القوة الثقافية السائدة حين تهيمن تعطّل العقل والتأمل، وإن كان المهيمن عليه عالمًا ورعًا، صاحب مبدأ وضمير ووجه واحد كالشيخين الفاضلين: ابن عثيمين-رحمه الله- وصالح الفوزان-حفظه الله- فقد كان خطاباهما اللذان سأناقش بعضًا منهما رأيًا ثقافيًّا شعبيًّا، وإن توهما أنهما من الدين.
١-ذكر ابن عثيمين تجلية النبي-صلى الله عليه وسلم- لمعنى "نقص العقل" المؤطر بالشهادة فقط، ثم خرج من نصّ الحديث إلى نصّ الثقافة، فصار، خلال المقطع كله، ابن عثيمين العربيّ لا ابن عثيمين الشيخ، وهنا أصبح خطابه متّصلًا بخطاب الثقافة الجاهلي عن المرأة:
youtu.be
youtu.be
١-٢: أكّد -في سبيل إثبات نقص المرأة عن الرجل من كلّ الوجوه- أنّ عدم صلاتها (نقص دينها) المؤقت جعلها أقلّ من عمل الرجل، وذُهل عن أن امتثالها لأمر الله في عدم الصلاة هو طاعة وعمل؛ فالنقص الفعلي لو صلّت في هذه الحالة؛ حيث ستكون عاصية، ثم نسي أجرها على آلامها في الحيض، ومعاناتها منه.
١-٣: ثم حاجّ حجاجًا مغالطًا في عدم اعتراض أولئك النسوة على وصفهن بنقص العقل، وفهم أن ذلك إقرار منهن، فذهل عن أن أولئك النسوة فهمن من الحديث فهمًا يخالف فهمه الثقافي له، وأدركن سرّ جمع امرأتين للشهادة على حقّ ماليّ خاص، في مشهد تجاري قلّما عنيت به المرأة في تلك السياقات.
١-٤: كما فاته أن هذا النصّ كان في عيد أضحى أو فطر، ولم يكن النبي-صلى الله عليه وسلم-جافيًا؛ ليذكّر النسوة بنقصهن في يوم فرح، وغاب عنه أن الوصف كان في مقابل أذهب للب الرجل الحازم -وهو الرجل الأكثر ضبطًا لأموره من بقية الرجال- وأظن سياق النص واضح...
١-٥: ثم أوهم ابن عثيمين مخاطبَه بموافقة النساء على إقرارهن بـ"نقص العقل العام" كما يظنه، بينما كان سؤالهن "وما ذلك؟" دليلًا على عدم استقرار مثل هذا الوصف في ذهن السائلة التي بادرت بالاستفسار، وكانت الإجابة مؤطرة في الشهادة، لا كما عمّم الشيخ في حديثه.
١-٦: وأمرٌ آخر، فقد أدركت السائلة أن نظرة الإسلام إلى عقلها-بما فرضه عليها وما ألزمها به- مختلفة عن نظرة الثقافة، ولو كانت تراها كنظرة الثقافة إليها لما بادرت بالسؤال؛ لأنها تسمع في جاهليتها- صباح مساء- الطعن في عقلها، والتشكيك برأيها؛ ولهذا كان سؤالها عن الجزئية المقصودة.
١-٧: ثم لجأ ابن عثيمين-غفر الله له- إلى إرهاب مخاطبه وإلجامه، عبر حجاج "السلطة" بصفته شيخًا، يملك الحقيقة والتصنيف، فذكر أنّ من لا يُسلّمون بنقص عقل المرأة العامّ من أتباع أئمة الكفر، وهذه الألفاظ المشحونة دلاليًّا ليست كفيلة بتصميت السّامع وحسب، بل بمنعه من التفكير بغير هذا.
١-٨: ردّد مقولات الثقافتين العربية-الفارسية التي تطبّع انهيار المرأة أمام رغباتها، وانجرافها وراء عاطفتها، فذكر-ضمن تأكيده على عدم أهليتها للقيادة- أنه لو غمزها رجلٌ جميل، لقالت: هذا رجلٌ موفّق وحكيم، وما قاله، فهو الحقّ، وأن أعقلهن من أخفت انجرافها لحظتها، ثم وافقته في مجلس آخر.
١-٩: وبهذا، فقدْ فَقَدَ ابن عثيمين خارطة طريق الحديث حين تلبسته تصورات الثقافة، فضادّ ما ورد فيه، فالذي يذهب لبّه- في النص- هو الرجل، وليس أي رجل، وإنما الحازم والأكثر ضبطا لنفسه. فمن العاطفي إذن؟
وطبعيّ ألّا ينتبه متلقو خطابه إلى تناقضه؛ لأنه شلّ تفكيرهم بـ"أتباع أئمة الكفر".
وطبعيّ ألّا ينتبه متلقو خطابه إلى تناقضه؛ لأنه شلّ تفكيرهم بـ"أتباع أئمة الكفر".
١-١٠: ثم إنّ القوامة، في تصورات الشيخ ابن عثيمين، ليست إدارة للأسرة، وإنما تنطلق من فكرة التابع والمتبوع.
وصورة الزوجة الأمَة قارة في الخطاب الفقهي، فالزوج سيّد والمرأة مسودة؛ ولهذا يرفض فكرة أن تُسمَّى سيدة، فمتى كانت الأمَة سيدة؟
وهو يعدّ تسميتها سيدة أشد من وصفها بكمال العقل.
وصورة الزوجة الأمَة قارة في الخطاب الفقهي، فالزوج سيّد والمرأة مسودة؛ ولهذا يرفض فكرة أن تُسمَّى سيدة، فمتى كانت الأمَة سيدة؟
وهو يعدّ تسميتها سيدة أشد من وصفها بكمال العقل.
١-١١: ختم ابن عثيمين حديثه الثقافي، بعد أن عاد إلى حجاج السلطة، وأكّد بلغة قاطعة ثقته بصواب ما يقول، وعدَّ رأيه هو الحق الذي يجب أن يتّبع، فالمرأة ناقصة العقل نقصًا عامَّا، كما يفهم من أمثلته ومجادلته، وأن هذا اعتقاد مبني على كتاب الله ورسوله، وليس رأيًا شخصيُّا.
١-١٢: ضغط القوة الثقافية المنوِّمَة جعل الشيخ يرى كل ما قاله من استلابٍ للعقل الذي كرّم الله الإنسان به، وكل ما يحدث للمرأة، رحمةً لها، ورفقًا بها.
وهنا ملحوظتان مهمتان:
-الإنسان في الفكر العربي كثيرًا ما يُخَصّ به الرجل.
-أدلجة مفاهيم الرحمة واللين والرفق حين تتعلق بالمرأة.
وهنا ملحوظتان مهمتان:
-الإنسان في الفكر العربي كثيرًا ما يُخَصّ به الرجل.
-أدلجة مفاهيم الرحمة واللين والرفق حين تتعلق بالمرأة.
١٣-لثقته بأن رأيه الدين، وملكه الحقيقة، وأن رأيه الحق أشهد الله وملائكته، ومن سمع بأنه يقول، ويلزم كل مؤمن أن يقول: إن المرأة ناقصة عقل، وطبعًا حسب فهمه الثقافي لهذا النقص العام.
ولم يصل خطاب العالم الورع إلى هذا المستوى من النهائية لولا أن هناك أتباعًا مهمتهم التأمين والتسليم.
ولم يصل خطاب العالم الورع إلى هذا المستوى من النهائية لولا أن هناك أتباعًا مهمتهم التأمين والتسليم.
١-١٤: لم يصل الخطاب الفقهي عندنا إلى هذا الحسم، وإلى غياب تذكّر بشرية منتجه، وكونه عرضة للخطأ والسهو والوهم، إلا بعد أنْ مُهّد له بتقديس العلماء تقديسًا تجاوز شخوصهم إلى كلامهم وتأويلهم أيضًا، فصار رأيهم نصًّا مقدَّسًا ونهائيًّا، ودينًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه.
٢-١: أما المرأة في خطاب الشيخ صالح الفوزان، فقد بلغت صورتها السلبية مبلغًا لا يقلّ عنفه عن عنف خطاب أشد الأعراب تطرّفًا ضدّها.
والخطاب الموجه في المقطع المقتطف المرفق، وفي جلّ وصية الفوزان، إلى الرجل؛ لأن المرأة كائن لا عقل له، ولا تصلح حاله إلا بوصاية.
youtu.be
والخطاب الموجه في المقطع المقتطف المرفق، وفي جلّ وصية الفوزان، إلى الرجل؛ لأن المرأة كائن لا عقل له، ولا تصلح حاله إلا بوصاية.
youtu.be
٢-٢: المرأة في خطاب الفوزان كائن منفلت، يشبه الحيوان، وغرائزه لا ضابط ذاتيّ لها، فضبطها من الخارج دائمًا.
ومن هنا جاءت وصية الفوزان بـ"لا تتساهلوا في أمور النساء"، منطلقًا من قاعدة أن أي ذكر سيكون أعقل من الأنثى، فالابن هو من "يضبط" "أمّه"، وإن كان الفارق بينهما أربعين عامًا.
ومن هنا جاءت وصية الفوزان بـ"لا تتساهلوا في أمور النساء"، منطلقًا من قاعدة أن أي ذكر سيكون أعقل من الأنثى، فالابن هو من "يضبط" "أمّه"، وإن كان الفارق بينهما أربعين عامًا.
٢-٣: يرتكز فكر الفوزان الذي يتبنى "أن المرأة إذا تركت وهواها ضاعت"، و"إذا تركت لنفسها تحيد عن الطريق وتغريها المغريات" من قاعدة "سفاهتها" وكونها كـ"المعتوه الذي لو تُرِك لأهلك نفسه".
وإذا كانت عند غيره "ناقصة العقل"، فقد ترقّت سلبيتها في خطابه إلى أن أصبحت بـ"لا عقل" ولا دين.
وإذا كانت عند غيره "ناقصة العقل"، فقد ترقّت سلبيتها في خطابه إلى أن أصبحت بـ"لا عقل" ولا دين.
٢-٤: وهذه نقطة مهمة في حركة الخطاب، وفي قوة الهيمنة الثقافية في التغييب والتنويم، فإذا كان هناك عذر لوهم التأويل في حديث "ناقصات عقل"، فإن قطع الفوزان بأنه "لا عقل لها"، و"لا دين لها"، ليس له أي مستند شرعيّ يمكن أن يُعتذر له بخطأ الفهم والتأويل. وهذا تجنٍّ من الشيخ بحق النساء.
٢-٥: بل إننا لو بحثنا لحكم الفوزان أن "المرأة لا عقل لها" عن مستندٍ لفظي اجتماعي شعبي، كالمَثَل الجائر "عقل أربعين امرأة بعقل دجاجة"، فقد يلطف الأخير إذا ما قورن بالأول، أو يتعادلان في السوءة.
وزن الفوزان العلمي الديني جعل الجماعة تحابي قوله، وتغضي عنه، وربما تتقبله لرمزية قائله.
وزن الفوزان العلمي الديني جعل الجماعة تحابي قوله، وتغضي عنه، وربما تتقبله لرمزية قائله.
٢-٦: وعندما أستدعي مثال "الدجاجة"، فليس ذلك عبطًا، فالفوزان في الوصية نفسها حين تطرق إلى سماح الرجال للنساء في حضور احتفالات المناسبات كالزواج، قال: "لو كان عنده غنم وبهائم، هل يتركها تسرح بالليل، ولا يدري أين تذهب؟".
فاستحضار الأغنام/ النساء يستدعيه "فقْد العقل" عند كلا الصنفين.
فاستحضار الأغنام/ النساء يستدعيه "فقْد العقل" عند كلا الصنفين.
٢-٧: ليس ما مرّ هو الأخطر في خطاب الفوزان-غفر الله له- بل إن الأخطر هو ربط هذا التصور بتقوى الله، فمن لا يتشرّب الفكرة، وينظر إلى المرأة هذه النظرة، ويبني سلوكه منها وفق هذه الرؤية، سيكون مُخلًّا بتقوى الله، وسيكون مُضيعًا لأمانته.
٢-٨: وفي ظل هيمنة النسق، ذهل الشيخ الذي ألحّ أكثر من مرة على أن ضبط المرأة نفسَها لا يكون إلا بفعل الرجل عن آية "غضّ البصر"، و"حفظ الفروج"؛ حيث طُلب من النبي-صلى الله عليه وسلم- أن يبلغ الفريقين بأن يضبط كل منهما نفسه.
والشيخ الفوزان من أكثر الفقهاء تأثرا بآراء الغزالي عن المرأة.
والشيخ الفوزان من أكثر الفقهاء تأثرا بآراء الغزالي عن المرأة.
٢-٩: ثم إن أثر هذا الخطاب- من الغزالي إلى الفوزان وغيرهما- يتجاوز الحكم الديني إلى زعزعة الحياة الاجتماعية، حيث تنغرس شكوك الرجل بالمرأة، وتكون في محلّ اتهام دائم، فكيف يوثق بمن تلين لأول "غامز"، ومَنْ "لا تنضبط" إلا برقيب، ومن "إذا تُركت لنفسها تحيد عن الطريق"؟!
٢-١٠: وأي مودة ورحمة وطمأنينة وسُكنى تعمر بيوتًا مبنية على أن غياب الزوجة عن عين الزوج لحظة يعني وقوعها في الخطيئة ثم كيف يثق أكثر الرجال طمأنينة بأنثى أسّس كبار شيوخه أن الانحراف طبيعة فيها، وأن غريزتها منفلتة، وأنه لا عقل يحكمها؟!
جناية هذه الخطابات أبعد من كونها أحكامًا دينية!
جناية هذه الخطابات أبعد من كونها أحكامًا دينية!
٢-١١: وهؤلاء الفقهاء الورعون لم يعمدوا إلى أذى المرأة، ولم يقصدوا واعين الحط من شأنها، ولا اتّهامها في أعز ما كرّم الله به الإنسان، وهو العقل، كما أنهم لم يقصدوا حين اتهموها بعقلها اتّهامها بإنسانيتها، لكنهم ضحايا خطاب ثقافي سابق، كما أن اللاحقين سيكونون ضحايا لخطاباتهم المماثلة.
جاري تحميل الاقتراحات...