نهار
نهار

@N_har5

27 تغريدة 36 قراءة Mar 18, 2022
1
من أهم فلاسفة القرن العشرين الفيلسوف اللغوي النمساوي-البريطاني لوديفيج فيتغنشتاين، هذا الفيلسوف وضع نظريتين في المنطق واللغة، ونقد ذاته بذاته، وهدم نظريته الأولى من خلال نحت نظرية ثانية، وفي كلا النظريتين، وضع كتاب خاص يوضح مضمون نظرياته التي أتى بها بالمنطق واللغة
2
النظرية الأولى دونها في كتابه (رسالة منطقية فلسفية) او ما يعرف بـ التراكتاتوس، وفي هذه النظرية إنطلق من فكرة رئيسية مفادها : أن طبيعة العالم والفكر يشتركان في بُنية واحدة ترتكز على قوانين المنطق، واللغة ما هي إلا رموز ترتّب هذه الإشتراكية بينهما من خلال تصوير العالم فكرياً
3
اذن التراكتاتوس هو محاولة جعل اللغة وسيلة ربط بين أذهاننا (تفكيرنا) والصور (العالم) فكل ما يصدر من أفواهنا على شكل كلمات هي محاولة وصف وتوصيف الأحداث بالعالم لغوياً، ولكن هل تستطيع اللغة توصيف الأشياء الخارجية الموجودة بالعالم تصوير حقيقي؟ زعم ان اللغة تعاني من (قصور توصيفي)
4
هذا القصور بحقيقته في اللغة هو الأساس في القصور الفلسفي، فكل مشاكل الفلسفة ناجمة عن الضعف الذي يمنعنا من فهم اللغة، ولكن بحقيقة الأمر المسألة أكبر من ذلك، حيث نفى فيتغنشتاين ان هناك معضلة فلسفية، بل هناك ثلاث معضلات (رياضية/أخلاقية/لغوية) ينبوعها محاولة قولنا ما لا يقال
5
هنا طرح سؤال (ما اللغة؟) فأجاب عليه : أنها ليست أداة لوصف العالم فقط، بل هي كذلك وسيلة نفكر من خلالها بأذهاننا، وهذا ما جعله يؤسس فكرتين جوهريتين في الكتاب (حدود اللغة تنبع من قصور الإنسان في ملاحظة العالم/ أن حدود اللغة هي حدود العالم، بمعنى العالم محدود باللغة كلياً)
6
هُنا نطرح سؤال (هل هناك حدود للغة) هذا السؤال طرحه بعد أن قرأ في أحد الصحف الفرنسية خبر لحادث وفاة شخص في باريس بحادث سير، وتم إستخدام رموز مادية (ألعاب وسيارات) في توصيف الحادثة لمعرفة ملابسات الحدث ومحاولة فهم تفاصيل الحدث، إستعار هذا الموقف فيتغنشتاين وأسقطه على فلسفته
7
وجواب على سؤال (هل هُناك حدود للغة) مع الحادثة التي وقعت في باريس، أتى بنظرية (صورة اللغة) ومفادها : ان اللغة بحقيقتها صورية، بمعنى أننا نستخدم الكلمات لوصف ما نراه، أي ان اللغة تصف الجانب الصوري (المادي) الذي نلاحظه تجريبياً بالعالم، أما ما لا نلاحظه لا نستطيع وصفه
8
هنا بواسطة اللغة وهذه النظرية قسّم فيتغنشتاين الفكر الى عالمين:(عالم الحس التجريبي) هذا نستطيع فهمه وتوصيفه ومن الضروري التعامل معه وهو محور التفلسف مثل الماديات حولنا، و(عالم مفارق ميتافيزيقي) لا يمكن فهمه وتوصيفه ويجب تجاوزه وأهماله مثل ما بعد الموت/ المفارق/ الجنة والنار
9
هذه النظرية (صورة اللغة) تعتمد فلسفياً على نظرية أخرى إستعارها فيتغنشتاين من الفيلسوف بيتراند راسل وهي (النظرية الذرية المنطقية) الذرية المنطقية تعني ان هناك اعتقاد بكون العالم يعمل بطريقة منطقية بحيث لا نستطيع معرفة جزء من العالم إلا من خلال معرفة الكل بالمقام الأول
10
ونظرية (صورة اللغة) نستطيع فهم كيف يتواصل البشر بينهم لغوياً، كون بُنية اللغة تنطلق من إفتراضات ذرية وهذه الإفتراضات الذرية مثل الأسامي وغيرها من كلمات (اياً كانت الكلمات) هي بحقيقتها (صور للواقع) فنحن ننقل باللغة ما في أذهاننا لغيرنا من خلال اللغة عبر الكلمات بيننا كبشر
11
كذلك علاقتنا مع العالم هي علاقة اقتران الفكر-العالم من خلال اللغة (بمعنى العالم جزيرة والفكر جزيرة أخرى والجسر الذي يربط بينهما هو جسر اللغة) وكل هذا الاقتران خاضع لقوانين المنطق (من خلال الذرية المنطقية، التي ترتكز على فكرة لا يمكن فهم الجزء إلا بفهم الكل، والكل هنا المنطق)
12
ولأجل تحقيق فهم منطقي للعالم من خلال اللغة، نحن نحتاج الى الرموز كي نستطيع وصف الواقع، كون البُنية المنطقية واللغة متشابهتان وتستمدان هذا التشابه من الواقع المنطقي، فبدون وجود بُنى منطقية بعقولنا، فإن إستخدام الرموز اللغوية يُصبح بلا معنى ولا جدوى، لذلك كل مشاكلنا لغوية
13
هذه كانت نظرية الاولى، نظريته الثانية قامت على نقض نظريته الأولى كلياً، النظرية الأولى كانت معتمدة على الذرية المنطقية وحادثة باريس وهي أساس التراكتاتوس، ونقدها بإعتبارها نظرية تعاملت مع اللغة والفكر وعلاقتهما وهذا تبسيط مخّل، كذلك انها نظرية كلية ترفض الإختلافات اللغوية
14
جائت نظريته اللغوية الثانية في كتابة (التحقيقات الفلسفية) وارتكزت على فكرة (التصويرية) ولكن كيف إنبثقت هذه النظرية وتأتّت؟ ركب فيتغنشتاين القطار ذات مرة وجلس إقتصادي أمامه ودار بينهم نقاش حول اللغة وطرح فيتغنشتاين نظرية الاولى (معنى اللغة) على الإقتصادي فسخر منها بشكل مفرط
15
وحاجج الإقتصادي الفيلسوف فيتغنشتاين بفكرة (هل تستطيع نظريتك أن تصِف إيماءة أسفل رقبتي؟) ما هو الشكل المنطقي لتحريكي أسفل ذقني؟ هنا سكت فيتغنشتاين، كم نشرت مجلة ألمانية رسمة على شكل صورة في عام 1892 تظهر الصورة بأنها تحتمل صورتين (أرنب/بطة) في الصورة ذاتها
16
في موقفه مع الاقتصادي أدرك فيتغنشتاين أن البُنية المنطقية في نظريته الأولى (معنى اللغة) قاصرة ولا تستطيع تفسير كل شيء، وكذلك أن الذرية المنطقية بشكلها الراسلي لا تستطيع في الجانب اللغوي ان تُطبق على كل شيء، فهُناك أشياء وأحداث جزئية لا نستطيع فهمها من خلال (الكل) المنطقي
17
كذلك الرسمة (الصورة) المنشورة توضح لنا أن الصورة لو وضعت بجانب مجموعة صور للبط لذهبنا لكونها صورة بطة، ولو وضعت الصورة بجانب صور أرانب، لأعتبر وذهب ذهننا على انها صورة أرنب، من خلال نظريته الثانية (التصويرية) طرح فيتغنشتاين سؤال محوري (كيف يمكن للوهم أن يُفهِمنا الوجود؟)
18
لو أسقطنا الجواب على رسمة (صورة) البطة-الأرنب، فنحن بطبعنا لا نستطيع أن نرى الا جانب واحد من الرسمة (الصورة) إما بطة أو أرنب، ولا نستطيع رؤيتهما معاً بذات الوقت، وكذلك نحن مجرد واصفين للصورة (أرنب/بطة) ومهما بلغ توصيفنا اللغوي لا يصل لحقيقة الصورة، وهُنا نعمم فكرة الإسقاط
19
هناك مفاهيم كثيرة نسمعها وهناك قيم عديدة نتعامل معها (العدل/ الخير/ القانون/ الحرية/ الحب) وغيرها، لا يمكننا فهمها فهماً مجرداً، بل جّل ما نفهمه عنها هو خاضع لسياقها الذي ترد فيه، ولا يوجد تعريف مانع جامع حدّي لهذه المفاهيم والقيم مهما حاولنا نحته، وهذا راجع لتجربتنا الذاتية
20
تجربتنا الذاتية لأجل توضيحها وضع فيتغنشتاين تجربة فكرية أسماها (الخُنفساء بالصندوق) وافترض هناك مجموعة أشخاص متجاورين وكل شخص يحمل بيده صندوق بداخله خُنفساء، ولا يستطيع الشخص النظر إلا لصندوقه ولا ينظر لصندوق الشخص الذي يجاوره، ما الذي يحدث حينها لو طلبنا منهم وصف الخنفساء؟
21
هل يستطيع ان يعرف أحدهم ما بصندوق من يجاوره؟ هل الخنفساء الموجودة بصندوق أحدهم تشابه خنفسائه في صندوقه؟ كلاهما لا يستطيع توصيف ما بداخل صندوقه بواسطة كلمات (اللغة) ولكن ماذا لو لم يكن هناك كلمة (خنفساء) معلومة لدى هؤلاء الأشخاص؟ اذن نحن هنا أمام إحتمالين لا مفر منهما
22
الاحتمال الاول/ ان الجميع لا يعرف معنى كلمة خنفساء ومهنا حاول احدهم وصف ما بداخل صندوقه للآخرين لن يستطيع ويُفلح، الاحتمال الثاني/ ان الجميع لديهم مُشترك لغوي لكلمة خُنفساء وما ان يصف احدهم ما في صندوقه، يفهم الآخرين ان ما بداخل الصندوق هي خنفساء من خلال المُشترك اللغوي
23
هُنا تُصبح اللغة اساس نشوءها هو الدلالة، الدلالة لمعنى الأشياء وتوصيفها، هُنا اسقط فيتغنشتاين هذه التجربة على المفاهيم والقيم الكثيرة والأحاسيس الداخلية مثل (الحزن/ الفرح/ الغضب/ الظلم/ الانصاف) وغيرها، وذهب إلى أن هناك اشياء (بالذات الأحاسيس الداخلية) هي تجربة فردية محضة
24
فأنا حزين لا استطيع أن انقل حزني لغيري كي يفهمه مثلما اعيشه فردياً، فأنا وحدي من اعيش وادرك إحساسي وانت وحدك من تعيش وتدرك إحساسك، في تجربة الخنفساء في الصندوق نُدرك أن اذهاننا صناديق، والخُنفساء إحساسنا، لذلك مهما حاولت نقل احساسي لك لا تستطيع فهمه مثلما اعيشه بداخلي
25
وهنا يُصبح دور اللغة هو وسيط بينك وبين الآخر ليعرف جزء منك (مجرد انك حزين او مجرد انك سعيد) ولكن لا تستطيع اللغة ان تصف الحزن بشكل مجرد، ولا تستطيع اللغة ان تجعل الآخر يحّس بك مثلما تعيش من إحساس، لذلك بهذه النظرية (التصويرية) ابّطل فيتغنشتاين نظريته الاولى (معنى اللغة)
26
وبالاخير انتقل فيتغنشتاين من فكرة (الذرية المنطقية) الى فكرة ممكن نعتبرها (النسبية المعرفية) ولكن ابقى في النظريتين فكرة واحدة (أن كل المشاكل الرياضية والأخلاقية والفلسفية تنبع من اللغة) وأن اللغة قاصرة عن إدراك شيء إلا لمم الظواهر وهي وسيلة توصيف للمعاني المشتركة
27
وختاما لم يأتي بشيء ثوري فيتغنشتاين بالحقل الفلسفي بجانبه اللغوي، بل عاد لحضن الاشكال القديم الذي طُرح لدى بعض الفلاسفة مثل افلاطون وهيغل ونيتشه الخ، والذي يرتكز على قصور اللغة، وان اللغة وسيلة تواصلية تصف الظاهر، والاهم ان اللغة حدود الفكر لا نستطيع التفكير الا بها
أنتهى

جاري تحميل الاقتراحات...