- الشَّكوىٰ لِغيرِ الله :
الشَّكوى إِنَّما تكُون إِلى اللَّه تعالى،كما قال العبد الصالح: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلى اللَّهِ)
"وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له، وحريته مما سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه"
"وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له، وحريته مما سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه"
الاصطبار، وهو التلذذ بالبلوى، والاستبشار باختيار المولى، وهذا هو الصبر على الله، وهو صبر العارفين.. والاصطبار افتعالٌ من الصبر، وهو مُشعِر بزيادة المعنى على الصبر؛ كأنه صار سجية وملَكة.. وإذا عُلم هذا فالتلذذ بالبلوى، والاستبشار باختيار الله سبحانه لا يخص الاصطبار،
لا يكون مع الصبر، ومع التصبّر، ولكنه لما كان الاصطبار أبلغ من الصبر وأقوى؛ كان بهذا التلذذ والاستبشار أولى،
فإعراض العبد عن الشكوى الى غير الله جملة، وجعل الشكوى إليه وحده سبحانه هو الصبر، والله يبتلي عبده ليسمع شكواه، وتضرّعه، ودعاه، وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه،
فإعراض العبد عن الشكوى الى غير الله جملة، وجعل الشكوى إليه وحده سبحانه هو الصبر، والله يبتلي عبده ليسمع شكواه، وتضرّعه، ودعاه، وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه،
ولم يستكن له وقت البلاء؛ كما قال تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون).."
وكذلك أيوب عليه السلام أخبر الله عنه أنه وجده صابرا مع قوله: (مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)، فعُلم أن العبد إذا دعا الله تعالى في كشف الضر عنه فإن ذلك لا يقدح في صبره،
وكذلك أيوب عليه السلام أخبر الله عنه أنه وجده صابرا مع قوله: (مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)، فعُلم أن العبد إذا دعا الله تعالى في كشف الضر عنه فإن ذلك لا يقدح في صبره،
وقد عُرّف الصبر بأنه ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله"..
وقد قال شقيق البلخي: من شكا مصيبة نزلت به الى غير الله لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوة أبدا".
وقال عبيد بن عُمير: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، ولكن الجزع القول السيئ، والظن السيئ".
وقد قال شقيق البلخي: من شكا مصيبة نزلت به الى غير الله لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوة أبدا".
وقال عبيد بن عُمير: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، ولكن الجزع القول السيئ، والظن السيئ".
وقال أبو حاتم ابن حبان: الواجب على العاقل أن يوقن أن الأشياء كلها قد فُرغ منها، فمنها ما هو كائن لا محالة، وما لا يكون فلا حيلة للخلق في تكوينه، فإن دَفعَه الوقت إلى حال شدة فيجب أن يتّزر بإزار له طرفان؛ أحدهما: الصبر، والآخر: الرضا؛ ليستوفي كمال الأجر بفعله ذلك،
فكم من شدةٍ قد صعبت، وتعذر زوالها على العالم بأسره، ثم فرّج عنها المُسهّل في أقل من لحظة".
قال شريح القاضي: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب،
قال شريح القاضي: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب،
وأحمده إذ لم يجعلها في ديني".
فالبعض تحوّل من نُصرته للحقّ وإظهارِ تجلّده للخلق إلى يائسٍ مهزُوم، جلّ كتاباتِه فراقٌ وأسىً، وبكاءٌ ورِثَا، فَأصبح مُخذّلا من حيثُ لا يعلم، وما ضرّه لو صبر وأغلق فاهُ، فَإنّ من علامات الرّضى بالقضاء عدم التّأفّف والتّشكي وقت البلاء،
فالبعض تحوّل من نُصرته للحقّ وإظهارِ تجلّده للخلق إلى يائسٍ مهزُوم، جلّ كتاباتِه فراقٌ وأسىً، وبكاءٌ ورِثَا، فَأصبح مُخذّلا من حيثُ لا يعلم، وما ضرّه لو صبر وأغلق فاهُ، فَإنّ من علامات الرّضى بالقضاء عدم التّأفّف والتّشكي وقت البلاء،
للأسف أصبح رمزَاً من رموز الشّكوى لغير الله،فعندما تدخُل إلى هذه البرامج لتنظُر إلى فُتوحات الأبطال، تُبْهَتُ بِتعاسات المُدرجِين بأَهل الحقّ، حتّى كأنّ لسان حالهم يقول: لا عزّة بَعد ذَلك اليوم وسؤْدد، وما ضَيرُهُ لو جعل حُزنه بين جنبيه وتَجلّد أو على الأقَلّ ترك السّاحة لمن تجلد
وأظْهر الوَضاءَة وَبشّرَ بِالنّصر، فَليحذَر كُلّ الحَذر مِن أنْ يَدخُل فِي قَولهِ تَعالى:
{لَو خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُم إلّا خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خَلَلكُمْ يَبغُونَكُم الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّعُونَ لَهُمْ}.
{لَو خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُم إلّا خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خَلَلكُمْ يَبغُونَكُم الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّعُونَ لَهُمْ}.
ولما كان توحيد الله غاية الخلق، وإفراده بالعبادة والتوجه مقصدَ الوجود - جعل الله الشكوى للخلق مباينةً للشكوى إليه في الحقيقة والأثر؛ فشكوى المخلوق إلى المخلوقين شكوى أرحم الراحمين إلى مَن لا يرحم؛ رأى بعضهم رجلًا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة، فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى
من لا يرحمك؟! ثم قال:
وإذا عرتك بلية فاصبر لها
صبرَ الكريم فإنه بك أعلمُ
وإذا شكوتَ إلى ابن آدم إنما
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمُ ..
والشكوى إلى المخلوقين شكوى عاجز إلى عاجزين مثله، قد أرهقتهم همومهم وأعيتهم، فكان لهم منها شغل عن سماع هموم الآخرين، وما تزال منزلة الشاكي=
وإذا عرتك بلية فاصبر لها
صبرَ الكريم فإنه بك أعلمُ
وإذا شكوتَ إلى ابن آدم إنما
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمُ ..
والشكوى إلى المخلوقين شكوى عاجز إلى عاجزين مثله، قد أرهقتهم همومهم وأعيتهم، فكان لهم منها شغل عن سماع هموم الآخرين، وما تزال منزلة الشاكي=
عندهم في ضَعَةٍ ومهانة، كذلك فإن مجلسه عندهم ثقيل، وحديثه معهم مكروه، والشكوى إلى الله وبثُّ الهمِّ له ضدٌّ من ذلك كله؛ إذ شكوى المخلوق إلى ربه توحيد خالص، قد حوى اليقين بأن الأمر لله، وأنه القادر على كشف الضر وتبديل الحال، وأنه السميع القريب المجيب، وأن ما عداه عاجز، والشكوى
إلى الله سبحانه ضراعة، وذل، وانكسار، وطلب بلسان الحال، وتلك الشكوى من قبيل الصبر الجميل الذي وعد به يعقوب عليه السلام ربه حين فقد ابنه يوسف عليه السلام؛ فقال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ ولما ازداد بلاؤه بفقد ابنه الآخر بث شكواه إلى ربه قائلًا:
﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾
قال قتادة: "ذُكر لنا أن نبي الله يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله من ورائه"، وتلك الحقائق التي حوتها الشكوى إلى الله أسباب ترفع العبد إلى أرفع المقامات، فهل بعد ذا تكون شكوى لغير الله؟
قال قتادة: "ذُكر لنا أن نبي الله يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله من ورائه"، وتلك الحقائق التي حوتها الشكوى إلى الله أسباب ترفع العبد إلى أرفع المقامات، فهل بعد ذا تكون شكوى لغير الله؟
من هنا قصر الأنبياء مشكاهم إلى الله؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالأنبياء وأتباع الأنبياء إنما كانوا يشتكون إلى الله، وله يدعون، ويتضرعون، وإليه يرغبون، وبهذا أمر الله رسوله؛ قال تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾
قال ابن القيم: "فالشكوى إليه سبحانه لا تنافي الصبر الجميل، بل إعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملةً، وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر، والله تعالى يبتلي عبده؛ ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه، وقد ذمَّ سبحانه من لم يتضرع اليه ولم يستكن له وقت البلاء؛ كما قال تعالى:
: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه، والرب تعالى لم يُرِدْ من عبده أن يتجلد عليه، بل أراد منه أن يستكين له، ويتضرع إليه، وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه،
ويحب من يشكو ما به إليه، وقيل لبعضهم: كيف تشتكي إليه ما ليس يخفى عليه؟ فقال: ربي يرضى ذل العبد إليه..
جاري تحميل الاقتراحات...