرف القاضي على الساحة الهندية بعراب الفن الهندي أو أبو الفن الهندي، وقد نال خلال مسيرته الطويلة مجموعة من أرقى الجوائز الهندية والعالمية من بينها بادما شري (1966)، وبادما بوشان (1991)، وبادما فيوشوهان (2010) جائزة فارس الفنون وهي أعلى جائزة ثقافية في فرنسا وغير ذلك الكثير.
لم يكن الفن المسرحي هو فقط ما توقدت به نفس إبراهيم القاضي، حيث نراه كذلك رسامًا موهوبًا غزير الإنتاج، كما كان له اهتمامًا خاصًا بالتحف الفنية والمطبوعات النادرة، حيث جمع أكثر من 90 ألف قطعة ضمنها مؤسسة القاضي في نيودلهي غير الهادفة للربح والتي أنشأها لخدمة الباحثين والمهتمين.
وتقديرًا من المملكة العربية السعودية للقاضي على إنجازاته المرموقة ووفاء لحبه للسعودية واعتزازه بأصوله النابع منها، قام الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة بزيارة القاضي في منزله عام 2019 وكرمه وأعلن عن تأسيس "كرسي إبراهيم القاضي"، احتفاء وتقديرا لإسهاماته الفنية.
كما قام مهرجان أفلام السعودية بمنح القاضي جائزة النخلة الذهبية التي تقدم لشخصية المهرجان في دورته الثانية عام 2015، وقام المهرجان أيضًا بإصدار كتاب وفيلم وثائقي لحياته الفنية تحت عنوان "إبراهيم القاضي.. جسرٌ بين ثقافتين"
توفي القاضي في أغسطس عام 2020 عن عمر ناهز 95 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتجدد وعشق حقيقي لبلده الذي ولد فيه وترعرع، وتقدير كبير واعتزاز بأصله القصيمي، وقد نعته حينها جميع الأوساط الثقافية السعودية الرسمية والشعبية.

جاري تحميل الاقتراحات...