25 تغريدة 9 قراءة Dec 26, 2022
(٥)
#علاقة_جادة_مع_القرآن
كتب مولانا خالد عثمان الفيل:
"كتكملة مهمة لما بدأناه من حديث عن أهميّة "التركيز مع ما تقرأه" والابتعاد عما يُشتت ويُضعف التركيز كسلوك أساسيّ في بناء علاقة جادة مع القرآن، هنالك أمرٌ مهمٌ لابد من مناقشته وهو طبيعة العلاقة بيننا وبين الرفيق الذي أصبح
برفقتنا في كل مكان، ذلك الرفيق الذي اعترف 60% منّا أنه أول من يلتقونه عندما يستيقظون من النوم وآخر من يجلسون معه قبل النوم، ويضعونه في الأهمية قبل التفاعل مع أي إنسان آخر في حياتهم حتى زوجاتهم/أزواجهم، ولذلك فإن 40% من نسائنا يُصرحن أن من أصعب التحديات التي يواجهنها في حياتهن
الزوجيّة هي فكرة "إثبات أنهن أكثر جاذبيّة وأهمية" من ذلك الرفيق، أعتقد الآن أنكم عرفتم هذا الرفيق، إنّها الأجهزة الذكيّة طبعاً !
لن أتحدث عن الأضرار الاجتماعيّة أو قضايا الخصوصيّة، أو الإدمان أو غيرها من الإشكالات التي تفجرت مع هذه الأجهزة الحديثة لأن هذا بعيد عن سياق المقال،
لكنيّ أود الإشارة إلى فكرة من الخطورة بمكان ولا بد من الانتباه لها، وهي أننا أصبحنا بصورة مستمرة نفقد "مساحات التأمل والمراجعة الذاتيّة" بسبب هذه الأجهزة. وأعنى بمساحات التأمل والمراجعة الذاتيّة تلك الأوقات التي نقضيها مع أنفسنا نُفكر في الأسئلة الوجودية الشخصيّة
(من نحن؟ وماذا نريد من هذا العالم؟ وماذا نريد أن نفعل بحياتنا)، في هويتنا ومشاكلنا الشخصيّة، في طموحاتنا وأهدافنا، في عيوبنا وأخطائنا، في علاقاتنا مع الأخرين، في المواقف السخيفة أو المُحرجة التي وضعنا أنفسنا فيها، إلخ. وعموماً، أغلبنا كان يقوم بذلك النوع من التأمل في أوقات التنقل
أو في المواصلات، قبل الخلود إلى النوم، عندما نمارس رياضة المشيّ، عندما نكون في حالة من الملل في بيوتنا، إلخ. أما الآن فكل تلك الأوقات التي كنا نمارس فيها هذا النوع من التأمل الذاتيّ قد أصبحت أوقات لتقليب صفحات الفيسبوك أو مشاهدة فيديوهات اليوتيوب أو الرد على رسائل الواتسب التي
أصبحت قد تتجاوز الألف رسالة في ساعات قليلة !
وفي الحقيقة فإن مساحات التأمل الذاتيّ، كما يقول آلن دي باتون Alain de Botton، هي ما يُشكل معرفتنا العميقة بذواتنا وشخصيتنا ويساعدنا على تحويل تجاربنا الفاشلة أو الناجحة إلى دروس وحِكم،
ويقود إلى فهم صحيح عن أنفسنا ورغباتنا وقدراتنا كذلك. وبالنسبة لي فإن المعرفة العميقة بالذات هي المفتاح الأساسيّ لبناء أي رؤيّة أو خطة حياتيّة صحيحة.
وحتى إذا نجحنا في المحافظة على بعض مساحات التأمل الذاتيّ، فإن هذه الأجهزة الحديثة مُصممة بصورة تُركز فقط على إنجازات الأخرين وبالتاليّ تجعلنا نُقارن كثيراً بين أنفسنا وبين غيرنا، كما أنها تعطى فكرة خاطئة عن أن الإنجازات والنجاحات المهمة هي تلك التي تستحق أن تحصل
على أكبر عدد من اللايكات والإعجابات. هاتان الآليتان تجعلنا نضيع في طريق بحثنا عن شخصياتنا الحقيقة الفريدة وفي تحديد قدراتنا لأننا أما نقوم بمقارنة أنفسنا بالآخرين أكثر من اللازم، أو نحاول أن نقيس نجاحاتنا في حياتنا على ضوء الإعجاب أو اللايك من الآخر، وبذلك نفقد القدرة على بناء
شخصيّة فريدة ومختلفة عن الآخرين، وهو ما يستحقه أي إنسان!
وأظن أن كثير من الهشاشة النفسيّة وأعراض الاكتئاب والحزن التي نراها تنتشر هذه الأيام يمكننا أن نُرجع أسبابها إلى غياب مساحات التأمل والمراجعة الذاتيّة عند الكثيرين، لأن الممارسة المُنتظمة للتأمل الذاتيّ لا تعلمنا فقط تقبل
الألم والفشل والحزن، بل تعلمنا التفكير في أسباب ذلك الألم أو الفشل أو الحزن وأن ننظر لهذه المشاعر الثلاث على أنها من أعمدة تكوين الشخصيّة لأنها تمنحنا فرصاً للتعلّم وللتطوير وبالتاليّ فلا يجب أن نبتعد أو نخاف منها، ولذلك فكثيراً ما أقول لنفسيّ
" حاول أن تقلل من حماقاتك المستقبليّة بأن ترتكب أكبر قدر منها الآن!". بناء هذه القدرة على التعامل مع الألم والفشل والحزن يبنى مع الوقت مناعة ذاتيّة قويّة تجعل روحكَ تقف في أشد العواصف والأعاصير النفسيّة! الأخت خنساء أحمد كانت قد كتبت مقالاً مهماً في هذه الفكرة بعنوان:
" الانتباه للعالم الداخلي" يمكن مراجعته لمن ئريد أن يرى هذه الفكرة في صورة تجربة واقعيّة.
لكن ما هي العلاقة بين مساحات التأمل والمراجعة الذاتيّة وبين بناء علاقة جادة مع القرآن الكريم؟
ذكرتُ في المقال الثالث والرابع من هذه السلسلة أن مفهوم "تربيّة النفس على تعاليم القرآن" هو
أمر لا يمكن تحقيقه إلا بالالتزام بالمراجعة والعرض اليوميّ لنفسك على القرآن الكريم، وأن هذا العرض المتواصل والمنتظم لنفسك ولتفاصيل حياتك على القرآن ثم الالتزام بنصائح القرآن وتحويلها إلى عمل يوميّ منتظم يخلق مع الزمن شخصيّة تتصرف في كثير من مواقفها على منهج القرآن دون تكلف أو عنت.
الفكرة ببساطة أن هذا العرض للنفس على القرآن لا يمكن أن يؤتي ثماره الكاملة ما لم تكن تمتلك، لا أقول معرفة عامة بنفسك، بل معرفة عميقة بدقائق رغباتك وتفاصيل شخصيتك وشهوات نفسك حتى تحقق أقصى استفادة من تعاليم القرآن في معالجة عيوبك وتهذيب نفسك.
السؤال هنا ماهي الخطوات العمليّة كيما نُحافظ على مساحات التأمل الذاتي من تغول الهواتف الذكيّة؟ (استفدت بعض هذه التكتيكات من فيديو بعنوان It’s not you. Phones are designed to be addicting موجود على اليوتيوب):
1- قم بإيقاف كل الإشعارات أو التنبيهات (سواءً كانت صوتية أم مرئيّة) التي يمكن أن ترسلها لك برامج التواصل الاجتماعيّ على شاشة جولك الخارجيّة، بحيث لا تستطيع أن تعرف أن هنالك شيء جديد في هذا البرامج إلا إذا قمت بفتح هاتفك لوحدك. أضف إلى ذلك لا تضع في الشاشة الرئيسيّة أي برنامج من
هذه البرامج، بل قم بوضع الأشياء التي تحتاجها في يومك العادي فقط (الأسماء، الخرائط، مدونة الأعمال اليومية، وغيرها).
2- حتى إذا قمت بإيقاف الإشعارات والتنبيهات الصوتيّة والمرئيّة التي تظهر على شاشة جهازك، فإن برامج التواصل الاجتماعيّ ستستمر في لفت انتباهك عن طريق دوائر التنبيهات الحمراء الصغيرة التي تظهر في أيقونات تلك البرامج. وسبب ذلك أن العين البشريّة تمتلك حساسيّة عاليّة للألوان القوية
والساطعة (مثل الأحمر والأصفر)، ولذلك تستخدم هذه الألوان في تصميم آليات القمار. الحل لذلك أمرين: أما أن تقلل من حدة الألوان في شاشة جهازك، أو أن توقف الاتصال التلقائيّ/الأوتوماتيكيّ ببين هذه البرامج وبين الإنترنت وألا تتصل هذه البرامج بالإنترنت إلا عندما تقوم أنت،
وبالتاليّ لا يظهر في برنامج الواتسب، مثلاً، أي رسالة لا في الشاشة الرئيسيّة ولا في القائمة ما لم تقم أنت بفتح البرنامج.
3- عندما تقوم باستخدام برامج التواصل الاجتماعيّ، اجتهد أن تعود نفسك أن تقوم بالتركيز على مقالة واحد أو معلومة ذات صلة باهتماماتك. على سبيل المثال، فأنا اهتم بموضوعات وقضايا معينة وهنالك أشخاص لا يتعدون ال 5% من قائمة أصدقائيّ يتهتمون بهذه الموضوعات،
لذلك في كل مرة أفتح الفيسبوك ويمر بي بوست أو منشور لأحد هؤلاء ال5% فإنني اتوقف في تقليب صفحة الفيسبوك واقرأ ذلك المقال أو المنشور قبل أن أقوم بأي شيء آخر. وهكذا أحاول في كل مرة أدخل مواقع التواصل ألا أخرج إلا بفائدة، أو معلومة، أو فكرة ذات صلة باهتماماتيّ !
_______________________________________________
هذا المقال هو المقال الخامس من سلسلة المقالات التي كتبها مولانا خالد عثمان الفيل حول بناء علاقة جادة مع القرآن الكريم..

جاري تحميل الاقتراحات...