15 تغريدة 166 قراءة Mar 27, 2022
Nobody's Boy Remi (1977)
في ريمي الفتى نُبحر بين مدن وأرياف فرنسا في رحلة تتلاطم فيها أمواج المشاعر والأحاسيس التي تخترق القلب وتستقر في الروح، رحلةٌ مُلأت بالأحزان والمآسي، مصاعب وتحديات تتخللها مواقفٌ تفيض بجميل المعاني والقيم لتبث في أنفسنا دفئًا وسعادةً لا تجاريها سعادة.
فرقة فيتاليس الجوالة التي تسافر من بلدة لأخرى لتأدية عروض تسلي الناس، مقابل مبلغ قليل من المال يمكنهم من شراء قوت يومهم،جولة طويلة نرى فيها صعودهم إلى قمم الجبال وانحدارهم إلى بطون الأودية ووقوفهم على ضفاف الأنهار،وخلال ترحالهم يلتقون بأنواع البشر وكل بلدة يختلف طباع وصفات سكانها
مؤلف الرواية المبدع هيكتور مالو الذي كرس حياته للأدب حتى أصبح شغله الشاغل، عندما قدم تحفته الإنسانية ريمي الشريد او بلا عائلة، أصبحت جزء من المناهج الدراسية في الأدب الفرنسي، عرض فيها الكثير من المواضيع والرسائل كالنضج والاستقلالية والإعتماد على النفس للعيش...
والتحلي بالصبر وأهمية المضي قدمًا ودروس عن تهذيب النفس وكيفية التعامل بحكمة مع مختلف الناس، ولا يخلو العمل من الإسقاطات السياسية والأجتماعية فهو يبرز التفاوت بين الطبقات، ويُظهر بشفافية حقيقة المجتمع الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر وطبيعة حياتهم الصعبة، وينتقد الحياة المدنية
أستطاع المخرج ديزاكي مع طاقمه المميز أن ينقل الرواية بأفضل صورة ممكنة مع تعديلات إيجابية جعلت الأنمي أيقونة في مجال الرسوم المتحركة.إخراج أنيق يفيض بالحب والشاعرية، صنع ديزاكي بيئة تنبض بالحياة وتجعل المشاهد يعيش تفاصيل الحكاية ويغوص مع شخصياتها في عُمق حياتهم وكفاحهم ونضالهم.
ستعيش الأجواء بكل حواسك حتى أصغر التفاصيل كأصوات الطبيعة وخرير المياه وحفيف الأوراق وصفير الرياح وصرير الجنادب، وسيجعلك الأنمي تستشعر قيمة أبسط الأشياء كمدفئة في كوخ صغير يؤويك وحضن يحتويك ورداء يُدفئك وطعام يكفي لقوتِ يومك.
الشخصيات واقعية متقنة الكتابة، فانفعالاتها وتصرفاتها تتفق بصدق مع تركيبتها وخلفيتها الأجتماعية والنفسية، وتنوع الأحداث الكبير في رحلتهم يبرز كل دفينة وخصيصة في معدنها الأصيل الرائع لنرى بذلك مواقف شامخة تفيض بالحياة والجمال والأخلاق الحميدة.
العمل قدم شخصيات ثقيلة الوزن أبرزها العم فيتاليس ذلك الصوت الرخيم صاحب الأكتاف العريضة واللحية الكثيفة، شخصية متزنة تجدها صلبة وقت الشدة ورقيقة وقت الرخاء، ابك هذا محزمًا مليان تسطر الميادين تاريخه فارس نال المجد كلهُ ولسبب خفي تركه وراءه وترحلَ
ريمي ذلك الفتى البريء والهادئ الذي حُرم حنان الأم ودفئها، وأخذ يمضي قدمًا باحثًا عن السعادة الحقيقية مواجهًا الكثير من المصاعب، وفي رحلته الطويلة هذه يلتقي بشخصيات عظيمة مُلهمة أنارت دربه وأنضجت شخصيته وعلمته أن يعيش عزيز النفس طيب القلب كريمًا ... علمته أن يكون رجلًا.
وأما تصاميم الشخصيات فالرجال هنا رجال والنساء هنا نساء، ملامحٌ تصف أعقد المشاعر وعيون تروي أشمخ المواقف. وحتى الملابس وتصفيفات الشعر تصف بدقة حال أناس تلك الفترة ومكانتهم الإجتماعية، ولا عجب فمصممها هو أكيو سوقينو رفيق ديزاكي في كل أعماله.
تفنن رسام الخلفيات السيد كوباياشي بخلفياته الساحرة في إبراز جمال الطبيعة في الأرياف وروعة المعمار في المدن، وأظهر تنويع مُبهر في الألوان يعكس الحالة النفسية للشخصيات وتقلباتها، فاللحظات العصيبة نرى الألوان قاتمة وتثير الارتياب، واللحظات السعيدة زاهية ودافئة ومشعة بالأمل
الفنان كوباياشي استعرض أجمل لقطات الشروق والغروب، لوحات تنقلك لمرفأ الوجدان، فكل ما قام به طاقم العمل لم يكن ليكتمل دون لمسات هذا الفنان العجيب، كما لو اجتمع بيسارو ومونيه وأتكينسون للمشاركة في عمل واحد. كوباياشي فنان يستحق الإشادة
موسيقى رائعة وعذبة ستحلّق بك إلى الحقول والتلال وسفوح الجبال وإلى نهر السين وأزقّة باريس، وتوظيفها من أفضل ما يكون في المشاهد الدرامية واللقطات الشاعرية واللحظات الصعبة والمهيبة.. مدعاة للتأمل
المخرج ديزاكي قال في بداية الألفية لا أعتقد بأنه توجد أعمال حالية بعد أفضل من الفتى الشريد، واليوم أنا في سنة 2022، وأقول لا يوجد عمل يأسر القلب وفيه من الرسائل القيّمة والمعبرة ما تبني جسرًا من الطموح والأمل.. ريمي يحيي ميّت النّفس وتهذبه.
في الختام أنمي ريمي الفتى الشريد يقف شامخًا منذ أكثر من أربعين عامًا محافظًا على توهجه وعنفوانه، جاعلًا المخرج ديزاكي يعتلي هرم الإخراج المتلفز

جاري تحميل الاقتراحات...