ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

17 تغريدة 6 قراءة Apr 04, 2022
تحملنا نسائم رمضان على جوانحها إلى مواضع الحنين، نتجول قليلًا لنقف بكثير من الفرحة أمام "أبو طبيلة" كما اعتاد بعض أهل الشرقية والخليج أن يطلقوا عليه، أو المسحراتي كما يطلق عليه البعض الآخر
ما أصل هذه العادة؟ ومن أول من امتهنها؟ وما علاقة سيدنا بلال بن رباح بالأمر؟
حياكم تحت🥁🌙
في رمضان الأولين قبل الكهرباء والساعات ورنات المنبهات، كانت الحياة أصعب مما نتخيل، فلكي تستيقظ من نومك من أجل طعام السحور، عليك أن تمتلك حدسًا قويًا كي تفيق من نومك على اللحظة المناسبة، ولابد كذلك أن تتيقن منها من خلال السماء وتبين الخط الأبيض من الأسود.
أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة إيقاظ وتنبيه الناس للسحور، لذلك نجد بلال بن رباح يؤذن قبل مدة كافية من دخول وقت صلاة الفجر كي يستيقظ الناس للسحور، روي عن الرسول في ذلك قوله: "لا يمنعن أحدكم أو أحد منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم"
بعد أن يتناول الناس زمان رسول الله سحورهم بناء على أذان بلال رضي الله عنه، يأتي دور عبد الله بن أم مكتوم، حيث يؤذن لصلاة الفجر مع دخول وقتها، ليمتنع الناس بناء على سماعهم صوته عن تناول الطعام، ويبدأ فعليًا صيامهم.
تعاقبت السنوات والعقود على هذا الوضع المكتفي بالأذان الأول والثاني، وصولًا إلى زمن العباسيين، الذي تغير فيه الوضع قليلًًا، حيث اعتاد عنبسة بن إسحاق (ت 228) والي مصر حينذاك أن يسير ليلا من معسكر جيشه بالفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص للصلاة، وعلى طول الطريق كان يوقظ الناس للسحور.
أما في عصر الدولة الفاطمية فيروى أن الحاكم بأمر الله والي مصر كان يأمر الناس بالنوم مبكرًا بعد صلاة التراويح حتى يتسنى لهم القيام للسحور، وقد كلف جمعًا من جنده في كل مكان تطاله سلطته، أن يمروا بالبيوت ويدقوا أبوابها قبيل الفجر من أجل مساعدة الناس في الاستيقاظ.
تم تطوير الفكرة بعد ذلك؛ حيث كلف ولاة المدن شخصًا واحدًا لكل منطقة للقيام بهذه المهمة، ومع الوقت استحدث هؤلاء المكلفون أدوات شتى يقرعونها وقت السحور كي يستيقظ أهل مصر، وقد أطلق الناس عليهم اسم "المسحراتي" نسبة للهدف الذي يعملون من أجله وهو إيقاظ الناس للسحور.
استمر اطراد هذه المهنة مدة من الزمن لكنها اندثرت قبيل العصر المملوكي، وحين ولي الظاهر بيبرس حكم مصر أحياها مجددًا، ثم بعد ذلك بعقود جاء أبو بكر محمد بن عبد الغني، الشهير بـ"ابن نقطة"، وهو مخترع فن "القوما"، حيث أضاف لمهمة المسحراتي بعض الأنظام والدق المنتظم على "طبلته".
كان "ابن نقطة"، المسحراتي الخاص بالسلطان الناصر محمد بن قلاوون، وعلى يديه تطورت مهنة المسحراتي، فتم استخدام الطبلة والتي كانت تسمى بازة، حيث كان يُدق عليها دقات منتظمة، ثم تطورت مظاهر المهنة، فأصبح المسحراتي يشدو بأشعار شعبية، وقصص من الملاحم، وتسابيح، وبعض الأناشيد.
تواجد مثل هذا الأمر في بلاد أخرى غير مصر في أوقات مبكرة من التاريخ الإسلامي، حيث كثير من البلدان تآزروا على إيقاظ بعضهم البعض بطرق مختلفة للسحور، أشهرها دق الأبواب بالعصي كما في اليمن، أو عبر المزامير كما كان يفعل النفار في المغرب.
أما في في الشام فكانوا يطوفون على البيوت ويعزفون على العيدان والطنابير وينشدون أناشيد خاصة بشهر "رمضان"، كما عرف الخليج العربي والعراق هذه العادة، لكن كان المسحراتي يحمل اسمًا مختلفًا، فهو "أبو طبيلة" نسبة إلى الطبلة الصغيرة التي يحملها أثناء مسيره لإيقاظ الناس.
لكل منطقة أبو طبيلة الخاص بها، وتعتبر هذه المهنة تراثًا لا يمكن تجاوزه، فلشدة ارتباط الناس بها قديمًا في كثير من الأماكن صار رمزًا للشهر الفضيل، يترقبه الكبار والصغار كي يشعروا أنهم حقًا في رمضان بكل ما يعنيه من حب وإخاء وإنسانية تدفع البعض لحد الاهتمام بإيقاظ الناس للسحور.
أكثر من ألف عام مضت على نشوء تلك المهنة الموسمية المحببة، لكن أبت التكنولوجيا والحداثة إلا أن تضع حد لتقدمها واستمراريتها، حيث نرى هذه المهنة وقد اندثرت نظرًا لما استجد في حيوات الناس من أنظمة تنبيه وهواتف وغيرها، لكن لا تزال كثير من المجتمعات تكافح من أجل الاحتفاظ بها.
حيث نرى كثير من الناس يتطوعون لأداء دور المسحراتي، في مشهد فلكلوري احتفالي أكثر منه مهمة فعلية، إذ أصبح مسحراتي اليوم لا يوقظ الناس فعليًا بقدر ما يترقبه الناس والأطفال في كل مكان حتى يسعدوا به ويستذكروا معه معاني رمضان وشكله المرسوم في مخيلتهم اليوم وقبل اليوم.
من أشهر الجمل التي يتغنى بها المسحراتي: "يا نايم وحّد الدّايم يـا غافي وحّـد الله "يا نايم وحّد مولاك للي خلقك ما بنساك" "قوموا إلى سحوركم جاء رمضان يزوركم".. وغير ذلك تبعًا للبلد الذي يطوف فيه.
في العادة لا يأخذ المسحراتي أجرًا فوريًا نظير جهده، وإنما يؤدي دوره كاملًا خلال الشهر، انتظارًا لصباح يوم العيد، والذي يطوف فيه على البيوت، بنفس طبلته وهيئته وأناشيده، حيث يكافئه الناس بما اتفق لهم من أجر، وبوجه صبوح قائلين له كل عام وأنت بخير.
ختاما : هل كان في بلدكم او حارتكم مسحراتي ؟ وهل عشت هالجو ؟

جاري تحميل الاقتراحات...