22 تغريدة Dec 26, 2022
في العَتَبةِ الرابِعَة بعد العشرِين (١ أبريل ١٩٩٨)
ما بَينَ مُعايشَةِ الحياة، وفهمها:
"كَبُرَتْ تجَارُبُنا وضَاقَ كَلَامُنا".
-محمود درويش
١-
بعدَ أن قفزتُ على كِتَابَةِ أي شيءٍ في ذِكرَى ميلادي السابق، ما زلتُ لَا أجدُ في نفسِي ذلكَ الحافز الذي كان يدفعني دفعًا نحو الحديث عن
دلالة هذا الحدث التاريخي العادي (إكمالُ أحدهم عامًا جديدًا في الطريق إلى موته). ولمّا كان الحديث النفسي هو مدخلي الأساسي لفهمِ وتنظيم تلك الفوضى الداخلية التي نُطلِق عليها اسم "النفس"، ولمّا كانَت حاجتي للطمأنينة النفسية -وعليهِ افتِقادي لها- عاليةً جدا خلال السنين القليلة
الماضية، ولمّا اعتدتُ على إيجاد هذه الطمأنينة عبر السيطرة على نفسي بالطريقة الوحيدة التي تعلمتُها في حياتي وهي "الفهم"، فإني كنتُ لذلك مفرطَ الاحتياج للبوح وبثّ الخوالج التي تتلجلج في صدري على الدوام.
٢-
أعتقد أنّ في إمكاننا -بنوع من التجوز أن نقسّم الطرق التي يتعلّق عبرها البشر بالوجود إلى نوعين:
فالبعض يتعلق بالوجود عبر علاقة "المعايشة" المباشر فيه، ومزاولة فوضاه واضطرابه، النوع الذين يفتحون صدورهم للحياة ويعيشون في الـ"هنا والآن" دون أن يضعوا إلا القليل من الانتباه للأمس
أو الغد.
والبعض الآخر -وأحسَب أني منهم- ليس لهم اهتمام بالعالم إلا بما هو صورة أو رمز للعالم "الحقيقي" الذي يعيشون فيه، فهم يستغلون الموارد الموجودة في العالم الواقعي لبناء صورة عالم خاص بهم يستطيعون أن يتنقّلوا ويتلاعبوا فيه بشكل أفضل، فتكون علاقتهم بالعالم الواقعي قائمة
على "الفهم/التأويل" ويفشلون كثيرًا في محاولة التعلق بالعالم عبر "المعايَشَة" لأنها تبدو لهم أفقر معنَى وأقلّ جمالًا وأسرع إيقاعًا مما تتطلبه طبيعتهم النفسية.
"الحقول في التعبير هي أكثر خضرة مما هي في الواقع. للزهور إن كانت موصوفةً بعبارات تعرِّفُها في هواء المخيلة، ألوانُ ديمومة لا تسمح بها الحياة الخلوية".
-فيرناندو بيسوا.
أما النوع الأول من الناس "أهل المعايشة" فهم أشدّ الناس ارتباطاً بالواقع العملي ومتطلباته، الحاضرون على كوكب الأرض، الذين يعلنون عن وجودهم أينما ذهبوا بصراحة وقوة.
أما النوع الثاني من الناس "أهل الفهم/التأويل" فهم يحومون في الاحتمالات المتعددة التي كان يمكن للواقع أن يكون عليها،
والمعاني المختلفة التي يمكن أن ينطوي عليها ذات الحدث بالنسبة لأفراد مختلفين.
ويتضمن تحدي كل نوع أن يستطيع أن يقفز على تفضيلاته النفسية التي تدفعه إما للعالم الواقعي أو لتمثّلاته الذهنية المحتملة كلها، وينتقل إلى الضفة الأخرى.
أن يُتقِنَ المرء المشي على الحبال الرقيقة التي تفصل بين الضفتين ويتقن استعمالها على النحو الذي يتطلبه الاتزان الضروري في الحياة.
٤-
أعتقد أنّ الانغماس الكثيف في "فهم/تأويل" العالم يجعل للمرء الكثير ليقوله عنه، وبصيرةً -يمكن أن تصبح خادعة- في النظر إليه، لكنه يخلق إنسانًا غير عملي عاجزًا عن إنجاز أي شيء في الواقع -وهكذا وجدتُني في السنين الماضية، أملك الكثير لأقوله، ولا شيء لأفعله-.
وهذا الوضع ينتج بالضرورةِ خسَارَات وهزائم متعددة ويُلقِي بِصَاحبه في طرف سحيقٍ من أطراف الحياة معزولًا عن الأفعال التي هي أساس المعنى، ويُفقِد كل ذلك النفسَ طمأنينتها النفسية، ما يجعلها تلجأ لزيادة الانخراط في "فهم/تأويل" العالم، وعليهِ لزيادة البوح والبثّ،
في دائرة نفسية لعينة لا مخرج منها إلا عبر خوض الطريق الصعب، بدأ التعلّق بالعالم عبر الطريقة الأخرى غير المريحة، المعايشة.
يَا صاحِبَ الساعَاتِ، صوتُ فنائِهَا
يدعوكَ، فلتَذهَبْ إليها مُسرِعَا
قبل انتِهَاءِ الماءِ أعلِنهُ انقلابَ الماءِ
كي يَلِدَ المصبُّ المَنبَعَا
قَاوم ضبابَ الروحِ فيكَ وقُل له
لا بُدَّ عني الآنَ أن تَتَقشَّعَا
قشِّر تجَاعِيدَ النهَارِ ليزدَهِي وَجهًا
وحُكَّ الليلَ حتّى يَلمَعَا
-محمد عبدالباري.
٥-
لا زلتُ لا أستريحُ إلى معايَشَة الحياة -رغم اعترافي أنها أورثتني بعض السكينة النفسية-، ولا زال كون ذهني غير مشغول بتتبع أنساب الأفكار وعلاقاتها وأنماطها -بموضوعية أو بغير موضوعية، حقيقةً أو بالتخمين- أمرًا يسبب لي الكثير من الضيق والشعور بالبلادة،
إلا أنّ ذلك من متطلبات النضج والمسؤولية، لعالم الأفكار والتأهيل أهميته بالطبع لكن للواقع أهميته أيضًا. التنازل عن التأويلات المختلفة المحتملة للعالم لحساب الواقع يخلق فردًا مستسلمًا لقبح الواقع وفساده وقوانينه بشكل كامل، أما التنازل عن الواقع لحساب التأويلات المحتملة يخلق فردًا
حالمًا يسبِّح في سماء الفكر دون أي أثر حقيقي في الواقع. والنفس -وإن كانت تنطوي على تفضيل لضفة على حساب الأخرى-، فإنها لا تتزن إلا عبر الجمع بين العالم، وعليهِ عبر تحمّل التكلفة النفسية الأولى بالقفز للجانب غير المريح ومعالجة الألم الناتج عنه لفترة من الزمن.
"بالتأكيد ، بحث الإنسان عن المعنى قد يولّد توتّرًا داخليًّا بدلًا عن توازن داخليّ ، ولكن مثل هذا التوتّر بالتحديد هو شرط لازم للصحة النفسية"
"من الأشياء الخطرة على الفرد الخطأ في تصور الصحة النفسية بافتراض أنّ الإنسان يحتاج حالة من التوازن [النفسي]"
-فيكتور فرانكل.
٦-
وصلتُ أخيرًا إلى أنّ دوري في هذه المسرَحِيّة قد انتهى -أو في هذا الفصل منها على الأقل-، لم يعُد لديّ ما أقوله أو ما أفعله سوى تكرار ما قلتُه سابقًا، وقد فكرتُ جديًّا في مسح حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي وإعادة بناء نفسي من جديد في الظِّلَال،
ثم عدلتُ عن ذلك على أن أعمل على تعلُّم فضيلة الصمت، صمت عن قول غير الضروري وغير المهم وعن فُضلَة الأحاديث، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق ويعين على ذلك، هو وليّ ذلك والقادر عليه.
الصورة مع الأصدقاء الجميلين: سمسم وقدورة ومصطفى حسن ومحمد صلاح مع شاعرنا الرائع محمد عبدالباري.

جاري تحميل الاقتراحات...