Moneem A Daikah
Moneem A Daikah

@m20_el

19 تغريدة 6 قراءة Mar 10, 2022
كلما تقدّمت في السنّ أصبحت أكثر انفتاحا على الآخرين. حين كنت صغيرا ظننت أنه لا أحد سواي في العالم، وما أحتاجه يمكنني أن أجده في داخلي. أما الآن فأنا أرى الآخرين وباستطاعتي التحدث معهم لأول مرة.
- من حوار مع الروائي النمساوي بيتر هاندكه. [تعريب].
يقول الصحفي تشافي آيان الذي أجرى الحوار مع هاندكه أنه يحمل معه دفترا لتدوين الأشياء، فيه بعض الرسومات، مثلاً لراهبة تحتفل بعيد ميلادها في طولون، شبان برتغاليون يعملون في الحيّ، رف مليء بالمعاطف في المطعم، قبعته، مداخن باريس، طائر أسود قرب نهر السين وغيرها من الرسومات والملاحظات.
يحب هاندكه قراءة المقاطع في الكتاب المقدس خاصة الموجودة في العهد القديم، ويحب أيضا طقوس القداس، حيث يقول: أحبّ القدّاس وطقوس الأفخارستيا [والمقصود به "قدّاس الشكر" وهو تعريب لكلمة يونانية معروفة]. مضيفا: "إنها طقوسٌ جليلة ورائعة، تشير إلى الوجود، ويتوجّب على المرء أن يشارك فيها".
لكن هل يرى نفسه مسيحيا؟ يجيب: "لا جرأة لي لأحدد معتقدي، وعلى كل، فأنا مسيحي أجنبي قلت للكاهن هذا الشيء، فقال: كلنا أجانب، غرباء! أُفضّل الجمل الطويلة على القصيرة، لكن فلوبير يعتبر متميز في كتابة الجمل القصيرة. أنا من عشّاق الأدب. أحلم وأشرح. الجمل الطويلة هي أكثر من ملحمية".
في رحلاته التي يقوم بها هاندكه سيرا على الأقدام ثمة أحلام يقظةٍ ترافقه، وهي امرأة تعمل على سرقة الفواكه! يسأله الصحفي:
- من هي؟
- هل هذا سؤال؟ إذا كان سؤالاً فأنا لا أجيب، ولا أجري مقابلات!
ابنتي تظهر قليلا في الأحلام، إنها تجربة شخصية تأتي من حقبة أخرى ومندمجة في التاريخ، ولا تريد الانتماء لأي شيء، لأي طائفة أو أيديولوجيا، ولكن ما الحل؟ أنا عاجز بعض الشيء. لقد كنت أعاني من جنون العظمة، هل تعلم؟ كان يظن نفسه أنه سيفعل شيئا مبهرا، سيغير العالم..
- بيتر هادنكه.
يضيف: "لكن الحال تغير الآن، مع أنّه لا يمكن الشفاء من التمركز حول الذات.." أجرت الصحيفة مع ٢٧ كاتبا وهم الحائزون على جائزة نوبل للآداب منذ ٢٠٠٥. يسأل هادنكه المصور "أخبرني، هل أنا أجمل منهم جميعا؟" يفتح سترة بدلته ويمسك بالعلامة التجارية لشركة ديور "ارتديتها من أجلك، قدر لي ذلك!"
أحيانا نطور نظريات عظيمة، ونقدم حججا طويلة، خاصة حين لا نكون على صواب؛ لندعم تبريرنا. هذا ما يفعله السياسيون بالذات. يتوجب علينا - نحن الكتاب- أن نسير في اتجاه معاكس ونستعمل الكلمات لاختراع ملحمة حديثة اليوم، وهذا ما أصبو إليه، ومن يأتي من بعدي سيفعل ذات الشيء.
- بيتر هادنكه.
ولا أعرف ما إذا كان ذلك أفضل لكنهم سيبدعون في هذا المجال، وسيخلخلون العالم، ومحاولتي تقتصر على فتح الطريق أمامهم". بحسب الصحيفة التي نشرت المقابلة في السادس من هذا الشهر فإن المقابلة أجريت قبل اندلاع الحرب الأوكرانية، ولا حديث عنها بتاتا. وهذا أمر غريب في نظري!
عموما، فإن هادنكه يدين تلاعب وسائل الإعلام الغربية بفظائع الحرب، والتي أصبحت شريكة مع الناتو حين قصف بلغراد عام ١٩٩٩ بأمر من الإسباني خافيير سولانا الأمين العام للناتو في تلك الفترة. والمسؤول عن مقتل المدنيين هو الجنرال الأميركي ويسلي كلارك وينبغي محاكمته إذا كانت ثمة عدالة!
ماذا نفهم من كلام هادنكه على قصف الناتو لبلغارد وعلى مسؤولية جنرال أميركي من الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا الآن؟ الإجابة واضحة وصريحة، ولا تحتاج للتدبر أو التأمّل، فالرجل يرى أن أم المشاكل تأتي من الناتو ومن أميركا وهمجيتها ضدّ المدنيين مع غياب تامّ لشيء يدعى العدالة!
ويرى هادنكه أن وسائل الإعلام شوهت صورته ووضعت له صورة كاريكاتورية لموقفه، واجتزأت كلامه ووضعته في سياق يخدم مصالحها، مستفيدة من سمات شخصيته! يقول هادنكه: "ثمة عنف في كلماتي، لكنها غير موجودة في كتاباتي قطّ" مبررا ونافيا عن نفسه التهم التي تروجها وسائل الإعلام الغربيّة.
استشاط هادنكه غضبا حين هاجمته منظمة غير حكومية تدعى باسم "آبي بيير" -وهو كاثوليكي فرنسي- حيث استعملت عبارات وجملٍ من كتاب له وصاغتها بما يخدم أغراضها السياسية والإعلاميّة وجعلتها شعارا لصالح المنظمة مثل: تحول الجحيم هم الآخرون لسارتر إلى: الجحيم منفصل عن الآخرين!
".. ثمة آخرون أبولينير، بودلير، مارسيل بانغول..! هشا ممقوت، إنه هجوم يشوه الأدب! كدت أن أرمي بحجر وأكسر تلك الأخشاب! ويضيف هاندكه: حين شاهدت الهجوم عليّ تحكّمت في نفسي، حتى لا ينتهي بي المطاف في السجن، وهذا من شأنه أن يسيء لسمعتي ويشوّه صورتي بما أنّني نلتُ جائزة نوبل".
يسأله الصحفي: هل شعرت برغبة حقيقية في القتل فيجيبه: نعم، أحيانا، أشعر بالخجل الشديد لذلك. ويروي هادنكه القصة الحقيقية لأمه وكيف قاوم أخواله -السلوفينيون- الاحتلال النازي وكيف ظلت الأقلية السلوفينية في كارينثيا بالنمسا هي المقاومة الوحيدة التي وقفتْ في وجه الرايخ الثالث.
صار هادنكه جدّا، ومحبا لمجالسة الأطفال واللعب معهم، كحبه الكتابة. يجمع الفطر، وكثيرا ما يذهب للسينما في فرساي، لا تلفيزيون لديه، ويشاهد مبارايات كرة القدم في البار وفي ساحة المحطة، يفعل ذلك؛ لأنه يحب مشاهدتها مع الناس. كما يقوده الشوق والحنين إلى إسبانيا حين عاش طفولته هناك.
لقد أردت أن أقتل ذلك الصحفي الذي كتب مقالاً يشوه صورة أمّي معتبرا إياها من الشّباب النازي في سلوفينيا. رُكّبت صورّ لأمي تظهر فيها كأنها مع مجموعة في مظاهرة نازيّة. في النهاية قلت لنفسي: الأجدر بي أن أكتب كتابا، فهو السبيل الذي يخرجني من الظلام إلى النور.
- بيتر هادنكه.
حتى في الكتاب لا أستطيع أن أقتل، لا يمكن وصف الراحة التي شعرت بها حين كتبت عنه، لقد أنقذني من دوّامة سلبيّة. أستطيع القول اليوم بأنّ الكراهية التي شعرت بها تجاهه لم تعد موجودة.
- الروائي النمساوي: بيتر هاندكه.
@rattibha شكرا

جاري تحميل الاقتراحات...