"وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ۚ وذلك دين القيّمة"؛ دين القيمة أي دين الاستقامة (الإسلام) ..
في كلمة "مخلصين"، حديثُ الإخلاص. سُئل بعض الفقراء (الصوفية) عنه، فقالوا: "أَن لا تشهد عَلَى عملك غَيْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ"
في كلمة "مخلصين"، حديثُ الإخلاص. سُئل بعض الفقراء (الصوفية) عنه، فقالوا: "أَن لا تشهد عَلَى عملك غَيْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ"
وقيل: الإخلاص هو "نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق . ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله"
أما الجُنيد فقد نبّه إلى حجم وماهيّة الإخلاص فقال: هو "سر بين الله وبين العبد؛ لا يعلمه ملَك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله"؛ فهو سرّ، والسرُّ في التعاملات الإجتماعية الإنسانية، وإن بدا صغير وخفيف عند الستر، هو عظيم وجليل عند الكشف، فكيف اذا كان بين العبد وربه!
وهنالك فرق بين إخلاص الخواص وإخلاص العوام، أبو عثمان المغربي، وهو من أعلام التصوف في القرن الرابع الهجري، قال عن إخلاص العوام على أنه ما يكون فيه للنفس (حظ)؛ كأن يُخلص من أجل شفاءهِ من مرض، أو من أجل ربحٍ في تجار، فهنا إخلاص لكن فيه (حظُ النفس) أي نصيبٌ لها .. يتبع
أما اخلاص الخواص،فهو اخلاص لله كما هو اخلاص العوام، لكن الاخلاص عند الخواص ليس فيه رؤية اجتهادهم في الطاعات والعبادات منهم أنفسهم بل من الله؛ أي أن عبوديتهم هي لله ومن الله، وليس لله ومن (أنفسهم) ..
ومما سبق من كلام أبو عثمان المغربي، يمكن فهم قول أبو سعيد الخرّاز، وهو من متصوفة بغداد، قال: "رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين" ..لان رياء العارفين هو اخلاص الخواص أما اخلاص المريدين هو اخلاص العوام لان العارف يُرائي الله، وذلك عينُ الاخلاص، أما المريد فلهُ حظ نفسه في الإرادة
ومن حظوظ نفس المريد، أن يتعلّم التصوف من أجل الوصول الى الشيخوخة (أن يصبح شيخاً مستقبلياً للمريدين)؛ لانه في أول الإرادة، في أول الطريق. أما العارف بالله، فهو فناء من حظوظ النفس، وبقاء في حيرة محبة الله ..
وفي الإخلاص قصة. يروي أحدهم أنه دخل على بيت التُستري يوم الجمعة، قبل الصلاة، فرأى عند دخوله البيت حيّة، فأخذ يقدم رجلاً ويُأخر رجلا، فرآهُ التستري على تلك الحالة، فقال له: "ادخل، لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان وعلى وجه الأرض شيء يخافه"، ثم سأل الزائرَ فيما اذا صلى الجمعة أو لا .. يتبع
.. فقال له الزائرُ: بيننا وبين المسجد الجمعة مسيرةُ يومٍ وليلة، فأخذ التُستري بيده، فما كان إلا أن رأى المسجد أمامه، فدخلوا المسجد، فلما انتهوا من الصلاة، وقف التُستري ينظر الى الناس وهم يخروجون وقال: "أهل لا إله إلا الله كثير، والمخلصون منهم قليل" ..
لقد طوى واختصر التُستري المسافة؛ فهما كانوا قبل الحديث يوم الجمعة، وكان المسجدُ بعيدًا، لكن عندما "أخذ بيده"، وصلوا إليه. تلك كرمات خاصة للأولياء، وللأولياء كرمات كما أن للأنبياء معجزات يثبتون بها للناس نبوتهم ...
والتُستري بما أعطاهُ الله من كرامات ظاهرات عظيمات، قال: "أكبرُ الكرامات أن تُبدل خُلقاً مذموماً من أخلاقك" ...
وعن الإخلاص رُوى عن الحبيب محمد: "العلماء كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر"؛ وقال في ذلك التستري: "الدنيا كلها جهل الا ما كان منه العلم، والعلم كله حجة الا ما كان به العمل، والعمل كله هباء الا موضع الاخلاص فيه، وأهل الإخلاص على خطر عظيم"
وإنما خطر الإخلاص، المذكور في الحديث الشريف وكلام التستري، يكمنُ في ماهيته (الإخلاص)، أنهُ سر بينن شيئين: شيءٌ فانٍ وشيءٌ باقٍ ؛ لذلك تهذيبُ السرّ وتنقيته من الشوائب والعلائق الدنيوية، هو الأمان الذي يسعى إليه السالك في مقامات التصوف والاخلاق والتزكية ..
رتب @rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...