A thread:
ذكوريّة الفقه الإسلاميّ: عن ورطة المسلمين الأولى في هذا العصر
ذكوريّة الفقه الإسلاميّ: عن ورطة المسلمين الأولى في هذا العصر
هِيَ: أمّ، طيّبة ولطيفة وحزينة وكسيرة، تبكي ظلمًا واقعًا عليها من الفقهاء وكلّ ما تريده هو حضانة طفلها.
هُوَ: شيخ، متسلّط وظالم وجاهل وغاضب، لا يفهم ما يحفظه.
هُوَ: شيخ، متسلّط وظالم وجاهل وغاضب، لا يفهم ما يحفظه.
"الحاجات دي مش محتاجة دراسة"
وانطلاقًا من نفس المبدأ، لن أستبعد قريبًا سماع جمل على شاكلة: "ربّنا ما قالش الفجر ركعتين والظّهر أربعة".
وعليه، فلنبدأ بأهمّ الأشياء؛ الحكم الفقهيّ للحضانة.
وانطلاقًا من نفس المبدأ، لن أستبعد قريبًا سماع جمل على شاكلة: "ربّنا ما قالش الفجر ركعتين والظّهر أربعة".
وعليه، فلنبدأ بأهمّ الأشياء؛ الحكم الفقهيّ للحضانة.
بالرّغم من اختلاف الأحوال وفقًا للموقف وتفاصيله ومدى صلاح كلّ من الأمّ والأب، إلّا أنّه عمومًا فالأمّ أحقّ بحضانة طفلها حتّى سنّ السّابعة، ما لم تتزوّج، فهي أشفق النّاس عليه وأرحمهم وأكثرهم اهتمامًا به.
أتت امرأة لرسول الله عليه الصّلاة والسّلام، فقالت: «يا رسول الله، إنّ ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإنّ أباه طلّقني وأراد أن ينتزعه مني»، فقال لها رسول الله ﷺ: «أنتِ أحقّ به ما لم تنكحي». الحديث في صحيح أبي داود، وحسّنه الألباني.
وهذا الحديث لا يبيّن حقّ الأمّ في الحضانة ابتداءً فقط، وإنّما يبيّن أنّه حقٌّ لها وليس واجبًا عليها، بمعنى أنّها لو تنازلت عن الحضانة فلا تُجبر عليها وهذا باتّفاق المذاهب الفقهيّة الأربعة: الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة.
وإذا تزوّجت؟
تنتقل الحضانة لمن بعدها، ومن بعدها فيه خلاف. باتّفاق المذاهب الأربعة تنتقل الحضانة إلى أمّ الأمّ (الجدّة من جهة الأمّ) حال زواج الأمّ، أمّا برأي ابن القيّم وشيخ الإسلام ابن تيمية فتنتقل الحضانة للأب في هذه الحالة.
تنتقل الحضانة لمن بعدها، ومن بعدها فيه خلاف. باتّفاق المذاهب الأربعة تنتقل الحضانة إلى أمّ الأمّ (الجدّة من جهة الأمّ) حال زواج الأمّ، أمّا برأي ابن القيّم وشيخ الإسلام ابن تيمية فتنتقل الحضانة للأب في هذه الحالة.
فكان قول ابن تيمية أن يتمّ تقديم الأقرب مطلقًا من الطّفل، الأب أو الأمّ أو من جهة أيّ منهما، وحال تساويهما بالقرب من الطّفل تُقدّم الأنثى على الذّكر في الحضانة، وحال كانا ذكرين أو أنثيين يقرع بينهما في جهة واحدة.
هذا الأمر يوضّح أنّ التّرتيب في الحضانة كلّه لا أصل له يُعتمد عليه، ومن هنا نشأ الخلاف فيه، وهذا فيه رحمة بالطّفل ابتداءً ليُختار من هو أصلح لحضانته.
وإذا لم تتزوّج الأم وبلغ الطّفل سبع سنين؟
هنا يقع خلاف آخر، حيث يُعتمد على جنس الطّفل لتحديد الحضانة؛
هنا يقع خلاف آخر، حيث يُعتمد على جنس الطّفل لتحديد الحضانة؛
لو كان الطّفل ذكرًا يُخيّر بشكل مطلق بين أبيه وأمّه، فيكون عند من اختاره.
أتت امرأة لرسول الله ﷺ فقالت: «فداك أبي وأمّي، إنّ زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة»، فجاء زوجها وقال: «من يخاصمني في ابني؟»، فقال ﷺ: «يا غلام، هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيّهما شئت»، فأخذ بيد أمّه. الحديث في صحيح أبي داود والألباني.
أمّا لو كانت أنثى، فهناك اختلاف بين المذاهب الأربعة:
- الشّافعيّ: تُخيّر بين الأم والأب كما يُخيّر الذّكر.
- أبو حنيفة: الأمّ أحقّ بها إلى أن تتزوّج الفتاة أو تحيض.
- مالك: الأمّ أحقّ بها إلى أن تُزوّج ويدخل بها الزّوج.
- أحمد: الأب أحقّ بها لأنّه أولى بحفظها من زوج الأمّ.
- الشّافعيّ: تُخيّر بين الأم والأب كما يُخيّر الذّكر.
- أبو حنيفة: الأمّ أحقّ بها إلى أن تتزوّج الفتاة أو تحيض.
- مالك: الأمّ أحقّ بها إلى أن تُزوّج ويدخل بها الزّوج.
- أحمد: الأب أحقّ بها لأنّه أولى بحفظها من زوج الأمّ.
وفي حال البلوغ والرّشد؟
يختار من شاء من أبويه.
يختار من شاء من أبويه.
الموضوع شائك وطويل ومعقّد وكلّ حالة تُدرس لوحدها. على أيّ حال، فلنعد للمشهد أعلاه من المسلسل.
يمكنك فهم المشهد بمجرّد الإشارة إلى أنّ الحوار كُتب بطريقة عاطفيّة وبموقف يبيّن "الشّيخ" كإنسان يحفظ ما لا يفهمه، وهو أمر اعتدنا عليه من مؤلّفه إبراهيم عيسى، صاحب نظريّة حرّيّة تقديس الأبقار ومن أوائل المناهضين لأيّ أمر إسلاميّ بالفترة الحاليّة.
وبطبيعة الحال، اللعب على العواطف واستخدام جمل مثل "الرّحيم مش ممكن يحرم أمّ من عيالها" هو أمر أكثر من كافٍ ليصير المسلسل من مصادر الاستدلال الفقهي والتّشريع عند جمهور التّنويريّين.
«الرّحيم مش ممكن يحرم أمّ من عيالها»
الجملة بذاتها عاطفيّة حدّ السّماجة، لو وُجّهت لأيّ كائن عاقل لخطر سؤال مشابه بباله: هل الرّحيم يمكن أن يحرم الأب من أطفاله؟
الجملة بذاتها عاطفيّة حدّ السّماجة، لو وُجّهت لأيّ كائن عاقل لخطر سؤال مشابه بباله: هل الرّحيم يمكن أن يحرم الأب من أطفاله؟
بعيدًا عن تفاهة إبراهيم وسماجته، وغباء الحوار، وضعف الإنتاج عمومًا، يجب الإشارة إلى جملة مهمّة قيلت بالحوار وهي: «أنا بسأل عن كلام ربّنا مش عن الفقه»، باعتبار أنّ كلام ربّنا يختلف -بالضّرورة- عن الفقه الإسلاميّ.
نفس الشخص المعترض على الفقيه باعتباره ليس إلّا وسيطًا بينه وبين الله وهو ليس بحاجة لوسيط لفهم نصوص القرآن والسّنة، نفس الشّخص هذا الذي يطلب تبريرًا أنّ صلاة الفجر ركعتين مثلًا لن تسمع منه أيّ طلب إثبات أنّ وصفة طبيب ما ستفيده في مرضه، أو أدنى اعتراض أنّ شوط المباراة 45 دقيقة.
شخص كهذا لا يبحث عن أيّ مقصد شرعي، ولا ينشد المعلومة، ولا يسأل عن الحكمة، بل يهرف بما لا يعرف لا أكثر.
كلام الله = القرآن الكريم.
القرآن الكريم فصّل بعض الأمور وترك بعضها الآخر لأهل العلم لتفصيلها وشرحها بل والاجتهاد فيها.
القرآن الكريم فصّل بعض الأمور وترك بعضها الآخر لأهل العلم لتفصيلها وشرحها بل والاجتهاد فيها.
كلّ من اتّفاق العلماء واختلافهما هو رحمة لك، وبكلتا الحالتين فكلامهم هو جزء من الدّين، أعجبك الأمر أم أبغضك. طلب إرفاق مرجع قرآني لأيّ تفصيلة بالدّين ما هي إلّا شبهة لإسقاط ما فيه من أحكام.
ما الإشكال الأساسيّ هنا؟
كوننا نعيش في عصر «أُنثويّ القِيَم»، ففي القضايا الّتي تعني المرأة، يجب عليك إدراك أنّ الأيديولوجيات الحاليّة تعامل الإنتاج الإنسانيّ بعلومه جميعها الطبيعيّة والفلسفيّة والتاريخيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والدّينية على أنّه ذكوريّ،
كوننا نعيش في عصر «أُنثويّ القِيَم»، ففي القضايا الّتي تعني المرأة، يجب عليك إدراك أنّ الأيديولوجيات الحاليّة تعامل الإنتاج الإنسانيّ بعلومه جميعها الطبيعيّة والفلسفيّة والتاريخيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والدّينية على أنّه ذكوريّ،
والفقه الإسلامي ليس منها ببعيد. بل بإمكانك ملاحظة أنّ النّساء عمومًا لا يروق لهنّ علم الفقه وأصوله.
أمّا حقيقة أنّ أغلب علماء الفقه عبر العصور هم ذكور ما هي إلّا إشارة بسيطة لفكرة مفادها أنّ المرأة كانت مقصّرة في هذا المجال تاريخيًا، والباب الآن مفتوح أمامها لدراسة هذا العلم والمشاركة بصناعة التّراث الإسلاميّ.
لو أردت المشاركة ببناء التّراث الفقهيّ، فلا حرج. التزم بالأدب بسؤالك وبالمنهج الصّحيح بالتعلّم؛ يجب أن يتوافر عندك العقل الرّاشد، والوقت الكافي، والجلد المستمرّ للدّراسة، وغالب هذه الفئة لا تملك أيًّا منهم، فتراه يستسهل الاعتراض على حكمٍ ما بحجّة أنّه ذكوريّ أو رجعيّ أو ظالم.
«Learn enough to know what the hell you're talking about.»
— Jordan B. Peterson
— Jordan B. Peterson
يقضي الفقيه سنوات طوال بالدّراسة والبحث في مختلف المباحث والقضايا كي يصل العِلم الكافي -والعلم عند الله- ليجتهد أو يفتي أو يعطي حكمًا شرعيًّا في مسألة ما ويحمل وزرها ليوم الدّين.
وخلال دقيقتين، يأتي أحدهم لا يعلم أحكام صلاة ولا طهارة يريد دليلًا على الفتوى أو تبريرًا للحكم، أو تراه ينكر الحكم كلّه من الأساس!
«إنّما يفسد النّاس نصف متكلّم ونصف فقيه ونصف نحويّ ونصف طبيب؛ هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللّسان، وهذا يفسد الأبدان.»
— ابن تيمية
— ابن تيمية
بِمَ يفيدك دليل الفتوى أو تبرير الحكم إن لم تستطع فهم أيِّ منهما؟ لو عُرض عليك دليل أو تبرير فهل ستفهم الاستدلال ومراتب الأدلّة وتوافقها وتعارضها؟
سؤالك عن تفاصيل حكم ما بحسن نيّة بغرض التّعلّم هو أمر حسن وطيّب، له أماكنه للسّؤال وطريقته بالاستفسار. أمّا ما نشاهده من اعتراضات فلا تتعدّى أن تكون قلّة أدب مع العلماء والفقهاء لا أكثر، وما هي إلّا صورة من صور غرق صاحبها بجهله.
عمومًا، بهذا الزّمن ستجد الكثير من محاولة إثارة بعض الشّبهات والأحكام الجدليّة في محاولة بائسة لنقض الدّين، ككثرة الحديث بمواضيع الجِزية، أحكام الغنائم، السّبايا والعبيد، تعدّد الزّوجات، ضرب المرأة، ملك اليمين، حضانة الأطفال... إلخ.
يمكنك النّظر للأحكام في الإسلام على أنّها تقسم لقسمين:
1. أحكام تعبّديّة، بلا سبب معيّن لها في الشّريعة. كمُسلم، عليك الاستسلام لحكمة الله والإيمان بهاته الأحكام.
2. أحكام سببيّة، وهناك نوعان للأسباب: الأوّل (العلّة/ Causative) والثّاني (الحكمة/ Wisdom).
1. أحكام تعبّديّة، بلا سبب معيّن لها في الشّريعة. كمُسلم، عليك الاستسلام لحكمة الله والإيمان بهاته الأحكام.
2. أحكام سببيّة، وهناك نوعان للأسباب: الأوّل (العلّة/ Causative) والثّاني (الحكمة/ Wisdom).
ومن ألف باء المنطق والإنصاف في دراستك أيّ عِلّة أو حِكمة لأيّ حكم شرعيّ هي دراسته في إطاره الزّمنيّ وبيئته وظروفه، فبعض الأفعال أحالها الشّرع لباب "الإباحة" حتّى يتعايش مع تجذّرها في المجتمعات القديمة، وليقنّنها دون أن يصطدم بالمجتمعات بشكل مباشر،
مع علمه أنّ أمور مباحة كهاته ستضمحلّ بمرور الوقت وستقتصر على ممارسات قليلة معدودة وغير ذات ضرر على المجتمعات عمومًا، ولا تمثّل سوى حالات نادرة وهامشيّة وتأثيرها على مواقع التّواصل الاجتماعيّ أكبر من تأثيرها على الواقع.
الجِزية، أحكام الغنائم، السّبايا والعبيد، تعدّد الزّوجات، ضرب المرأة، ملك اليمين، ... إلخ، لم تكن هذه إلّا تشريعات "دوليّة" قديمة وليس الإسلام من سنّها أصلًا وإنّما تعايش معها ونظّمها ضمن ضوابط.
«وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا»؟
لنا في قصّة سيّدنا الخضر خير مثال، أهل السّفينة ماتوا ولم يعرفوا أنّ الخضر قد خرق السّفينة لإنقاذهم من ظلم ملكٍ ما، وأهل الغلام لم يعلموا لِمً قتل الخضر ابنهم من الأساس...
لنا في قصّة سيّدنا الخضر خير مثال، أهل السّفينة ماتوا ولم يعرفوا أنّ الخضر قد خرق السّفينة لإنقاذهم من ظلم ملكٍ ما، وأهل الغلام لم يعلموا لِمً قتل الخضر ابنهم من الأساس...
هذه القصّة من لدن القرآن تبيّن لك وتذكّرك ليوم الدّين أنّك ليس بالضّرورة أن تعلم الحكمة وراء كلّ حدث أو حكم.
«مهما كان معنى الإيمان، يجب أن يعني دائمًا اليقين بشأن شيء لا يمكننا إثباته.»
— غ. ك. تشيسترتون
— غ. ك. تشيسترتون
«أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ»
أظنّ أنّ جزءًا كبيرًا من تفشّي هذا الأمر سببه الرّوح النّرجسيّة المتفشّية بالمجتمعات والتحسّس من فكرة الإلزام والالتزام بالدّين. نطلب "إقناعنا" بأيّ حكم أو فتوى. هذه الرّوح النّرجسيّة المتمرّدة مخالفة لصلب الدّين أساسًا.
أظنّ أنّ جزءًا كبيرًا من تفشّي هذا الأمر سببه الرّوح النّرجسيّة المتفشّية بالمجتمعات والتحسّس من فكرة الإلزام والالتزام بالدّين. نطلب "إقناعنا" بأيّ حكم أو فتوى. هذه الرّوح النّرجسيّة المتمرّدة مخالفة لصلب الدّين أساسًا.
«الطّاعة ليست فضيلة بل رذيلة، الطّاعة صفة العبيد. الإنسان الحرّ لا يُطيع، بل يناقش.»
— نوال السّعداوي
— نوال السّعداوي
في كتابه The Culture of Narcissism (ثقافة النرجسية - غير متوفّر بالعربيّة) ينتقد كريستوفر لاش الثقافة الرّأسماليّة والحالة الفردانيّة التي خلقتها ونشرتها والّتي سبّبت إنتاج أفراد نرجسيّين متمرّدين هاربين من أيّ قيم اجتماعيّة أو دينيّة أو أخلاقيّة حتّى،
كلّ هذا كان ظنًّا منهم أنّ الإنسان هو سيّد هذا الكون وإلهه الجديد، والله المستعان.
جاري تحميل الاقتراحات...