كان بودي تقريب الصورة التي أحفظها عن رمضان القديم، ليتَ ذا العلم تقدَّم حتّى يُمكِّن الإنسانَ إنزال ذكرياته على شكل فيلم طويل…لا تحتفظُ ذاكرتي بمشاهدَ طويلة متصلة لرمضان واحد، لكنها ومضات مختلفة لرمضانات متعدِّدة، كتلك الومضات التي يراها المُختَطفُ من تحت عُصبة شُدَّت على عينيه.
معالمٌ لا ترابط بينها، ولا تفسير لمعانيها، وفي غمرة هذا الخلط الكبير، تظهرُ ذكرى واضحة جليَّة، ولست أدري لم هذه المشاهد ظلَّت عالقة دون غيرها، ولو كانتِ الذاكرة مغارةً سوداء؛ فإنّ ذكرى أوّل سحور ترسل نورها الضئيل في عمق ذاك الظلام، مشهدٌ قديم جدًا، لعله أقدم ما أذكرُ.
أيقظتني والدتي آخرَ الليل، الطقسُ باردٌ، وأحسبُهُ فصل الشتاء، تهاديتُ في مشيتي وأنا نصف نائم، وكأني أُخرجت من قَبري! أجتاز أجساد النائمين بإهمال، ولربّما دعستُ يدًا، أو تعثَّرتُ برجل، والبابُ يباعد كلَّما اقتربت، ولا أعلم حينها سببَ إيقاظي آخر الليل! ثم انقطعَ شريط الذكريات…
وعاد متصلًا وأنا أدخلُ غرفةً، لكنها ليست في بيتنا، هي غُرفةٌ في بيت آخر، إنها مشتى البيت، فالناسُ كانوا يقضون صيفهم إما في غرفة خارجيّة أو يفترشون باحة الدَّارة، وعند الشتاء يلوذون بدفء البيت، وغالبًا تكونُ هذه الغرفة أصلًا أُعدِّت -حين الإنشاء- للأضياف، وتسمَّى المقلَّط.
الذين أذكرهم في ذلك المشهد المتحرك ببطء شديد: جدتي وأمي وخالي الذي يكبرني بسنوات، وتلفازٌ له باب فوق منضدة بيضاء عمّرت طويلا، فُرشت أمامها غير بعيد سفرة صغيرة من الخوص، توسطها صحن بيضاوي من الأرز عليه دجاجة كاملة أو ما بقي منها، ودلو من اللبن على الطرف، وينقطع شريط الذكريات مجددا
لكنها ترجعُ وكأن أحدًا أعاد وصلَ بكرة الفيلم، أُقعدتُ إلى السفرة، والنومُ يسري في جسدي مسرى الدم، فاقد السيطرة على أجفاني التي ما إن تُغمِضُ بهدوء حتّى تُفتَحُ فجأةً ثم تعاود كرَّتها، جلستُ كالصنم أمام السفرة، أُفكرُ، لماذا الغداء ليلًا؟ ما قصَّة هذه الوجبة؟! ما الـ…قاطعتني أمي:
"كُل، فغدًا لا أكل حتى أذان المغرب" "مدّ يدك" قال خالي، مددت يدي إلى الصحن كمن يتلمَّسُ شيئًا في الظُلمة، أخذتُ لقمةً، وأضافتْ والدتي إليها شريحة دجاج صغيرة، ذهبتْ يدي إلى فمي على طريقة زهير بن أبي سُلمى:
بَكَرنَ بُكورًا واستحرنَ بِسُحرَةٍ
فَهُنَّ لِوادي الرسِّ كَاليَدِ لِلفَمِ
بَكَرنَ بُكورًا واستحرنَ بِسُحرَةٍ
فَهُنَّ لِوادي الرسِّ كَاليَدِ لِلفَمِ
لاذتِ اللقمة بفمي وأنا لم أرها أصلا، ثمّ غفوت! كانوا يتحدَّثون عن الدراسة، أعرفُ ذلك من امتعاض خالي، أفقتُ من غفوتي وأنا مصدوم من الشيء الذي في فمي، خفتُ من مضغهِ؛ فابتلعتهُ! أذكر طعم تلك اللقمة جيّدًا، وكأنّ اللحظة التي أبقيتها في فمي؛ كانت سببًا لاستمرار طعمها طيلة هذه السنين…
امتصَّت ذاكرتي مذاقها، وتشرَّب دماغي نكهتها، كانت بلا طعم، باردة، لم تنضج، وغير مُشبِعة. فهمتُ حقيقة مشاعري تجاه هذه الوجبة في اليوم التالي، والذي كأن نهارهُ لم يخلق بليلِ، كان أول صوم تام في حيَاتي.
جاري تحميل الاقتراحات...