﮼عبدالرحمن 
﮼عبدالرحمن 

@flymoood

26 تغريدة 9 قراءة Mar 29, 2022
منذ البداية أنني عندما أتخذ حبيبة فإنني أكسرُ بذلك قوانين المجتمع الذي أعيش فيه، ولكن عندما أعشق لا تهمني القوانين الصغيرة، ما دمتُ مسيرّاً بفطرة الحياة الأولى، الحب.
أول خطوةٍ لآدم خطاها على الأرض كانت بحثاً عن حوّاء..
دون أن ألتفت إلى الأسئلة التي تحاصرني عن جدوى ما أكتبه. ربما كان خربشةً على هامش حبي لكِ، ربما كان رسالةً إلى عينين أشتاق إليهما بموت، فثمّة أشكالٌ كثيرة قد يأخذها شكل الرواية. ربما جاءت فتقاً في معطف شتائي قديم تآمر على دفئي، وربما كانت انحناءً عائداً إلى الكتابة من أجل النجاة،
وربما احتراقاً أخيراً أطهّر به كل آثامي القديمة. ربما كانت الرواية يأساً بحجم الأرض، أو بكاءً بغزارة النجوم، أو لُهاثاً في مِضمار العدم، أو اشتهاءً لشبق الأوراق،
ستظل كتابتي موسومة بمدينتي الصحراوية الكبيرة، قربياً مع ذكرياتي معكِ، وأحلامي التي ولِدت هناك، وماتت هناك، وأريد أنا العاجز أن أعيد بعثها من هنا.
في الرياض سأنفض ذاكرتي عن أيام من الوجع. سأكتب
الملحوظة التي كتبتها الحياة على هامش التقائنا هناك: "سيقعان في الحب"، وعلَّقت الورقة الصفراء على لوح القدر.
دائماً أعتقدُ أن العلاقة التي نتوقَّع شكلها مسبقاً لن تكون حباً بطبيعة الحال. دائماً يأتي قَدَرُ الحب غريباً على نَسَقِ حياتنا، جديداً على أوراقنا وأحلامنا، دائماً يفرِضُ
نفسه كجملةٍ لحنيةٍ مُبِهرة في نوتة العمر.
ولأن وجودكِ في مدايَ كان فوق العادة، وانفعالكِ بي كان خارج حدود الطبيعة، وعلاقتنا بأسْرِها تحليقٌ علويٌ لا تحكمه قوانين الجاذبية، ولا اتجاهاتُ الرياح، كان أن استسلمتُ له تماماً، مثل تائب.
دائماً هو الحب الأول خرافيٌ مجنون، حتى لو تأخر
إلى آخر العمر، يجيء مراهقاً.
تذكّري ما قال نزار:
"حبُّكِ مثلُ الموتِ والولادة
صعبٌ بأن يُعاد مرّتينْ"
وآه لو كان يُعاد مرّتين! لو كان يُنسخ ويُعرضُ مرّةً أخرى في حياتي. ولكنها أُحادية القدر الخالدة..
كتابتي صعبةٌ هذه الأيام. أنا لا أنفعل بقصيدةٍ أرميها على الدفتر وأمضي. إنها روايةٌ تولد. تقليبٌ حرٌّ في جيوب الذاكرة. أحتاجُ غلى الخمول في بطن الصفحات أكثر مما أحتاج إلى النشاط. لا بدّ من المشي البطيء بعيداً عن ركضِ الأبيات الذي تعوَّدتُه. حتى لو مَثَلت كل الأفكارُ في ذهني معاً،
لا بدّ أن تختمر تماماً، لا أحد يقرأ عجيناً.
كم يؤرّقني هاجسُ الرتابة، أنا الذي لم أكتب روايةً في حياتي. لأنَّ حبَّكِ الكبير هذا، حبكِ القاهر هذا، ما مرَّ عليَّ مثله من قبل، ولم تَقِفْ عليه حدودث مخيّلتي العذراء، ولا شَغافُ قلبي البكر، ولم تتورَّد في فمي حلمةُ حبٍ قبله قطّ.
لا بدّ من كلامٍ يليقُ بأول إنسانٍ على سطح القمر، وأول حبٍ ينزلق في شِقِّ حياتي، ولا بدّ أيضاً من تأبين يليقُ بسطح القمر الذي لم يعد إليه احدٌ بعدها، وحياتي التي ظلَّت مهجورةّ بعدكِ، مثل وديان الجنّ.
يا لحبنّا ، كيف أتى ، وكيف رحل.
التقينا كما يلتقون، جمعتنا الحياة في أزقَّتها،
لكنّنا لم نتوقَّع أن تمرُّ الأيام على دهشةِ ابتدائنا، ونحن نبحثُ عن لقاءٍ تلو آخر. صار الشوق أكثر شقاوة، والحنين أكثر صخباً، ولذَّةُ مغافلةِ الجميع من أجلِ الحب كانت تسعدنا معاً. وكلما تركتكِ بعد أن نلتقي في مكانٍ عام، ضاعت في ذاكرتي ملامحكِ الجميلة،
وصرتُ عاجزاً عن تذكُّرها متى أجنّني الليل، وصَهَلَ الشوق، ورحلتُ مع هاتفكِ إلى فردوسِ الحب الأعلى.
أعجبُ كثيراً لبرود الذاكرة تلك الأيام. كنتُ أسحبُ غطائي ليلاً، أغطي وجهي من الأشباح المترائية، وأجتهدُ لأرسم وجهكِ مرةً أخرى في جفني فلا أستطيع.
أنظرُ إليكِ كصورةٍ مغبّشةٍ بنقاط المطر، أما التفاصيل الطازجة فشيءٌ منها يرهقني ولا يأتي.
صباح الأول من مارس منحتِني باسم هذا الحب الوليد، أول قُبلةٍ في علاقتنا.
بكل حيائكِ المتمادي طبعتِها بسرعة على النُدبة التي خلَّفتها شفرة الحلاقة في ذقني، لأشعر أن نَفَسَاً من أنفاسكِ تسرَّب إلى رئتي، ليورثني سُكْرَ هذا الصباح وعربدته.
أسبوع مرَّ بين اللقاء الأول والقبلة الأولى. لم أكن أعلم إذا كان هناك معدّلٌ ثابتٌ تأتي بعده القُبل الأولى في قصص..
العشاق، أو أنها لا تأتي أصلاً، ولكني شعرتُ أنَّ قُبلتنا تلك جاءت في وقتها.
لأول مرةٍ نلتقي في مكانٍ لا يرانا فيه أحد. اخترنا المكان هذا بعناية في شمال المدينة التي تحاصر عشقنا. وفكَّرتُ في ألف خدعة، وألفِ

طريقة ألتوي بها على عيونهم. وأخيراً جلسنا معاً في غرفةٍ جميلة وحدنا بعد
أن أرهقتنا اللقاءات المتوتّرة في الأماكن العامة.
جلستُ في انتظاركِ داخل الغرفة، وكل ثلاث ثوانٍ كنتُ أقفز أمام المرآة. أيتها الفضيَّة اللامعة التي تمنحنا كل يومٍ غرورنا أو إحباطنا، لا تخذليني أمامها. ثم أعود لأتأمل جدران الغرفة. تأخرتِ قليلاً على ميعادنا هذا.
فهمتُ بعد أشهرٍ إنها عادةٌ شهيرةٌ من عاداتك، لا تكسرها إلا هواتف فلان إذا خفتِ استياءه.
تناهت إليَّ طرقاتكِ خافتةً وخائفة. فتحتُ لكِ بيدٍ ترتجف سعادةً ونشوة. جاءني وجهكِ الجميل، ابتسامتكِ الشقيَّة، تحيّتكِ الخجولة، شفتكِ البارزة، ولويس ڤيتون بنفسه اعتصر من دمه عطركِ ذلك الصباح.
جلستُ معكِ مأخوذاً باقترابكِ مني إلى هذا الحد. اختلطت أصابعنا العشرون ببعضها واختلط ريقنا في الملعقة الوحيدة التي نتناولُ معاً ونحن نتحدَّثُ عن كل شيء، كل شيء، بحماس طفلين يلتقيان بعد إجازةِ الصيف، في أول يومٍ دراسي.
أخيراً،
توقفنا عن الكلام وبقينا في تأمُّلٍ عميقٍ لمساحتي الوجهين.
لماذا حاولتُ أن أكون أنا صاحب القبلة الأولى؟ لماذا يجبُ أن يتمادى الرجل أولاً؟ لماذا دائماً أنتنّ اللاتي تغرين، ونحن الذين نعصي؟
رفعتُ يدكِ بارتباك وأنا أهمُّ بتقبيلها. ولم أكن أعرف كيف تُمسَكُ أيدي الإناث. قاومتني أنتِ بضعفٍ حييّ، وزادتكِ المقاومة الضعيفة إغراءً. انحنيتُ أخيراً لأول مرة، وزرعتُ قبلتي الأولى على ظهرِ كفكِ، مؤذناً ببداية لم أفكر في نهايتها.
بعد أن منحتكِ أنا ما يكفيكِ من حرج الابتداء،
قبَّلتِ بدوركِ جُرحَ ذقني.
لماذا كانت أولى قبلاتكِ لي فوق جرح؟
هل لأنكِ كنتِ تعرفين من قبل كم من الجراح سوف تتركين في جسدي؟ أم لأنكِ كنتِ تعرفين أنَّ هذا الجرح في ذقني كان بسببكِ أيضاً حتى لا أتأخر عليكِ؟ أم لأنكِ اشتهيت أن تطبعي شفتيكِ فوق دمي مباشرة، بعيداً عن حاجز الجلد؟
قبلةٌ فوق يدك، قبلةٌ فوق ذقني، بدايتان خجولتان لتمرّدٍ بلشفيٍّ ضخم. تاريخُ القبلاتِ هذا لن أنساه.
كم كانت شهيَّةً وهي تنزلُ عليَّ مثل طائرٍ مسحور، وتتركني معلّقاً بين الخرافات، متأرجحاً بين الأساطير.
لأول مرةٍ أفهمُ معنى أن أكون واحداً، فتبعثرني امرأةٌ حتى الفوضى...
ولأول مرةٍ
أجرِّبُ الإحساسَ بالرضاء المطلق من الحياة...
ولأول مرةٍ أعرفُ كيف يمكن أن أشتعلَ، ولا أحترق...
وأتشقَّق، ولا أنكسر...
وأدخلَ في غيبوبةٍ، ولا أموت ...
كنتِ مندفعةً وجريئة. وكنتُ هادئاً خجولاً. بيننا صباحٌ يُطِلُّ من شباكِ خلوة، وأريكةٌ تحملنا ولا تشعر بنا، ثم جاءت هذه القبلة، وتبدَّلت الأدوار، سكنتِ أنتِ مثل البحيرة، واندفعتُ أنا مثل الإعصار.
كم هو معقدٌ هذا الحب.
نحن لا ندركُ أيّ أورابه تحملُ الشفرة السرّية التي تفتح الأبواب، ولا نعرفُ صفحة البدايةِ في كتابه الخالي من الترقيم، ولا ندري من أين يبدأ، وأين ينتهي.
تقبيلكِ مدهشٌ لدرجة أني كنتُ أبقي عينيَّ مفتوحتين حتى تحتضر القبلة، وبين موتٍ ما وميلادٍ جديد
@rattibha رتبها

جاري تحميل الاقتراحات...