من المثير للاهتمام والداعي للقلق في الوقت ذاته، ما نشهده حين نتصفح وسائل التواصل الاجتماعي أحيانا، فنرى حروبًا مختلفة، يصبح فيها كل شخص جنديًا محتملًا أو محاربًا خلف شاشته بعتاده اللغوي المفترض.
لا يستطيع المتتبع لسيل الكلمات الحادة والمدمرة المستخدمة افتراضيًا، بما يصحبها من تهديدات ترتبط أحيانا بإنهاء وجود الطرف الآخر إلا أن يفكر في أن كثيرًا منها تعبّر في ظاهرها عن شرٍ خالص.
ما الذي يجعل أحدنا يرغب بتدمير الآخر اليوم؟
قدّم الألماني إيريك فروم في مبحثه الضخم «تشريح التدميرية البشرية» نوعين من العدوان التدميري للكائن البشري.
قدّم الألماني إيريك فروم في مبحثه الضخم «تشريح التدميرية البشرية» نوعين من العدوان التدميري للكائن البشري.
يمثل الأول العدوان غير الخبيث الذي يكاد يتشارك فيه الإنسان على امتداد مراحل تطوره التاريخي مع سائر الكائنات الحية التي تتخذ سلوكًا دفاعيًا عندما تواجه أي خطر يهدد حياتها.
أما الثاني فيتناول العدوان الخبيث الذي نتحدث عنه، ذلك الذي يأتي بشكل غير مبرر، وهو ما يحاول فروم دراسة نشوئه وتطوره ضمن مراحل تطور الكائن البشري، الذي انتحى سلوكًا عدوانيًا دون الحاجة الفعلية لذلك!
يذهب فروم في تصوراته، ليدلل على فاصل رفيع بين التحول من العدوان غير الخبيث إلى الخبيث، مستشهدًا ببعض المحطات التاريخية الواقعة ضمن أحداث كبرى مثل الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي.
ساهمت الآلة الإعلامية للجهاز النازي بتأجيج مجموعات ضد أخرى، من خلال استثارة غريزة الدافع غير الخبيث المتمثل في الدفاع عن الممتلكات، لا كما هو الدافع الرئيس لهذا العدوان المتمثل في جشع ألمانيا النازية ورغبتها بضم المزيد من الأراضي لمشروعها التوسعي.
يستعرض فروم أمثلة عن أسباب جنوح إنسان العصر الحديث للعدوان الخبيث، ويشير إلى «الطبع النيكروفيلي»، الذي يعرّفه بـ«الانجذاب العاطفي إلى كل ما هو ميت. والشغف بتحويل ما هو حي إلى شيء غير حي، وبالتدمير من أجل التدمير، والشغف التفكيكي للبنى الحية».
يمضي فروم في الإشارة إلى فكرة الطبع النيكروفيلي غير الواعي. ويعزي ظهوره إلى إفرازات التقنيات الحديثة التي سهلت أفكارًا مثل الإبادة والقتل والاجتثاث في فترات النزاعات الذي أنتج أفرادًا لا يؤمنون إلا بالحل الحاسم، بدلًا من صوت الحوار التشاوري للتقصي من ضرورة العدوان أو عدمه.
تحاول @SalhaObeaid في مقالها «منصات التواصل وسيكولوجيا الحروب الافتراضي» إسقاط الفكرة على شبكات التواصل الاجتماعي التي نلحظ فيها سهولة تداول صور الجثث والموتى والأوصال المتقطعة والأجساد المتفحمة لكافة الكوارث، دون مراعاة لعمر الفئة المتلقية لهذه الصور وتأثيرها الفعلي عليهم.
أصبح تداول النزاعات المسلحة عالميًا سبقًا معلوماتيًا يصلك دون رغبة منك ودون فاصل مُدرك بين المنصات المتخصصة وغيرها، وأصبح التغذي على مثل هذه الصور التي تُبَث كنتائج فعل تدميري ضخم أمرًا عاديًا وشبه يومي.
أصبح للتلويح بالاقتصاص من الآخر بنفس النبرة التدميرية مبرراته المستساغة لدى الكثير من الأفراد. وقد ينتشي أحدهم وهو يهدد بمثل هذه الأفعال، حتى يكاد وجوده الافتراضي وقوته يتغذى على مثل هذه النبرة التدميرية المروعة.
ما الذي يتعين علينا عمله حتى نفهم الفوضى التدميرية الافتراضية الحالية؟ تتساءل صالحة عبيد وتحاول الإمساك بطرف الخيط لإنسان المنصات الحديثة، وما يقوده لخيارات تطرفية رغم وفرة الخيارات اليوم على الأرض وفي الإنترنت.
thmanyah.link
thmanyah.link
جاري تحميل الاقتراحات...