(٢)
#علاقة_جادة_مع_القرآن
"أحب أن ابدأ سلسلة المقالات/المنشورات بتدبرٍ في قصة قارون، والحكمة الأساسيّة التي يمكننا أن نتعلمها من هذا التدبر شديدة الارتباط بكثير من الأحداث السياسيّة التي نشهدها في بلادنا (وربما ينطبق هذا على عدد من الأحداث التي شغلت ولا تزال تشغل الرأي العام
#علاقة_جادة_مع_القرآن
"أحب أن ابدأ سلسلة المقالات/المنشورات بتدبرٍ في قصة قارون، والحكمة الأساسيّة التي يمكننا أن نتعلمها من هذا التدبر شديدة الارتباط بكثير من الأحداث السياسيّة التي نشهدها في بلادنا (وربما ينطبق هذا على عدد من الأحداث التي شغلت ولا تزال تشغل الرأي العام
في السودان) أو في تفاصيل اليوميّة التي نراها في أسرنا ومؤسساتنا. وأنا بذلك أحاول أن أعطى مثالاً على فكرة بسيطة مفادها أن حِكم القرآن وأحكامه وآدابه شديدة الارتباط بكثير مما نعيشه في حياتنا اليوميّة على مستوى الشأن العام أو الخاص. وأريد أن أعكس كذلك أن الحديث عن القرآن ليس ترفاً
فكرياً لا يرتبط بواقع الناس ومعاشهم وألآمهم وآمالهم.
قصة قارون موجودة في الصفحات الأخيرة من سورة القصص، وتذكر الآيات أن السبب الرئيسيّ الذي جعل قارون يطغى ويتكبر ويتجبر على الخلق هو الفكرة التي يحملها في رأسه التي مفادها أن كل العز والسلطان والملك الذي يعيشه إنما هو بسبب علمه
قصة قارون موجودة في الصفحات الأخيرة من سورة القصص، وتذكر الآيات أن السبب الرئيسيّ الذي جعل قارون يطغى ويتكبر ويتجبر على الخلق هو الفكرة التي يحملها في رأسه التي مفادها أن كل العز والسلطان والملك الذي يعيشه إنما هو بسبب علمه
وكسبه، ولذلك عندما قال له الناصحون: " لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ". أجابهم قائلاً: " إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِي".
تستمر الآيات في القصة حتى تصل إلى النهاية التي انتهي بها قارون، وتصفها ب: " فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ
تستمر الآيات في القصة حتى تصل إلى النهاية التي انتهي بها قارون، وتصفها ب: " فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ". السؤال هنا: ما العلاقة بين التجبر والتكبر وبين فئة من الناس؟ كان من البديهيّ أن تقول الآية ما معناه:" فخسفنا به وبداره الأرض فما نفعه علمه الذي أدعاه"، ولكن الآية تحدثت عن فئة من الناس؟ ما الحكمة؟
الحكمة التي أرى أن القصة تشير إليه هي أنه = لولا وجود فئة من الناس يطبلون لقارون ويزينون له أنه كل ما يعيش فيه من عز وسلطان إنما هو بعمله وكسبه لما أصاب قارون ذلك الغرور والتكبّر، ولذلك فإن وجود الفئة المطبلة كان سبباً في تكبر وتجبر قارون، ولهذا تحدثت الآية مباشرة عن سبب
الغرور والتكبر وأن ذلك السبب لم يكن مانعاً أو راداً لنزول العذاب بقارون، وتجاهلت الغرور لأنه كان مجرد "نتيجة لسبب سابق". وقد استفدت الفكرة المركزيّة في هذا التدبر من أخي وصديقيّ مازن شيبون في أثناء حديثنا عن تدبر القرآن.
هذا المعنى يتوافق مع آيات أخرى تحدثت عن أن من أسباب تكبر الطغاة وتجبرهم وجود هذه الفئة من المطبلاتيّة التي لا تقدم النقد والنصح، فمثلاً يقول الله سبحانه وتعاليّ عن فرعون: " فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" وكيف أن قومه وجنوده
وافقوا كلامه الباطل والسخيف عن مقارنته لنفسه بموسى عليه السلام وأنه أفضل من موسى عليه السلام. والغريب فعلاً أنهم قالوا ذلك بعد أن شاهدوا بأعينهم أغلب معجزات موسى عليه السلام مثل: معجزة العصى، ومعجزة اليد البيضاء، ومعجزات أخرى مثل الدم والجراد والطوفان والقمل والضفادع!
في الأسابيع الماضيّة كنت ملتحقاً بكورس أونلاين متعلق بإدارة التنميّة وأذكر أن من المفاهيم التي تحدث عنها الكورس لشرح بعض أسباب فشل مشاريع التنميّة هو ما يعرف بنموذج " المثلث المُفسد The Toxic Triangle Model" وهذا النموذج يحاول أن يفهم أسباب ظهور وأسباب استمرار القادة السياسيين
والاجتماعيين الفشلة أو ما يعرف عموماً بمفهوم " القيادة المدمرة/ الهدّامة Destructive Leadership" ومن غريب ما ذكرت الدراسات التي تمت حول هذا المفهوم أن هنالك ثلاثة شروط رئيسيّة "لظهور واستمرار" هذا النوع من الحكم أو القيادة الفاشلة وهي: الطبيعة الشخصيّة والمهارات الخطابية
والكاريزميّة للقائد نفسه، وجود أتباع يوصفون بأنهم عُرضة للانقياد والتأثير من دون وجود حاسة نقديّة أو شجاعة لقول الحق Susceptible Followers، وأخيراً الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للبلد أو المنطقة.
في الحقيقة، فإن غياب وجود فئة ناصحة وناقدة وموجهة سواءً للجماعات
في الحقيقة، فإن غياب وجود فئة ناصحة وناقدة وموجهة سواءً للجماعات
أو الأحزاب أو القادة هي علامة واضحة ومؤشر خطير بالفساد والفشل والانحراف عن طريق الحق. وهذا الأمر يصح حتى على مستوي الأفراد، لذلك أحرص دائماً أن يكون لك أصدقاء مقربين ينصحونك ويُقيّمون أفعالك ويمتلكون الشجاعة لفعل ذلك باستمرار متي ما أخطأت أو تعثرت. وأنت من جانبك ينبغي
أن تقبل هذا النقد والتوجيه والإرشاد حتى وإن كان غليظاً أو شديداً، لا لشيء وإنما لكي تحافظ على وجود هذه النافذة التوجيهيّة المهمة في حياتك، ثم بعد ذلك لك أن تأخذ ما تراه صواباً وترد ما تراه غير ذلك، ورحم الله عمر ابن الخطاب عندما قال: " رحم الله امرأً أهدي إليّ عيوبي!"
أخيراً أحب أن أختم بمقولة مشهورة للشاعر المعاصر "بيرم المصري-التونسيّ" الذي نُفي من مصر إلى تونس ثم نُفي من تونس إلى باريس، يقول بيرم: " النقد امتداد للنبوة، ولولا النقاد لهلك الناس ولطغى الباطل على الحق، و لامتطى الأراذل ظهور الأفاضل، و بقدر ما يخفت صوت الناقد يرتفع صوت الدجال."
_______________________________________________
هذا المقال هو المقال الثاني من سلسلة المقالات التي كتبها مولانا خالد عثمان الفيل حول بناء علاقة جادة مع القرآن الكريم.
21 أبريل 2018
هذا المقال هو المقال الثاني من سلسلة المقالات التي كتبها مولانا خالد عثمان الفيل حول بناء علاقة جادة مع القرآن الكريم.
21 أبريل 2018
جاري تحميل الاقتراحات...