كتب الكثير عن لقاء الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت في ١٩٤٥. ولم يلحظ الجميع تقريبا مستوى الحس التفاوضي للملك في أول وآخر لقاء له مع قائد الانتصار في أكبر حرب عالمية شهدها العالم آنذاك. تأتي رواية ويليام إيدي لذلك اللقاء لتسلط الضؤ على ذلك الحس الذي تميز به مؤسس السعودية الثالثة.
تنبع أهمية رواية أيدي من أنه تولى ترجمة الحديث بين الملك والرئيس وبالتالي كان شاهدا عليه. ثم إنها رواية أميركية وليست سعودية. وحسب هذه الرواية طلب روزفلت لقاء الملك لمساعدته في إيجاد حل لمشكلة اليهود التي تكشفت قبيل نهاية الحرب. في التغريدات التالية تفصيل ذلك.
أول ملاحظة لصاحب الرواية أن عبدالعزيز باعتباره ضيف الرئيس لم يقترح موضوعا للحديث. ترك ذلك لمضيفه. الثانية أن الملك لم يتطرق، بل لم يلمح لأي مساعدة مالية رغم أن السعودية لم تكن حينها بلدا نفطيا، بل بلدا فقيرا لم يمضي حينها على تأسيسها أكثر من ١٣ سنة وتعاني من ظروف الحرب العالمية.
في بداية اللقاء شرح روزفلت تطورات الحرب معبرا عن ثقته بهزيمة ألمانيا ثم قال للملك أن لديه مشكلة كبيره ويرغب في نصيحته ومساعدته. وهي مشكلة إنقاذ واعادة تأهيل ما تبقى من اليهود الذين عانوا ما لا يمكن وصفه من الرعب والقتل على يد النازيين. ماذا يمكن للملك أن يقترح هنا؟ سأل روزفلت.
يقول إيدي كانت إجابة الملك سريعة ومختصرة: أعطهم أفضل أراضي ومنازل الألمان الذين اقترفوا بحقهم تلك الجرائم. رد روزفلت قائلا إن لدى اليهود ميل عاطفي للاستقرار في فلسطين، وينفرون من البقاء في المانيا خوفا من أن تتكرر معاناتهم. فأجابه الملك ”لا شك لدي بأن لدى اليهود سببا مقنعا ..
بعدم الثقة في الألمان. والغريب يقول الملك أن الحلفاء لا يتوقعون السيطرة على سياسة ألمانيا بعد هزيمتها ولذا سيعودون للسلوك ذاته مع اليهود. إذا كان الأمر كذلك، تساءل الملك: لماذا إذن دخلتم هذه الحرب المكلفة؟ ثم يضيف أنه من الصعب تصور أن الحلفاء بعد انتصارهم سيتركون عدوهم الألماني.
في حالة تُمكنه من العودة للهجوم مرة أخرى. عندها رد روزفلت قائلا إنه يعول على كرم العرب ومساعدة الملك لحل هذه المشكلة. فأجابه عبدالعزيز قائلاً: دع العدو ومقترف الجريمة يدفع الثمن. ماذا فعل العرب ليهود أوروبا؟ من سرق منازل وحياة اليهود هم الألمان المسيحيون. دع الألمان يدفعون.
هنا اشتكى روزفلت من أن الملك لم يساعده في حل المشكلة. في رده لم يفصل عبدالعزيز موقفه مرة أخرى وقد بدأ يفقد شيئا من صبره. قال بصوت فيه شيئ من السخرية، حسب إيدي، إن هذا القلق المبالغ فيه من الألمان لا يستوعبه بدوي في عرفه أن يأخذ الأصدقاء اهتماما أكثر من الأعداء. ثم أضاف الملك ..
ملاحظته الأخيرة عن الموضوع بقوله أنه في عرف العرب يتم توزيع ضحايا المعركة والناجين منها بين القبائل المنتصرة كل حسب حجمه ودوره. وفي معسكر الحلفاء المنتصرين خمسون بلدا أحدها فلسطين. وهي بلد صغير وفقير ، وأخذ أكثر من حصته من اللاجئين الأوروبيين. ولا يتسع بالتالي لأخذ المزيد منهم.
هنا تصل الرواية نهايتها. ورغم أنهما لم يتفقا على شيئ فقد نشأت بين الرجلين صداقة حميمية. قبل وفاته باسبوع بعث روزفلت رسالة لعبدالعزيز تعهد فيها بأنه شخصيا لن يفعل شيئا معاد للعرب وأن الحكومة الأميركية لن تغير سياستها تجاه فلسطين قبل التشاور مع اليهود والعرب.لكن القدر كان في الأفق
بعد شهرين من اللقاء توفي روزفلت وتغيرت سياسة أميركا مع ترومان. عندها رفض الملك نشر نسخته من محضر لقائه مع الراحل. اعتبره تأسيسا لصداقة بين رئيسي دولتين عمادها حسن النية والصدق. وعندما مات كل ذلك مع روزفلت، وتنكر له ترومان، فإن نشر الأوراق لن يعيد الحياة لتلك الأسس مرة أخرى.
جاءت رواية إيدي في كتابه FDR meets IBN Saud صدر لأول مرة في ١٩٥٤. يقول أنه لم يُنشر شيئ عن الحديث الذي دار في اللقاء لأن كل من حضره التزم بالصمت. وها “أنا أتخلى عن صمتي”.
جاري تحميل الاقتراحات...