Mohamed Rajab
Mohamed Rajab

@rajabmr91

19 تغريدة 4 قراءة Apr 04, 2022
"تويتر"
ربما يكون من المتعذر أن يجري الانسان تقييما موضوعيا على ايجابيات/سلبيات برنامج مثل تويتر.
فبرامج التواصل الاجتماعي عموما تساهم في تضخيم "النقطة العمياء" ضمن حيز الإبصار، ويمكن بسهولة إغفال النواقص والسلبيات.
ولكن يمكن أحيانا محاولة ذكر بعض الاستفادات:
#twitter
#تويتر
1- من الصعب جدا أن يضمن المرء عدم تأثّره النفسي مما يحدث في تويتر، وعدم انسياقه بشكل سلبي في دوامة الاخذ والرد والمساجلات والمشاحنات.
فكثير من الردود تستثير غرائزنا، وتحفّزنا للرد دائما بما نظنه سيشفي الغليل.
كلنا نقع في مثل هذا فلا نقاوم إغراء الردّ، وننساق للمشاحنات والردود.
وحتى إن لم نرد، ففي إعصار الفوضى هذا، يصعب على الانسان – الذي هو كتلة من الهشاشة والضعف – الحفاظ على قلبه صافيا من كل اللوثات النفسية.
2- يمكن للاختلافات العقائدية أحيانا أن تفسد الودّ بين الاخوان، كما يمكن للتباين الحاد في الافكار أن يقلب الصداقات الى خصومات. وهذا أمر مؤسف للغاية.
ولكن العقيدة التي تدفع بصاحبها إلى خدش الاخوة ونبذ الود هي عقيدة تحتاج إعادة نظر ومراجعة وفق معايير الضمير الانساني والاخلاق العليا
3- قد نتسرّع فنصدر حكما على مغرّد ما فور قراءة بعض من كتاباته، وربما سارعنا في تصنيفه ولصقه بأحد التيارات والتوجهات. والتصنيف عموما أريح للذهن.
ولكن بمزيد من التأني، نكتشف أنّ ذلك المغرّد هو أكثر تعقيدا من تصنيفاتنا المتعجلة،
فهو إنسان يحمل تركيبته الفريدة، وله تجاربه ورؤاه وآماله وآلامه وخبراته ونظرته للعالم.
والتأنّي يعيننا على التفهّم أكثر، وعلى التواضع مع الاخرين أكثر، وعلى تلمّس الأرضية المشتركة التي يمكن أن تجمعنا معه.
وكل ذلك سيدفعنا بلا شك لتغيير حكمنا المستعجل عليه.
4- إنّ تعرّضنا للضغط أو الهجوم على معتقداتنا وافكارنا من قِبَل الاخرين، قد يجعلنا نتعصب لهذه المعتقدات والافكار بشكل يحجب عنا مساوئها وسلبياتها،
لأنّها الان قد أصبحت جزء من "الأنا"، ودفاعنا عنها دفاعا عن "الأنا"،
ومن الصعب على النفس التي تتقن في العادة تبرير "عصبية" صاحبها بمبررات مثل "الدفاع عن الحق" و"الغيرة على الدين" و"الثبات على المبدأ"،
أن تكتشف الخيط الرفيع الذي يفصل بين الصنمية والتعصب من جهة، وبين اتّباع الدليل من جهة اخرى.
5- التنمّر رذيلة قبيحة جدا، وهي تكشف عن خلل أخلاقي في صميم الانسان المُتنّمر.
وقد أتاح لنا تويتر فعل ذلك بمختلف المستويات والاشكال. وكلنا قد نقع فيه أو في شيء منه، ربما من حيث لا نعلم.
ولكن أقبح أنواع التنمر، هو الذي ينساق فيه المرء، لكي يثبت "ذاته" و"تديّنه" و"ولائه" و"مبدأه"
لأنّ المبدأ الذي ينمو على هرس عظام الاخرين، وعلى خلق "ضحايا"، وعلى البحث دوما عن "جهة" تُفرَّغ فيها شحنات الغضب،
هو مبدأ مشوّه مهما تزيّنت شعاراته.
وهذا الأمر ليس مرتبطا بصواب أو خطأ الجهة المُتنمَّر عليها - فربما قد أخطأت فعلا - ولكن المقصد هو المُتنمِّر نفسه.
والخطورة الاخرى في التنمّر الذي نقوم به هو احتجابه خلف مبرر قيام الاخرين به،
فمن الصعب علينا مثلا - إذا سَبَقنا تسعة أشخاص في الهجوم على مغرّد ما (وربما كان بعضهم أسماء معروفة ومشهورة بالتدين) – أن نتأنّى ونساءل أنفسنا عن أخلاقية دخولنا في الحملة الهجومية هذه.
6- يمكن أن تُنسج أكاذيب كبيرة في "تويتر" دون أن يكون هناك تمحيص لها من قبلنا، فقد يُرمى صالحين بقبائح التهم، وتُنسج حولهم قصص كبيرة.
وتمر هذه الاكاذيب وتنال صدى ومقبولية وتصديق.
ويمكن أن يكون تويتر مكانا سهلا لسوء الظنون ولسوء الفهم.
والهيجان إذا بدأ على تويتر، فمن الصعب ضبطه، أو تمييز الصواب فيه من الخطأ.
أقصى ما يمكن للمرء فعله هو ترك حسم بعض المساءل للزمن، مع السعي والحرص الشديدين على أن يبقي قلبه منزّها عن هذه الأخطاء، حتى حين.
٧- وسائل التواصل الاجتماعي بلاشكّ قد غيّرت من نظرتنا للعالم، ومن معتقداتنا، ومن إطارنا التوجيهي في الحياة.
هذه أمور قد لا نقرّ بها، أو نظنّ أننا أعلى منها، وأنّ عقائدنا أكثر صلابة من أن تُمسّ من قبلها.
ولكنّ أمثال هذه التغييرات ليست فورية ليلاحظها المرء بين ليلة وضحاها، وإنما هي تدريجية تحصل على امتداد سنوات،
ومرتبطة بما يدخل للمرء من رؤى وأفكار بشكل يومي من هذه المنصات، وما بناه وهدمه من علاقات إنسانية في هذه الشبكة الضخمة،
وكذلك ما عاصرته هذه المنصة من أحداث سياسية ودينية واجتماعية مفصلية، وما آلت إليه هذه الأحداث.
كلها أمور هزّتنا في الصميم، وغيّرت أحوالنا النفسية، ومعتقداتنا، وعلاقاتنا، وأعادت ترتيب أولوياتنا.
8- يمنحنا علم النفس المعاصر فهما معمقا على سلوكنا في تويتر.
الان نعرف أنّ كثير من الافكار التي نجادل من أجلها ترتكز على أحوالنا النفسية وعقلنا اللاواعي، وليس على الفكرة في حد ذاتها،
لذلك فإنّ تعصبنا للفكرة والعقيدة ليس بالضرورة ناشىء عن متانة الفكرة وقوة البراهين الدالة عليها،
بقدر ارتكازه على حالنا النفسي ومخاوفنا وأولوياتنا المُضمرة وعلاقاتنا بالاخرين.
لذلك فعندما نجد تعصبا شديدا لفكرة ما، ينبغي أن ينصب الجهد على فهم المحرّك النفسي لهذا التعصب، لا على إثبات افكارنا للاخرين.
في النهاية، الادعاءات سهلة، والشعارات كبيرة؛ وكل ما يعمله الانسان بدافع الرغبة والخوف، لا يثمر.
والسؤال الأهم بعد كل تجربة: ما هو موقعي اليوم "كانسان" مقارنة بالامس؟

جاري تحميل الاقتراحات...