22 تغريدة Dec 26, 2022
محاولة لتسمية اللامسمى:
"كلٌّ مِنّا ما زال يَمتَلِك تلك الحريةَ الَّتِي كانت لآدَمَ في إسنَادِ أي اسم لِأَيّةِ فِكرَة"
-جون لوك
الإشراق:
تلك الهيئة النفسية التي تعود عندها الأشياء إلى بكارة أنوارها، يعود للألوان رونقها وتعود للأصوات عذوبتها وتعود للمعاني دهشتها الأولى التي
يعتري القلبَ منها مَسٌّ كأنه الماء البارد حين يتدفق على الجسد المحموم.
يمكنني أن أسميها هنا اليقظة، ويمكنني أيضًا أن أعود لتعريفي إياها أعلاه لأنقض ذلك الغزل بعد تعريفه أنكاثًا، فهي ليست عودة حقيقية للرونق والعذوبة والدهشة إلى الأشياء،
ولكنها عودة ذلك الضوء البلّوري الذي يجعل للأشياء قدرة أن تعكس هذه الأعرَاض على مرآة القلب لتحسّ بها، كما أن الإشراق لا يعني عودة الموجودات إلى الوجود البَصَرِيّ ولكن عودة الشمس التي تجعلُهَا قَابِلَة للرؤيَة.
يظل هذا التعريف إشكَالِيًّا حين نفكر جيدًا، فنحن نقول أنّ الإشراق هيئة نفسية ثم نقوم بتعريفه بعودة أعرَاضٍ خارجية، فلسنا جوانيين نتحدث عن تغير داخليّ يجعل المرء قادرًا على الرؤية، ولسنا أيضًا نتحدث عن تغير خارجِيّ يجعل هذه الأعراض ترجع بنفسها إلى الأشياء.
وهذا الإشكال جوهريّ في مذهبنا عن الإشراق ومقصود لذاته، فإن عملية الخروج من الإظلام إلى الإشراق عندنا ليس معالجة جوانية للمعاني، كما أنه ليس عملية ترقُّبٍ سَلبِيّ لتغير الخارج، بل هو التناقض بين الاثنين الذي يحدث عند الانخراط ذي المعنى في هذا العالم والذي لا هو جواني ولا خارجي،
وهو عملية الانوجاد بداخله، فإن في الحقيقة ليس هناك من داخل ولا خارج يفصل بينهما خط طبيعي حدِّيّ يمكننا تحديده، بل هنالك حاجز اصطناعيّ غير ثابت ولا مستقر، تكون مدار حياة الفرد على عملية تحرّكه وتحريكه -وأحيانًا إزالته أو تدعيمه-،
وتلك التصرفات به تفسح للمعاني عند انبساطه أن تتسرب إلى النفس، ويعزلها عند انقباضه، وعند إزالته يتدفق كل شيء إلى الفرد حتى يحس بذروة كل من أقطاب المعاني بحساسية عالية اليأس/الأمل، الفرح/الحزن، الإقبال/الخوف والحماس/القلق.
حسب هذا المجاز الذي ذكرتُه "الحاجز الاصطناعيّ" يمكنني أن أبيّن كيف يحدث الإشراق. إن المعضلة الرئيسية للإنسان ليست هي خلوّ الحياة من المعاني، ولكن امتلاءها الشديد بها حدّ أن تكون محاولة الانفتاح عليها دون خبرة أشبَه بمحاولة النظر إلى عين الشمس، هذه التجربة التي أدمنّا فعلها أطفالا
وكذلك كأطفال فنحن أدمنّا خلق القصص والمعاني لنضيفها إلى حياتنا، كم فكرنا في أنفسنا كأبطال خارقين ذوي مقدرات استثنائية، كم فكرنا في أنفسنا كمهزومين مظلومين نحتاج الإنقاذ، بل كم فكرنا في سيناريو مأساويّ لموتنا أو موت من نحب موتًا ذا معنى وتأثير،
وكل ذلك مرتبط بأن هذه الإمكانية للانفتاح الكامل على المعاني كان موجودًا عندنا، وذلك بسبب أن جهازنا العاطفي لم يكن بذلك الاكتمال، ولم يكن هجوم الأعراض النفسية علينا بذلك التأثير التدميري الذي حدث بعد أن كبرنا.
ثم مع الزمن ومع نمو جهازنا العاطفي أصبحنا أرَقّ أمام هذه المعاني والأعراض المرتبطة بها وأصبح بإمكانها أن تغمرنا على نحو مؤلم، فاحتجنا صناعة ذلك الحاجز الاصطناعي الذي نظمنا به عملية دخولها إلى أنفسنا بغرض تحمُّل كثافتها في الوجود،
غالبًا هروبًا من أعراض القلق والخوف واليأس والحزن والكآبة، وكلّما أردنَا الهروب أبعدَ من تلك الأعراض زدنا كثافة هذه الحاجز وجعلناه أقرب وأضيق إلى نفوسنا.
"إن الشر ليس عميقًا في النفس الإنسانية إلى الحد الذي نتصوره أحيانًا. إنه في تلك القشرة الصلبة، التي يواجهون بها كفاح الحياة للبقاء، فإذا آمنوا تكشفت تلك القشرة الصلبة عن ثمرة حلوة شهية، هذه الثمرة الحلوة،"
-سيد قطب
وهنا تأتي المفاجأة، وهو أنّ هذا الحاجز ليس انتقائيًّا في عمله، فبقدر ما أنه يحجب الأعراض السلبية عن المرء فهو يحجب الأعراض الإيجابية، وبقدر ما أنه يزيل القلق والخوف عن مظاهر الأشياء فهو يزيل معها الدهشة والرونق" مِثلًا بمِثل، يَدًا بيد".
فلا فرحَ لمن لا حُزنَ له، ولا دهشَةَ لمن لا قلق له، ولا راحةً لمن لا شقاء له.
وهذه الخدعة يقع فيها أذكياء الناس كثيرًا في محاولاتهم لإزالة القلق بالكليّة من حياتهم، فيزيلون معه كل ما هو جميل من الوجود، حتى لا يذوقون الحياة إلا عديمة الطعم واللون والرائحة.
والإشراق في مذهبنا ليس هو مجرد عودة الأعراض المفرحة من دهشة ورونق وجمال إلى الأشياء، ولكنه يتضمن بنفس القدر عودة الأعراض المؤلمة النقيضة إليها، فإن الإشراق بما يسبقه من عملية إزالة كاملة للحاجز ومواجهة مباشرة مع التدفق الكثيف للمعاني حدّ الامتلاء بها،
ثم إعادة موضعته على مسافة قريبة من العالم وجعله رقيقًا خفيفًا، من جهة لكي لا يحجب النفس عن المعاني، وأيضًا حتى لا يدعها تحترق أمام شدة ضوئها وحرارتها = فالإشراق هو بالضرورة عودة للنقائض المختلفة إلى الوجود،
ولكن يبقى أن المرء يطور خبرة نفسية للتعامل مع الأعراض السلبية حتى لا تنغص حياته، لا بمحاولة إزالتها، ولكن بتبنيها واحتضانها ومعالجتها باستمرار، معالجة الخوف والقلق واليأس والشقاء حتى تطمئنّ هذه الأعراض وهي في حضن صاحبها وتصبح أشبه بما غنى بدوي الجبل:
"جراح في سريرتك اطمأنّت
لقد أكرمت بالصبر الجراحا
كأنّ الهمّ ضيفك فهو يلقى
على القسمات بشرا و ارتياحا
و قبلك ما رأت عيني هموما
مدلّلة و أحزانا ملاحا
و قد ترد الهموم على كريم
فترجع من صباحته صباحا"
ويبقى أننا في هذه المحاولة نصف هيئة نفسية لم تُسَمَّ مِن قبل، ونسندها إلى اسم نرى أنه أقرب معاني اللغة إليها، فستظل عملية الوصف هذه قاصرة عن الإبانة عن هذا اللامسمى والذي لم يتبوأ مقعده من اللغة حتى الآن، فلن ينتفع بهذه الكلمات بصورة كاملة إلا من ذاق هذا الإشراق وظلّ مثلنا
مصطليًا بنار الإحساس بالعَيّ والعجز عن استعمال اللغة لوصفه، فمثل هذا الذائق ستنزل الكلمات على قلبه بردًا وسلامًا، وقد يراه آخر لم يجد ما وجدنا ولم يذق ما ذقنا فيحسب من فرط بلادة وجدانه أنه هَذَرٌ لا معنى له.
وأختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

جاري تحميل الاقتراحات...