باب ما جاء في السوبيا
لما ذكرت (السمبوسك) ورد السؤال عن (السوبيا)، وهي شراب بارد يصنعه أهل الحجاز من الشعير أو الزبيب أو من بقايا الخبز المصنوع من الدقيق الأبيض، ينقعونه في الماء يوما أو ليلة ، أو أكثر من ذلك بقليل ، ثم يصفونه ، ثم يحلونه بالسكر ، وقد يضيفون إليه قليلا من القرفة.
لما ذكرت (السمبوسك) ورد السؤال عن (السوبيا)، وهي شراب بارد يصنعه أهل الحجاز من الشعير أو الزبيب أو من بقايا الخبز المصنوع من الدقيق الأبيض، ينقعونه في الماء يوما أو ليلة ، أو أكثر من ذلك بقليل ، ثم يصفونه ، ثم يحلونه بالسكر ، وقد يضيفون إليه قليلا من القرفة.
وهو من نوع الأنبذة المباحة، التي كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يشربها، كما ثبت في الصحيحين، ومنها حديث صحيح مسلم عنعائشة (رضي الله عنها) : «كنا ننبذ لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سقاء ، يُوكَى أعلاه وله عَزْلاء، . ننبذه غُدوةً فيشربه عشاءً ، وننبذه عِشاء فيشربه غدوة» .
والعزلاء : هو فم المزادة الأسفل .والغدوة : ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس .
وهي شراب رمضاني في الحجاز ، يتبردون بشربه على الإفطار وبعده ويطفئون به ظمأهم .
وهي شراب رمضاني في الحجاز ، يتبردون بشربه على الإفطار وبعده ويطفئون به ظمأهم .
ومن قصصي الطريفة مع السوبيا منذ نحو ثلاثين سنة : أنني ذهبت إلى أحد المحلات الشهيرة بصنعها في مكة المكرمة (وليس هو الخضري) ، لأشتري منه ، وذلك في غير رمضان ؛ لأننا في رمضان نصنعها في بيوتنا . وكان صاحب المحل يضعها في برادات كهربائية كالتي توضع فيها العصائر (التوت وغيره) .
لكن كان قد دخل المحل رجل قبلي ، وسمعته يطلب من البائع سوبيا ، ويقول له : «أريد من اللي جوة » ، أي من الجواني (بفتح الجيم : من فصيح العامة) الداخلي ، فذهب البائع لداخل المحل (إلى مكان غير ظاهر كالمخزن) ، ثم خرج ، وأعطى الرجل كيسا فيه السوبيا التي طلبها .
فظننت أن هذه السوبيا الجوانية أفضل ، فقلت للبائع : أريد من السوبيا الجوانية ، فإذا بالبائع يجيبني بعنف قائلا : ما عندنا إلا هذه ، وأشار للسوبيا المعروضة في البرادات . فعجبت من تصرفه ، ولا فهمت سبب هذا الموقف الغريب منه .
ثم بعد فترة يسيرة ، لا تزيد عن أسابيع قليلة ، مررت بالمحل نفسه ، فإذا به مغلق بالشمع الأحمر (كما يقال) ، فسألت عن السبب ، فقيل لي : إنه كان يبيع سوبيا وصلت حد الإسكار .
فعرفت حينها الفرق بين السوبيا البرّانية والجوانية ، وحمدت الله تعالى أن الرجل عرف أنني لست من أهل السوبيا الجوانية ، وإلا فقد كنت : يا غافلا ، لك الله !!
والسوبيا معروفة بهذا الاسم منذ القدم : فقد جاء في (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير (ت606هـ) : «في حديث ابن عمر ذكر «السوبية» وهي بضم السين وكسر الباء الموحدة وبعدها ياء تحتها نقطتان: نبيذ معروف يتخذ من الحنطة. وكثيرا ما يشربه أهل مصر» .
ولذلك فقد تكلمت عنها المعاجم العربية ، كـ(لسان العرب) لابن منظور ، والزبيدي في (تاج العروس) ، بل ذكر الزبيدي في (التاج) أنه قد صنف رسالة في معرفة خواص السوبية .
وقال ابن القوطية الأندلسي (ت367هـ) في (المقصور والممدود) : «فُوعلاء بنية لم توجد في كلام العرب إلا معرّبة من كلام العجم ... (ثم ذكر منها) سُوبياء: ضرب من الأشربة» . وفُوعلاء بضم الفاء.
وهي مذكورة باسم (سوبية) و(سوبيا) و(سوبياء) .
وهي مذكورة باسم (سوبية) و(سوبيا) و(سوبياء) .
ومع أنه قيل إنها فارسية ، إلا أني لم أجدها في بعض المعاجم الفارسية العربية التي عندي ، ولا في المعربات الفارسية للتونجي .
وفي (أخبار قضاة مصر) لأبي عمر محمد بن يوسف الكندي (ت350هـ) ص239 : «حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثني ابن قديد، عن أبي نصر بن صالح، قال: حدثني عبيد الله بن سعيد، عن أبيه، عن ابن لهيعة، عن عمران بن شبيب، أن عبد الرحمن بن حجيرة: كان يشرب الشوبية»
وعلق محقق الكتاب على كلمة (الشوبية) فقال المحقق : «في الأصل : السوبية» ، ولا ذكر المحقق سبب تغيير ما في الأصل ، مع أن الذي في الأصل هو الصواب .
وقد نقل الحافظ ابن حجر العبارة على الصواب ، فقال في كتابه (رفع الإصر عن قضاة مصر) ص216، ناقلا عن الكندي : «من طريق ابن لَهيعة عن سعيد بن المسيّب، أن ابن حجيرة كان يشرب السوبيا» .
وهذا النقل صحح لنا (السوبية) ، لكنه حرف اسم الراوي ، فالصواب أنه عمران بن شبيب وليس سعيد بن المسيب .
وهذا النقل صحح لنا (السوبية) ، لكنه حرف اسم الراوي ، فالصواب أنه عمران بن شبيب وليس سعيد بن المسيب .
وعبد الرحمن بن حُجيرة الخولاني أحد سادة التابعين وقضاتهم وخطبائهم بمصر (ت83هـ) ، وهذا الخبر يدل على قدم السوبيا ، وأنها ترقى إلى زمن الصحابة (رضوان الله عليهم) .
وإسناد الخبر ضعيف ، لكنه محتمل في مثل هذه الأخبار .
وقد اشتهرت السوبية في الفقه المالكي ، فذكرها كثيرون :
وإسناد الخبر ضعيف ، لكنه محتمل في مثل هذه الأخبار .
وقد اشتهرت السوبية في الفقه المالكي ، فذكرها كثيرون :
فقد جاء ذكرها في التفريع على مذهب مالك لأبي القاسم ابن الجَلَّاب المالكي (المتوفى: 378هـ) ، وفي المعونة على مذهب عالم المدينة للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ) ، وفي الذخيرة للقرافي وغيرهم .
وذكرها داود الأنطاكي في كتابه الطبي (التذكرة) .
وذكرها داود الأنطاكي في كتابه الطبي (التذكرة) .
وذكرها أيضا معبرو الرؤى والأحلام !
ففي (الإشارات في علم العبارات) لخليل بن شاهين الظاهري (ت873هـ) : «وشرب السوبية حصول ما فيه شبهة إذا كانت حلوة والحامضة منها مال حرام».
ففي (الإشارات في علم العبارات) لخليل بن شاهين الظاهري (ت873هـ) : «وشرب السوبية حصول ما فيه شبهة إذا كانت حلوة والحامضة منها مال حرام».
وفي (تعطير الأنام في تعبير المنام) لعبد الغني النابلسي (ت 1143هـ) :«(سوبيا) هي في المنام دالة على الراحة والرزق وحلول السوء بالشارب لها وإن كان الرائي أعزب فربما كان محللاً للنساء المطلقات» .
(مقال قديم)
(مقال قديم)
جاري تحميل الاقتراحات...