عبد العزيز بن داخل المطيري
عبد العزيز بن داخل المطيري

@aibndakhil

16 تغريدة 6 قراءة Mar 05, 2022
#بصائر_وبينات | #بصيرة_في_الحال_والعاقبة
ما أهمّ السالكين مثل سؤالي الحال والعاقبة:
- هل أنا مهتدٍ؟
- وهل ستكون عاقبتي حسنة؟
وقد تكفّل الله ببيانهما في هذه الآية الكريمة: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور}
اشتملت هذه الآية الكريمة على شرط وجزاء عليهما مدار السعادة والشقاء لجميع المكلفين، وقد انتظمت مراتب السالكين بأوجز بيان وأحسنه.
فعلى قدر مرتبة الوفاء بالشرط يكون النصيب من الجزاء؛ فمن فقه ذلك حق الفقه قاده فقهه بإذن ربه إلى اليقين والاستقامة، واستغنى به عن كثير من الشرح والتطويل.
الشرط قائم على أصلين لا بدّ من اجتماعهما:
1: إسلام الوجه إلى الله، وهذا يستلزم إخلاص العبادة والقصد لله جلّ وعلا؛ فيكون القلب والتوجه سليماً لله تعالى لا شراكة فيه لأحد.
2: الإحسان في عبادة الله، وذلك يستلزم أن يكون العمل خالصاً لله تعالى صواباً على سنة رسول الله ﷺ
هذان الأصلان يتفاضل فيهما السالكون تفاضلاً كبيراً:
- فالإخلاص يدخله التفاضل من جهتين:
أ- قوّة الاحتساب في القلب وتعظيم النيّة، وتخليصها من الشوائب
ب- الاستكثار من العبادات الخالصة؛ فكلّ عبادة خالصة يزداد بها المؤمن إيماناُ وإخلاصاً.
وإحسان العبادة يدخله التفاضل من أربع جهات:
أ- قوة الإخلاص
ب- حسن الاتباع للنبي ﷺ
ج- تعدد المقاصد الحسنة في العمل الواحد.
د- اقتران الأعمال؛ فكثر من الأعمال يقترن بها من الأعمال الصالحة ما يعظّمها.
السالكون يتفاضلون في هذه الأمور تفاضلاً كبيراً على درجات كثيرة؛ فأحسنهم قياماً بالشرط أعظمهم نصيباً من الجزاء.
وكلّ مسلم لديه أصل الإيمان فلديه أصل الوفاء بهذا الشرط من الإخلاص والمتابعة
ثم يزداد نصيبه الجزاء كلما ازداد إخلاصاً وإحساناً للمتابعة.
وقول الله تعالى: {فقد استمسك بالعروة الوثقى} فيه ما يُطمئن المؤمن الذي أحسن القيام بالشرط بأنه على أعلى درجات الهداية
وهذا يقطع القلب عن رؤية أيّ سبيل آخر للهداية غير هذا السبيل البيّن.
وهذا فيه بيان حكم حالِه في الدنيا، وأنه مهتدٍ قد تحقق فيه وصف الهداية بأعلى درجاتها.
جملة جواب الشرط اشتملت على مؤكّدات عظيمة لها أثر في اكتساب اليقين بالهداية
{فقد} حرف يفيد التحقيق
{استمسك} بناء الفعل الصرفي يدل على غاية التمسك
{العروة الوثقى} أي التي لا أوثق منها، فإنه يقال: عروة وثيقة إذا كانت مأمونة قوية، وعروة أوثق من عروة، وأما الوثقى فهي التي لا أوثق منها
فهذا في جواب سؤال حكم الحال.
وأما سؤال العاقبة فبيّنه الله تعالى: {وإلى الله عاقبة الأمور}
فتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، فالله تعالى وحده هو الذي يقدّر عواقب الأمور، ويجازي على الأعمال؛ فإذا أسعد عبداً لم يكن لأحد أن يُشقيه، وإذا أشقى عبداً لم يستطع أحد أن يسعده.
وجملة {وإلى الله عاقبة الأمور} فيها معنى الضمان التامّ لمن قام بالشرط أن يحصل له الجزاء تاماً غير منقوص.
فإنه لا أقدر على الوفاء بوعده من الله؛ ففيها معنى {ومن أوفى بعهده من الله}.
لطيفة بيانية:
{ومن يسلم} أتي بصيغة الفعل المضارع الذي يفيد التجدد، ففيه معنى بقاء هذا الشرط لمن يتلو هذا الخطاب ما دامت فيه حياة إلى أن ياتي أمر الله.
ومن أسرف على نفسه ثم تاب إلى الله وأناب وجد هذا الخطاب يشمله؛ فمتى عزم العبد على الوفاء بهذا الشرط وشرع فيه فهو على سبيل الخير
وجملة {وهو محسن} جملة حالية تفيد أنه لا سبيل إلى قبول دعوى الإخلاص إلا بإحسان العمل، بأن يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم
والاتيان بالاسم {محسن} دون الفعل يفيد الثبات والدوام والتمكّن، وأنه لا انقطاع لهذا العمل حتى الممات؛ ففيه معنى {واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين}
{ومن يسلم وجهه إلى الله} تعدية الفعل بـ"إلى" تفيد معنى الانقياد والسير إلى الله على الصراط المستقيم،
فهو إخلاص وانقياد، بإحسان ومتابعة ، وهذه هي حقيقة دين الإسلام، وما بُني عليه.
والعبد يتخذ بهذه الأعمال سبيلا إلى الله تعالى يتقرّب به إليه.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد فسر إسلام الوجه لله بما يتضمن إخلاص قصد العبد لله بالعبادة له وحده، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} بالعمل الصالح المشروع المأمور به.
وهذان الأصلان جماع الدين: أن لا نعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع).
ودلّت الآية بمفهوم المخالفة على أن من لم يسلم وجهه إلى الله فهو ليس على شيء، ولا سبيل له إلى النجاة، بل كلّ عمل لا يُخلص العبد فيه لله فهو هالكٌ باطل، وبه فسّر قول الله تعالى: {كلّ شيء هالك إلا وجهه}
فلا يُقبل عملٌ لا يُراد به وجه الله تعالى.
ودلت على أنّ المسيء في أصل الدين ليس على شيء، وهو الذي لا يتبّع النبي صلى الله عليه وسلم أو يرى أنه يسعه التقرّب إلى الله على غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعمله باطل مردود.
أما من كان معه أصل الإخلاص، وأصل الاتباع فقد حقق أصل دين الإسلام بتحقيق أصل معنى الشهادتين.

جاري تحميل الاقتراحات...