26 تغريدة Dec 26, 2022
(٤)
#علاقة_جادة_مع_القرآن
كتب مولانا خالد عثمان الفيل:
"أحسب أن هذا المقال مهم، في الحقيقة أنا لا أحسب، هذا المقال فعلاً مهم!
ثالث السلوكيات والعادات التي نحتاج إلى الالتزام بها في طريقنا لبناء علاقة جادة مع القرآن الكريم وهي منهجيّة تعلمتها من شيخ إبراهيم الضرير، وهي أن
الشيخ كان إذا أراد أن يربى نفسه ختم القرآن، ختمة " المُدرِك لكلِ حرفٍ، ولكل كلمةٍ في كتاب الله"، وكان إذا اكتشف أنه سهى أو لم يتدبر، رجع إلى المكان الذي يتأكد أنه قرأه بخشوع ثم يبدأ منه، وقد يضطر إلى الرجوع صفحة أو ثلاثة صفحات بسبب السهو.
يمكنك الآن ببساطة أن تُدرك أن الفكرة الجوهريّة في هذا السلوك هي "التركيز التام مع ما تقرأه"، وأن تبتعد عن كلما يمكن أن يشتت انتباهك عن الهدف أو المهمة التي بين يديك! فبقدر ما يكون تركيزك عالياً، بقدر ما تستطيع أن تفكر بصورة فعالة ونافذة،
وبقدر ما تستطيع التعلّم واكتساب المهارات في فترة أقصر وبجودة عاليّة.
وفي الحقيقة فإن الخطأ الشائع بين الناس ليس هو "عدم التركيز" أو"السبهلليّة" كما يقول السودانيون، بل هو في "ضعف الدرجة المطلوبة من التركيّز". ومع أن موضوع التركيز التام واضح الأهميّة،
إلا أن الكثيرين منا لا يطبقونه لا في علاقتهم بالقرآن ولا حتى في حياتهم. والله فعلاً ! حجم "ضعف التركيّز " الذي تراه في البشر الذين تقابلهم في يومك يدعونا جميعاً أن نفكر مرتين في الآليات التي يحصل بها ولماذا هو منتشر جداً بهذه الطريقة!
عادي جداً تقابل شاب مُنخرط في أكثر من أربعة مبادرات أو جمعيات (ليس بينها رابط) في نفس الوقت وهو فعلاً مفتكر أنه يطور نفسه، وعادي جداً تدخل اجتماع وتجد أن كثير ممن يحضرون الاجتماع لم يقرأوا الملفات الرئيسيّة التي يفترض أن يناقشها الاجتماع، وعادي جداً أن تجد آباء أو أمهات مدركين
لأهمية تربية أبنائهم من صغرهم، وبعد مضى السنوات يكتشفوا أنهم قصروا جداً في التربية ولم ينجحوا في بناء علاقة قريبة وصحية بينهم وبين أولادهم، ببساطة لأنهم كل هؤلاء ما مركزين!
وبصورة عامة، هنالك ثلاثة أنماط أو أشكال منتشرة من" ضعف التركيّز" وهي:
1- الاهتمام بالتفاصيل غير المهمة، وهو ما يطلق عليه استاذنا المسيري عليه رحمه الله "الذئب الهيغلي المعلوماتيّ (نسبة إلى الفيلسوف هيجل)". فقد تحدث المسيريّ في سيرته الذاتيّة أنه عندما رجع إلى مصر من الولايات المتحدة عام 1969 بعد حصوله على الدكتوراه، كان ممتلئاً ثقة بمقدرة الإنسان
على تغيير واقعه وإقامة العدل في الأرض، لكنه اصطدم بثلاثة ذئاب شرسة (هكذا كان يسميها المسيري) ظلت تنهشه في بعض الوقت وهي ذئب الثروة وذئب الشهرة والذئب الهيجلي المعلوماتي.
يصف المسيري الذئب الهيجليّ المعلوماتيّ بأنه " أهم الذئاب وأكثرها خطورة وضراوة". والحديث عن الذئب المعلوماتيّ
قد يطول، لكن واحدة من أهم الطرق التي يؤثر بها هذا الذئب علينا تظهر فيما يمكن أن نسميه "الشبق للمعلومات" حتى لو كانت هذه المعلومات لا تمتلك أي صلة بالموضوع الرئيسيّ الذي نبحث عنه. مثلاً، قد يكون الحديث دائراً حول فكرة معينة لعالم ما، فبدل التركيز على الفكرة الرئيسيّة وتطبيقاتها
ومدى صحتها، تنصرف أذهان البعض لمعرفة من هو هذا العالم، وأين درس وإلى أي أسرة ينتميّ! وفي سياق حديثنا عن ندبر القرآن يمكن أن يتجسد ذلك في الاهتمام بأمور مثل: عدد أصحاب الكهف، اسم الكلب الذي كان معهم، اسم الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى،
عدد مرات تكرار الكلمة الفلانيّة أو الحرف الفلانيّ وغيرها من القضايا أو المعلومات التي لن تفييدك كثيراً في معرفة مقاصد وتعاليم القرآن.
وأنصح بقراءة ما كتبه المسيري عن هذه الذئاب الثلاثة في كتابه "رحلتي الفكرية؛ في البذور والجذور والثمر" من الصفحة: 166 وحتى 176.
2- مشكلة "التركيز المُنقطع":
الذي يصنع الفارق بين الطالب المجتهد وبين الطالب العاديّ ليس في الانتباه للدقائق الأولي في المحاضرة، لأن الجميع يكون حاضر الذهن في بدايات الأمور، الذي يصنع الفرق الرئيسيّ بين الطالبين هو المقدرة على استمرار هذا التركيز حتى آخر المحاضرة،
هو مقدرة الطالب المجتهد على مقاومة نفسه ألا يفتح الفيسبوك أثناء المحاضرة، وألا يتحدث مع صديقه الذي يجلس بجواره، وألا يذهب بتفكيره بعيداً ليتذكر "قصص الماضي وخطاياه" ولا ينشغل كذلك بالتفكير في المستقبل وماذا سيفعل بعد التخرج أو من سيتزوج أو غيرها من أمور المستقبل،
هو مركز جداً في حاضره ولحظته التي يعيشها لأنه يعرف أن الحاضر هو الذي يحدد المستقبل، وأن تذكر الماضي غير مفيد إلا بقدر توظيفه في الحاضر، لذلك فهو "يعيش اللحظة" بالمعنى الصحيح طبعاً !
ويمكننا أن نقول مثل ذلك في حديثا عن الفرق بين المتدبر الحقيقيّ للقرآن وبين مجرد القارئ الذي يسعى
لأجر التلاوة فيتدبر الصفحة الأولي من ورده ثم يقرأ باقي الورد على عجلٍ وطمعاً في الحسنات والأجر !
3- هنالك نمط أخير من ضعف التركيز (وهو عكس النمط الأول) يتجسد في محاولة الوصول للفهم الكليّ دون إدراك التفاصيل المهمة التي تدعم وتؤسس لهذا الفهم الكليّ. مع أن الإدراك الدقيق لهذه التفاصيل هو الذي يجعلنا نشكل فهماً كلياً دقيقاً ونفتح أبواب جديدة في العلم. وهذا النمط هو من
من أكثر أنواع ضعف التركيز انتشاراً، وهذا يظهر بصورة مباشرة في جودة العمل المخرج، وفي المقدرة على الإبداع والتطور.
الفرق بين العامل/الموظف الماهر وبين العامل/الموظف العادي في الغالب يكون في جودة العمل والإلمام بتفاصيله وبمعالجة هذه التفاصيل،
فممكن أن يكتب موظفان مثلاً نفس التقرير من حيث تقسيم التقرير، وهيكله والمعلومات الرئيسيّة فيه، لكنك ستجد مثلاً أن الموظف الماهر ينتبه مثلاً لطريقة عرض معلومات التقرير، للأخطاء الإملائيّة، لمصادر المعلومات، لهيئته الشخصيّة وهو يعرض هذا التقرير
وغيرها من التفاصيل المهمة التي تجعل مدير العمل يشعر بالراحة النفسيّة عندما يقوم هذا الموظف بإكمال أي مهمة، لأنه يعرف أنه لن يحتاج لبذل أي مجهود لتعديل أو تصحيح جودة العمل المخرج. وقل مثل ذلك في عُمّال الورش أو خادمات النظافة وغيرهم.
وأنت في تدبرك للقراءة، تحتاج فعلاً أن تركز في فهم تفاصيل تعاليم القرآن وفي التقاط إشارات القرآن الدقيقة، وألا تكتفى فقط بفهم الحكمة والمقاصد العامة. اسمح لي أن أعطيك مثالاً لذلك، في قراءتك لسورة يوسف عليه السلام قد تكون مرت بك هذه الآية في الحوار الذي دار بين يوسف عليه السلام
بعد أن قال له السجينان أن نتلمس فيك ملامح الصلاح ونريد منك أن تُعبّر لنا هذه الرؤي، فقال يوسف عليه السلام: " قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ" القارئ المتدبر الذي يهتم بالتفاصيل المهمة سيسأل
نفسه لماذا قال يوسف عليه السلام أنه سيخبرهما بتعبير الرؤى قبل أن يحصلا على الطعام؟ لماذا لم يقبل بعد الطعام مثلاً أو لماذا لم يخبرهما مباشرة بتفسير رؤاهم؟
أخيراً، التركيز التام وتجنب الأنماط الثلاثة التي ذكرناها، كل ذلك عبارة عن مهارات وعادات لا يمكن أن تُنجز إلا بالعمل اليوميّ الدؤوب المستمر، وبداية هذا العمل أن تكون مُدركاً بأهمية "التركيز التام" وبخطورة هذه الأنماط الثلاثة. ومن السلوكيات العملية
التي يمكن أن تساعدك على التركيز العام هو السلوك الذي كان يقوم به شيخ إبراهيم الضرير وهو أنه إذا اكتشف أنه سهى أو لم يتدبر، رجع إلى المكان الذي يتأكد أنه قرأه بخشوع ثم يبدأ منه، وقد يضطر إلى الرجوع صفحة أو ثلاثة صفحات بسبب السهو أو عدم التركيز.
27 أبريل
__________________________________________
هذا المقال هو المقال الرابع من سلسلة المقالات التي كتبها مولانا خالد عثمان الفيل حول بناء علاقة جادة مع القرآن الكريم..

جاري تحميل الاقتراحات...