سئلت كثيراً عن مصطلح الذكورية، وسأجيب في هذه التغريدات عن ذلك؛ لعلها تكون غُنية عن التكرار، والتي عنونتها ب(الموقف من المصطلحات الحادثة: مصطلح الذكورية نموذجاً)
وعلى بركة الله نبدأ فأقول:
يتبع=
وعلى بركة الله نبدأ فأقول:
يتبع=
أولاً: أن مسألة المصطلحات مهمة جداً جداً، وهي معقد الصراع الفكري والجدلي منذ نزول الوحي ليومنا هذا، قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) فلأن كلمة راعنا تعني سبّة لدى اليهود، أمر المولى الصحابة بتغييرها في مخاطبتهم للنبي ﷺ وهذا يدلّ على أهمية المصطلح =
ومنه حديث النبي ﷺ:( لا يقل أحدكم خبثت نفسي، ولكن لقست نفسي)، ومنه قوله ﷺ:(لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي) والأمثلة على هذا كثيرة، لكن هذه نُبذ منها حتى يعلم أهمية المصطلح وخطورته ومنزع استعماله.=
ثانياً: الأصل في المسلم التسمي بالمصطلحات الشرعية، خاصة إذا كان يدعو إلى ما جاء به الوحي، فلا يصح تغيير مراد الحق بألفاظ حادثة؛ لأنه مذموم، وقد قال تعالى:(هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا) قال مجاهد:الله سمّاكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر ، وفي هذا يعني: القرآن=
ثالثًا: أن لفظ ومصطلح الذكورية قد دخله الإجمال، فمنه معاني حقّة وباطلة، والتي غلا فيها بعض المنتسبين له؛ حتى وصل الحال بالغلو في طرف ومجانبة الصواب من الشريعة، فمنهم من وظّف معاني شرعية في تحقّير المرأة والحط من قدرها مثلاً؛ متوسلاً بالمصطلح وبالمغالاة في المعنى الشرعي.
رابعاً: أن الحق الذي يتحدث عنه من المنتسبين للذكورية، وهو موجود في الشريعة، فالأصل إن أقرّوا به فلا أبد أن يتخلوا حينئذٍ عن المصطلح، ويُتبّع المسمّى الشرعي الذي دل عليه الحق؛ لأن التسمية الشرعية هي الصحيحة الواجب الأخذ بها، كلفظ المسلم والمؤمن ونحو ذلك. =
خامساً: أن مصطلح الذَكَر وما تصرّف منه لم يستعمل في القرآن على وجه المدح، وإنما الغالب فيه هو المقابلة بين الجنسين في استخدامه لمعنى في سياق الآية كقوله تعالى:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) وقوله:( للذكر مثل حظ الأنثيين)، وقوله:(ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى)=
ولكل وصف في الآيات معنى مراد، وإنما عُلّق المدح في القرآن للفظ الرجل، وهو وصف زائد على مجرد الذكورة، قال تعالى:(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) وقوله:(رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)، وقوله:(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم)=
فهذه الآيات وغيرها، تدل على أنه حتى مع التسليم للمعطى الشرعي، فإن المدح قد عُلِّق على وصف الرجال وليس الذكور، ولا يُقال هنا بالرجوع للمعاجم ونحوها؛ فإن تفسير المصطلحات الشرعية يكون بدلالة الشرع أولاً كما دلّت عليه الآيات، ولا يبقى لوصف الذكورية (بمجرّده) ميزةً يمتاز بها=
سادساً: ما يقوله الذكوريون من أن هذا المصطلح نعني به معاني شرعية؛ فإنّ هذا لا يسوّغ أساساً قبول المصطلح، وقد سأل بقية بن الوليد الأوزاعي عن لفظ الجبر، يريد أن يعبّر به عن القدر، فقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلاً من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك، وقد عبّر عن هذا ابن تيمية =
حيث قال:"والألفاظ إذا وردت عن صاحب الشرع المعصوم كان لها حرمة، وإلا لم يُلتفت إلى من أخذ يعبّر عن المعاني الصحيحة المعلومة بالعقل والشرع بعبارة مجملة توهم معاني فاسدة" فهذا أصل في نبذ المعاني المجملة التي قد تزرع الفتن بين المسلمين وتلبس عليهم الحق بالباطل، وقد قرر الشاطبي هذا =
فقال في سياق بيان مخالفة معاني الكتاب والسنة وما يتلبس في المصطلحات، قال:"أن يخالف الأصل بنوع من التأويل هو فيه مخطئ، بأن يضع الاسم على غير موضعه، أو على بعض موضعه" وهذا ما حدث لمصطلح الذكورية فقد ضُمّن منه جزءاً فيه دلالات مغالية خارجة عن مراد الوحي=
سابعاً: لقائل أن يقول مصطلح الذكورية فيه حق وباطل، فإذا عرفت الحق عرفت معناه بناءً على قاعدة "العبرة بالمعاني دون المباني"فهذا أيضاً باطل ولا يصح، لأن هذه القاعدة إنما قرّرها الفقهاء في سياق ما يتعلق بالمعاملات وأحكام العقود الشرعية، فهذه ينطبق عليها الوصف، لأن الوصف مهم هاهنا=
ثامناً: أن تنبيه العلماء على التمسك بالمصطلحات الشرعية كان لفقه يدركون مآلاته، ومن ذلك أن عدم التقيد بذلك يؤدي إلى إثارة الفتنة بين الناس، وفيه فساد للتصورات العقلية والشرعية، وهذا الذي حدث بالفعل، فترى أن المعركة الفكرية صارت بين المسلمين أنفسهم بسبب هذا التفرّق=
وقد حكى ابن تيمية شيئًا من هذا لما عرض لصنيع الفلاسفة والمتكلمين مع أهل السنة فقال:(ثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة ديناً يوالون عليه ويعادون عليه) وأنت إذا تأملت وجدت هذا. كالتفريق بين المسلمين بناءً على من هو من الذكوريين ومن هو خارجهم وهذا لا شك أنه باطل.
تاسعاً: لا يقال أن لفظ الذكر موجود في الشريعة فيصح لنا استعماله، فهناك من يستعمل مصطلحًا شرعياً يخرجه عن سياقه، وهذا مع حصل مع مصطلح التأويل عند المتكلمين، ومصطلح اليقين والجهاد عند المتصوفة مثلاً، وغير ذلك، فقد بيّن العلماء خطورة ما تلبّس بهذه الألفاظ من باطل وردّوه=
ومعنى هذا أن تبقى دلالة المصطلح على معناها الشرعي، دون أن يزاد فيه مالم يحتمله المصطلح، وعلى هذا فإن مصطلح الذكر في الوحي إنما ورد في تبيان حال الفرق بين الجنسين، والكلام فيه على الجنسية الإنسانية وقسميها، ولذلك يكثر تعريف الذكَر بالمعاجم بأنه ضد الأنثى أي المقابل لها وهكذا =
عاشراً: لو قال قائل أن مصطلح المسلم قد تعرّض لتشويه فبناءً على ما ذكرت نتخلى عنه؟ والجواب يعود للقاعدة الأصلية وهو أن يقال: لا، لا يُتخلى عنه، لأن هذا المصطلح شرعي جاء به الوحي لوصف أمة محمد ﷺ فلا يصح تبديله؛ لأن العبرة هنا بما سمّانا الله به، وإن شوهه مشوّه.
الحادي عشر: أنه لا يحق لمن دعا إلى مراد الوحي أن يتسمّى بأمر لم يأمر به الوحي، فإن المعاني الشرعية لها حرمتها، وليست اختياراً لأقوام يأخذونها ويتسمّون بها، وفي هذا يقول ابن تيمية:( فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة؛ بالشرع والعقل ويراعون أيضاً "الألفاظ"=
الشرعية فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا)
الثاني عشر: أن من القواعد المقررة في معرفة الحق هو معرفة ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين فإن هذا التراث بتاريخه موجود لدينا ولم نرَ أن قومًا منهم تسمّوا بالذكوريين، أو بشيء قريبٍ منه ..!!
الثاني عشر: أن من القواعد المقررة في معرفة الحق هو معرفة ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين فإن هذا التراث بتاريخه موجود لدينا ولم نرَ أن قومًا منهم تسمّوا بالذكوريين، أو بشيء قريبٍ منه ..!!
أخيراً: أنه لا يرتحل من المصطلح الشرعي لغيره إلا لضرورة تقتضي هذا مثل أن يكون المخاطب لا يفهم إلا بلغة معينة فحينها يصح بهذا القدر، وفي هذا يقول ابن تيمية:"وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك" =
وبناءً على ما تقدم فإنه لا يصحّ استخدام مصطلح الذكورية والتسمّي به من قِبل جماعة من المسلمين، فإن الداعي يدعو إلى الحق بمراد الله وبما سمّى الله؛ فإن من تمام إكمال هذا الدين هو إكمال ما به صلاح الناس حتى في التخاطب والتسمّي.
والله تعالى أعلم
تمّت بفضل الله
والله تعالى أعلم
تمّت بفضل الله
جاري تحميل الاقتراحات...