15 تغريدة 1 قراءة Dec 26, 2022
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
منذ فترة ليست بالطويلة منَّ الله سبحانه وتعالى عليّ بأن غادرني بعض الغمّ الثقيل الذي ظل معي مدة ليست بالقصيرة، وحجبني عن مباشرةِ الحياة في أدنى ما تُوصَف به بأنها حياة.
استعدتُ خلال هذه الفترة شيئًا من تركيزي ومن حساسيتي تجاه اللغة وشرعتُ في استرجاع بعض العادات الضرورية لكل مسلم، ومنها الالتزام بورد يوميّ من القرآن الكريم.
حتى إذا شرعتُ في محاولة قراءة ذلك الورد قراءة فاحصة خاشعة بها بعض التدبر، اصطدمتُ برعب حقيقي أصبحتُ أجده خلال عملية القراءة
لم تعد قراءة القرآن كما كانت في السابق استمتاع بالمعاني القرآنية -أو حتى مرورًا سريعًا عليها-، بل أصبحت أمرًا مرعبًا أكاد أقفز من مكاني خوفًا خلالها، أصبحت مؤلمة فعلًا أكاد أشعرُ باتقاد حرارتها في قلبي وجسدي، وبضع مرات لا أملك سوى التوقف من فرط الرعب الذي يهجمني خلالها.
حين تضع في ذهنك أول ما تضع أنك أمام رب العالمين، خالق الوجود والذي يخضع لمشيئته ملكوت السماوات والأرض، أنك أمام الحق عز وجل، قوله حق ولقاؤه حق والجنة حق والنار حق؛ لا أتصور بعدها أن يكون الخطب يسيرًا والأمر هينا، بل كل ما يأتي بعد ذلك يفيض بالجلال والكبرياء والعِزة.
لئلا أطيل، أصبحت كل الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر والجنة -وبشكل استثنائي النار- تثير فيني الخوف والمهابة، ليس في الأمر هزل أو لعب، بل الحياة ابتلاء حقيقي وجادّ يتحدد عبره مصير الإنسان الأبديّ فإما نجاح أو فلاح. ليس عالمًا تجريبيًّا ولا يمكنك فقط الضحك والتخلي عنه،
كما لا يمكنك المزاح (وهي الحيلة الأساسية التي اعتمدها الكفار لتخفيف وطأة هذا الواجب الإلهي عليهم، (إِنَّهُۥ كَانَ فَرِیقࣱ مِّنۡ عِبَادِی یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ ۝
فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِیًّا حَتَّىٰۤ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِی وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ)
لا زلتُ أذكر في طفولتي القديمة الشعور الغريب غير المتمايز الذي شعرتُ به حينما سمعتُ قصص "قتلى القرآن" وهم الصالحون الذين ماتوا من فرط المهابة والخوف التي استولت عليهم حين مرت بهم آية عذاب في القرآن الكريم. من هؤلاء لا زلتُ أذكر قصة عليّ بن العالم العابد الزاهد الفضيل بن عياض:
"كان الفضيل بن عياض رحمه الله إذا علم أنه ابن عليًّا خلفه يتوق في القرآن، وحزَّنَ وخوَّفَ، وإذا علمَ أنه خلفه مرَّ ولَم يقف. فأتى على ذكر هذه الآية: (قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَیۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمࣰا ضَاۤلِّینَ) قال: فخرّ عليّ مغشيا عليه..."
وآنذاك لم أملك أن أفهم هذا الموت وهذه الحساسية النفسية، لكن شيئًا فيها استوقفني وملكَ عليّ لبّي طوال ذلك اليوم ولعدة أيام بعدها. تذكرتُ هذه الأيام ومع هذا الخوف الذي أصبحتُ أستشعره كيف يمكن أن يحدث ذلك، من باب قياس الأَولَى لا قياس التمثيل.
واهتديتُ من ذلك أنّ هذا الشعور المزعج -الخوف والرهبة- لم يندلع في نفسي ويجد ذلك الرفض والتفاجؤ الكبير إزاءه إلا من فرط طول الأمل وكثرة الهزل وعدم حمل الحياة محمل الجد، حتى إذا اصطدمتُ بالحقائق الأكثر جوهرية للحياة (الموت وما بعده من والمصير والخلود، والجنة أو النار) كان هذا الأمر
غريبًا وصعبًا على النفس. وفي مثل هذه الحالات يكون الاستماع وكيّ الروح بهذه الانفعالات المؤلمة فضيلة وضرورةً لتزكية النفس من درن التعلق بالحياة الدنيا وزخرفها، وأنّ الهوس بالبحث عن "الراحة النفسية" و"الهدوء النفسي" لا يمكن أن يكون دأب شخص مسلم يمرّ بالقرآن الكريم وآياته كل فترة.
بالطبع كنتُ أودّ الانتقال للحديث عن أهمية وضع الخوف والرهبة وضعهما الصحيح من قلب المسلم وعقيدته، بالضبط كما وضع المحبة والودّ وضعهما أيضًا، ولكنني أشعر بالفعل أنني فكرتُ بصوتٍ عالٍ أكثر مما يجدر بي. فأختم -في ما يخص هذه النقطة الأخيرة- بما يُنسَب إلى التابعيّ الجليل مكحول الشامي:
(من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري [فرقة من الخوارج، تكفيريون بطبيعة الحال]، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد).
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
استدراك مهم من مولانا علاء الدين عثمان!

جاري تحميل الاقتراحات...