1- يتكرر الجدل سنويّا على وسائل التّواصل الاجتماعيّ بشأن هلال دخول شهر رمضان والخروج منه، في حين لا يكاد يذكر في الأشهر الأخرى عدا حالات بعيدة في شهر ذي الحجّة، والسّبب في عدم إثارتها في الأشهر الأخرى عدم ترتب طقوس فيها واضحة كالصّيام والحج.
2- أغلب الّذين يجادلون ويناقشون، ويثيرون النّزاع سنويّا لا يناقشون سبب الخلاف، ومنهم لا يدرك ذلك، وسببه يعود إلى التّقويم والرّأي الفلكيّ من جهة، وإلى الرّأي الفقهيّ المعتمد عليه في سياسة دولة ما من جهة أخرى.
3- أمّا الرّأي الفكليّ من حيث التّقاويم فينقسم إلى قسمين: قسم يكتفي بمكثه بعد الغروب إما برؤية حسابيّة أو جارحة كالتّلسكوب أو بالباصرة أي العين المجردة، فهو لا يشترط الرّؤية الفقهيّة المعلّقة على رؤية الباصرة فقط، حتّى ولو كان عمر الهلال أقل من اثنتي عشرة ساعة.
4- وقسم يشترط إمكانيّة رؤية الباصرة معتبرا رواية "صوموا لرؤيته" أصلا لتحقق المناط، ولهذا يشترطون ثلاثة شروط، عمر الهلال، أي يكون عمره أكثر خمسة عشر ساعة لإمكانيّة رؤيته بالباصرة، وأن يمكث أكثر من نصف ساعة، وأن تكون درجة الزّاوي ممكنة لرؤيته من حيث البعد وانعكاس أشعة الشّمس عليه.
5- أرى تقاويم القسم الأول أدق من تقاويم القسم الثّاني المشترط لدرجة الرّؤية؛ لأنّ الرّؤية الحسابيّة هي الأصل، لقوله تعالى: {الشمس والقمر بحسبان} ورؤية الباصرة قديما وسيلة لتحقق الأمر لا غاية، فلمّا تطوّرت وسيلة الجارحة كانت أدق، والرّؤية الحسابيّة اليوم أصبحت دقيقة وقطعيّة.
6- الخلاف الفلكي أقرب إلى الجانب الشّكليّ منه الجانب الجوهريّ، وإنّما الخلاف في الرّأي الفقهيّ، والسّياسات المعتمدة عليه، فهناك من يرفض ليس فقط الرّؤية الحسابيّة، بل حتّى الرّؤية بالجارحة، والوسائل المتطوّرة، ولا زال يرى الحساب ظنيّا أقرب إلى التّنجيم.
7- الرّأي في نظري ينبغي أن يكون للعلم لأنّه قطعيّ، ومحقّق للغاية، والوسائل تتطوّر بتتطوّر العلم، فكما تتطوّر العلم في وسائل تنقل الإنسان واختصاره للزّمن؛ كذلك تطوّر في تحقق وسيلة رؤيته للهلال، وهذا القول أقرب إلى العقل والعلم والكتاب.
8- أمّا العقل فلأنّ المنطق طبيعيّا يدركه، والعلم هو الأصل، وكيف وقد أصبح قطعيّا في الحساب، ولأنّ سنن الكون واحدة، ومساراتها واحدة، وهذا ما يؤكده الكتاب: {والشّمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدّرناه منازل حتّى عاد كالعرجون القديم}.
9- وفي نظري دعوى اختلاف المطالع بالنّسبة للدّول المشتركة في جزء من الليل خصوصا بعيد عن العلم، ولا يمكن استحضار رواية كريب، لأنّها ظرفيّة في زمنهم، فالمسافة بعيدة بين المدينة والشّام، ولا توجد وسائل إيصال الخبر إلا بسرعة الفرس، وهذا يحتاج ذاته إلى وقت!!!
10- فليس من الطّبيعيّ أن تسقط رواية كريب على عالم أصبح اليوم عَالما واحدا مشتركا في الحساب، وينقل أخباره بذات الثّانية، فكيف إذا كان العلم متقدّما لحساب سنوات قادمة أيضا ولو لعشرات السّنين.
11- إلا أننا أيضا ندرك كلّ المختلفين ينطلق من تعظيم الشّهر الفضيل ولا يريد انتهاك شيء منه إرضاء لساسة أو رغبة في التّميز، إلا أنّ فهومات الرّواية وعوارض الحساب إنكارا المستخدمة معها، ثمّ الاختلاف في تحقّق إنزالها، وارتباطها باختلاف المطالع؛ يجر هذا إلى الاختلاف الّذي نراه سنويّا.
12- بيد أنّ الاختلاف لا يعني عدم تعظيم الشّهر، بل صوريّا ناتج من ذلك، كما أنّه عمليّا لا ينبغي أن يقود إلى النّزاع والسّباب، كما نراه في وسائل التّواصل الاجتماعيّ، على أنّ الّذي يصل إلى الله هو تعظيم شعائره، وتقوانا له، وليس ظاهر الطّقوس، بقدر ما هي وسيلة طقسيّة لتحقق ذلك.
13- ومع احترامي لجميع الآراء، إلا أنّه من المؤسف إهمال العلم، ونحن في القرن الحادي والعشرين الميلادي، ومع وضوح آيات القرآن الكريم، في جعلها سننيّة وفق نظام كونيّ متناسق، ولهذا كنت دقة الآية التّكليفيّة {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.
14- والشّهود زمنيّ مرتبط بتطوّر الوسيلة، ووسيلة العلم الحسابي اليوم تناسقت مع مدار نظام الكون {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}، فلا ينبغي العودة إلى الوسيلة الأولى وهي الوسيلة الطبيعيّة في زمن نزول التّكليف، لعليّة "نحن أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب" يومها، أي من باب الغالب.
15- أصبحنا اليوم نعيش في حضارة الكلمة فيها للعلم، وعلم الفلك أصبح دقيقا ومدركا للجميع، وكما يعظّم الله من خلال شعائره، فلا أقل أن يمتثل لهذه السّنن الكونيّة الّتي عليها مدار الكون، ومنها الشّمس والقمر، ولا يكون ذلك إلا بتعظيم العلم لأنه من آياته، وإذا اعطي العلم كلمته ضاق الخلاف.
16: للمزيد ينظر مقالنا في جريدة عمان الأشهر القمريّة وجدليّة الهلال
omandaily.om
omandaily.om
جاري تحميل الاقتراحات...