#نص_هارب من إحدى رواياتي
لا أنكر أني لشدة تعلّقي بك قد دعوت الله يوما أن يبعدك عني، ويبعدني عنك...ولكن ليس بهذه الطريقة الموجعة. ليس بالتجاهل والصدّ، وكأن شيئا لم يكن، ما هي أعذار غيابك؟ بالله عليك! استحلفك بالله الذي جعلني أحبك حدّ الجنون، وبالله الذي أبعدك عني أن تعطيني
لا أنكر أني لشدة تعلّقي بك قد دعوت الله يوما أن يبعدك عني، ويبعدني عنك...ولكن ليس بهذه الطريقة الموجعة. ليس بالتجاهل والصدّ، وكأن شيئا لم يكن، ما هي أعذار غيابك؟ بالله عليك! استحلفك بالله الذي جعلني أحبك حدّ الجنون، وبالله الذي أبعدك عني أن تعطيني
ولو عذرا واحدا لغيابك، أن تبرر لي فعلتك، وإن لم تكن منطقية، كأن تقول بأنك فقدت ذاكرتك لأيام، بأنك كنت في غيبوبة شعورية، بأنك في إجازة من الحياة، وبأنني جزء من الحياة، لذلك قد شملتني إجازتك. بأنك لم تطق عمق العلاقة بيننا، بأنك سئمت دلالي، وكثرة عتابي، وربما سئمت مني، بأنك تريد
السعادة لي مع رجل آخر يستحقني، بأنك لم تكن كفئا لأن تحتويني، بأنك على الرغم من حبك لي لم ترغب في الخروج عن قطيع عائلتك... بأنك تركتني مجبرا، لا باختيارك، وأقسم لك بأني سأصدّقك، سأصدّق كل كلمة تقولها بغباء العاشقة، وبراءة الطفلة، وعفوية اللقاءات العابرة والمتكررة، وسأمدّ يدي من
جديد لأضعها في يدك على الرغم من معرفتي التامةّ بأنك ستعاود إفلاتك لها، ولكن يكفيني منها لمسة حانية تبدد كل شعور بالخواء، وكل رغبة في لوم النفس، وكل كلمة قاسية من الممكن أن أذيقها مسمعي، لقد دعوت الله كثيرا بأن يجمعنا على خير فلِمَ استجاب دعاء الفراق فقط؟
هو خير الله لي، اختياره،
هو خير الله لي، اختياره،
ولكن ... من حقي أن أحظى باعتذار عن كل الأوقات التي قضيتها في انتظارك، امتنان عن الأوقات التي قضيتها معك، وداع يليق بي، أو بعض كلمات الفراق، لا أن تختفي وكأنك (فصّ ملح وذاب). قطعة سكر لم يعجبها فنجان القهوة فقررت أن تذوب في يد صاحبه. هكذا بكل بساطة تركت عالمي، حملت حقائبك ورحلت،
وتركتني على سكة القطار وحيدة. لا أقبل الركوب في قطار لا يحملني لوجهتك، ولا القطار الذي امتطيته سيعود ليحملني معك.
عقلي يوجعني لكثرة التفكير في أسباب رحيلك، لقد كتبت إحدى وخمسين سببا، ولم أقتنع بواحد منها، ربما يكون السبب الأكثر غرابة، أننا بعد كل ما حدث بيننا من انسجام وتوافق
عقلي يوجعني لكثرة التفكير في أسباب رحيلك، لقد كتبت إحدى وخمسين سببا، ولم أقتنع بواحد منها، ربما يكون السبب الأكثر غرابة، أننا بعد كل ما حدث بيننا من انسجام وتوافق
بأننا لا نناسب بعض، ولا نليق ببعض، ولكن للأسف كان اكتشافك للأمر متأخرا جدا، لقد كلّفني الأمر كثيرا... كثيرا جدا، الكثير من الوقت، والدموع، والتفكير، ومحاولات التعبير البائسة، والكتابة لك، ثم الكتابة عنك.
لطالما كنتُ أكتب عن الأشياء التي لا أريدها، وكأنّي بكتابتي عنها سأتخلّص
لطالما كنتُ أكتب عن الأشياء التي لا أريدها، وكأنّي بكتابتي عنها سأتخلّص
منها، وأخلّص عقلي بل وجميع حواسي من تكدّسها، ولكن العكس ما يحدث دائما. اليوم أكتب عنك في محاولات أخرى بائسة للتخلص من جميع صورك، كلماتك، ضحكاتك، تبريراتك في الابتعاد والانشغال، وجميع الذكريات التي جمعتني بك.
ربما أعدت لي ملكة الكتابة بعدما تركت الجميع بمن فيهم عشقي الجنوني
ربما أعدت لي ملكة الكتابة بعدما تركت الجميع بمن فيهم عشقي الجنوني
بالحروف والكلمات، ها أنا أعود إليها من جديد بسببك بعدما تركتها بسببك أيضا، وإنه لمن الغريب أن تكون نفس السبب في اعتزالي الكتابة، ونفس السبب في العودة إلى كنفها من جديد. نعم الكتابة تحتوي غضبي، حزني، تساعدني على لملمة ما بقي منّي، ألا يكفي شعوري بعدها بالهدوء، والانسيابية مع أحداث
الحياة بعدما شننتُ على الجميع حربا بسببك؟ ألا يكفي شعوري العائم بالتصالح مع نفسي، وعودة ثقتي المهزوزة بيد حضورك المفاجئ وغيابك المباغت؟ ألا يكفي أن أجد شيئا يعوّضني الأذن التي وثقتُ فيها حدّ العمى، ورميت أسراري وأطلقت لساني، وفككتُ قيود خجلي واستحيائي أمامها؟ ها أنا أسترد ملكة
الكتابة التي ستحفظ لي توازني الفكري، والنفسي، الكتابة التي ستعيدني إلى رشدي، وكأني عندما أحببتك ارتكبتُ جرما فحلّت عليّ لعنة انتزاع الموهبة من بين أناملي... ها قد استعدتها، بقدرة الله وكمٍّ هائل من محاولات استثارة المشاعر، وتسخير الدموع، وصفّ الأفكار... فهل سأستطيع استعادتك؟ وهل
يمكن أن نعود أنقياء، أصفياء أوفياء بعد هذه الكلمات الثائرة في حقك؟ وحق نفسي، بعد كل تيه شعرت به، كيف أعيدك إلى قائمة المقربيّن وأنت قد اتخذت سلوك/ طريق الغرباء، من يردّ الغريب إلى وطنه إذا تشوّهت ملامحه واحترقت أرضه؟ كيف يمكن له أن يطالب بملكية أرضه بعدما اختفت جميع خطوط الطول
والعرض منها؟ بعدما اندثرت في غيابه، بعدما صارت رمادا، بالله عليك أكمل سفرك، فليس هناك من ينتظرك، من سيستقبل مهاجرا غادر بلا وداع؟ ودون أن يحمل جواز سفره. ظن الجميع أنه في عداد الموتى يصارع مصيره نحو المجهول، ولا طاقة لهم بالسقوط نحو المجهول وراءه.
جاري تحميل الاقتراحات...