"لا يزال الله في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه"
عرّف الصوفية الفتوّة على أنها السعي في خدمة الغير، فليس عند المتصوفة أنانية وفرديّة. قال الجُنيد عن الفتوة: هي كفُّ الأذى، وبذل الندى. فهم ملتزمون بدفع الأذى، وإن صغر، كدفع حجرٍ من طريق المارة، ويُبدلون الأذى بالندى (الخير)
عرّف الصوفية الفتوّة على أنها السعي في خدمة الغير، فليس عند المتصوفة أنانية وفرديّة. قال الجُنيد عن الفتوة: هي كفُّ الأذى، وبذل الندى. فهم ملتزمون بدفع الأذى، وإن صغر، كدفع حجرٍ من طريق المارة، ويُبدلون الأذى بالندى (الخير)
يُروى في ذلك قصة؛ تزوج رجل بامرأة. وقبل الدخول، ظهر الجُدري عليها، وهو مرضٌ مُشوّه. فاشتكى الرجل ألماً في عينه، ثم قال: عميت. ماتت المرأة بعد عشرين سنة، ففتح الرجل عينه. فتعجّب منه من عرفه، فقال: لم أعم، ولكن تعاميتُ حذراً أن تحزن. فقيل له: "سبقت الفتيان". تعامى ٢٠ سنة لجبر خاطر!
وفي الفتوة يُروى، حضر قومٌ لزيارة رجل، فأمر الرجل غلامهُ بتقديم الطعام. فلم يُجب الغلام، فأمره ثانية، فلم يُجب، وثالثة .. فتعجّب القوم الزائرون. فقال الرجل لغلامه: لِم لا تُجيب، فتقدّم الطعام. قال الغلام: كان بالسفرة نملة، فلم يكون من الأدب (الفتوة) إيذاء النملة، فلبثت حتى رحلت..
وسألَ جعفرُ الصادق شقيقَ البلخي عن معنى الفتوّة. فقال: "إن أعطينا شكرنا، وإن مُنعنا صبرنا. فرد عليه جعفر: الكلاب عندنا بالمدينة تفعل هكذا .. فقال شقيق: فما هي يابن رسول لله، فقال الصادق: إن أُعطينا آثرنا، وإن مُنعنا شكرنا..
من خلال ما سبق في تعريف الجُنيد للفتوّة وتعريف جعفر الصادق تتضح فكرة الفتوّة في القيمة الأخلاقية (الإيثار). وهذا تذكير بتعريف آخر لكلمة التصوف، فهنالك أكثر من تعريف، وهو التخلق بأخلاق الله؛ أي تمثّل صفاته وأسمائه تعالى محصورةً بالتي تصح القدرة البشرية كالرحمة والإحسان وغيرها ..
وذكر الغزالي في كتابه المقصد الأسنى فصلاً بعنوان "بيان أن كمال العبد وسعادته في التخلق بأخلاق الله تعالى والتحلي بمعاني صفاته وأسمائه بقدر ما يتصور في حقه" ..
فالتخلق بالأخلاق الإلهية، والسعي في التحلّي بها، يقرَّب العبد من ربه، وبذلك سُميَ العلماءُ الربانيون، لانهم اقتربوا منهُ عز وجل، وحاروا في معرفته حيث أنه "أعرفُ الناس بالله، أشدهم تحيراً فيه"، كما قال ذو النون المصري، وهو أول من عرّف بعض المصطلحات الصوفية كالمقام والحال ...
ويُروى عن أبي الحسين النُوري أنه كان يخرج كل يوم من داره، وكان يحمل الخبز معه فما يبقى إلا وتصدّق به في طريقه. ثم يذهب ليصلى حتى الظهر، ثم بعد ذلك يذهب فيفتح باب حانوته (دُكانه)، ويكملُ صيامه؛ فكان أهله يظنون أنه يأكل خبزه في السوق، وكان أهل السوق يظنون أنه يأكل في داره!!
ويُحكى عن السَّريّ السَقَطي، خالُ الجُنيد، أنه قال: "منذ ثلاثين سنة وأنا استغفرُ لقولي (الحمد لله)" قيل له وكيف ذاك؟ قال: وقعَ حريق في سوق بغداد، فجاءني رجل وقال لي: نجا حانوتك (دُكانك). فقلتُ: (الحمد لله)، وأنا منذ ذلك اليوم نادمٌ على ما قلت لاني أردتُ لنفسي خيرا دون المسلمين ..
وتخلّقُ الصوفي بأخلاق الله لا يتنافى مع قول الحق:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"، فالناقص لا يصل الكمال كما أن العبودية لا تصل الى الربوبية ..
رتب @rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...