اليوم طلعت من وظيفتي الأولى، السبب هو عدم الحذر، بيئة العمل هي بيئة تنافسيّة غالبًا، فكونك تاخذ راحتك مع باقي الموظّفين وتعتبرهم أصدقاء شيء غلط؛ لأن أغلبهم بيضحكون معك بالبداية، لكن بيجمّعون زلّاتك ويوصلونها للإدارة عشان يصنعون صورة مشوّهة عنك بأنك إنسان غير جاد بالعمل ويفوزون.
أتذكّر تمامًا موقفًا حصل أمامي قبل سنة بالمستشفى، رأيت وقتها أحد الطاقم الطبي يُخاطب زميلهُ مُنهارًا وهو يقول له "كيف تفعل ذلك بي؟، لماذا أوصلت هذا الكلام إلى الإدارة رغم أني صديقك؟" ليصله الرد بكلّ برود مع ابتسامة خُبث "صديقك؟ لايوجد صداقات بالعمل!" دارت الحياة وأصبحت بنفس موقفه
السبب الآخر…بيئة الوظيفة لا مجال لدخولها وأنت تحمل أحلامك معك، فقبل الدخول لها يجب أن ترمي بكل أحلامك وراء ظهرك…أتذكر عندما حاولت الاستئذان من المدير لأذهب للعزف على أحد المسارح التي طُلبت فيها، وقال لي:"يجب أن تختار واحدًا من الإثنين، إما وظيفتك أو هوايتك، فطلبك مرفوض دائمًا".
رغم أن هنالك زملاء كانوا مستأذنين في نفس ذلك اليوم لأسباب بنفس درجة الأهميّة بالنسبة لهم، ولكن ببيئة العمل الإجازات والإذن بالانصراف وغيره من الأشياء تُعطى لك على حسب مزاج المدير وتقديره الشخصي لأهميّة أسبابك بالنسبة له.
سبب إضافيّ…ببيئة الوظيفة غالبًا يجب أن تكون كُلُّك عبدًا لوظيفتك، أتذكر تمامًا كلام المدير عندما قال في أحد الجلسات "الإنسان لديه طاقة، وتوزّع هذه الطاقة يوميًا على عدّة اهتمامات، وأنا كمدير يجب أن أجعل موظّفيني يصرفون أكبر قدر من طاقتهم من أجل وظيفتهم وأجعلها اهتمامهم الأكبر".
ولذلك في المكالمة الأخيرة التي دارت بيني وبين المدير قال لي: "حمزة أنت إنسان ذكيّ، بل وأذكى من كثير من موظّفيني، ولكن للأسف…أنت ذكي في إفادة نفسك فقط وليس في إفادتي"، وبدأ يطرح ويعدد أسماء الموظفين الذين يعطون جُل وقتهم ويكرّسون حياتهم في إفادته.
وهنا أتذكّر نصّ قرأته بكتاب (كخّة يا بابا) لـ @Almaghlooth يقول فيه: "عندما ترى شخصًا في منصبٍ مرتفع بوظيفته، لا تسأله كم كتابًا قرأت ولا كم شهادة أخذت ولا كم دورةً اجتزت…بل اسأله كم بِشتًا حملت وكم يدًا قبّلت؟".
الحمدلله، أنا لم أكن مُحتاجًا للوظيفة من الأساس، فأنا طالب جامعي ومن أفضل العازفين بالقيتار على مستوى مدينتي ومن عائلة مقتدرة أنا أصغر فرد فيها…إذًا لماذا أخترت أن أكون في وظيفةٍ بدوام ٩ ساعات؟
السبب هو إنني أملك صديقًا بدأ العمل بوظائفٍ بسيطة بدوامٍ جُزئي منذ كنا في المرحلة الثانويّة، فكنت أراه يعمل بمكتبة وبفندق ونادل وباريستا والكثير الكثير، وكان يفعل ذلك مُجبرًا لإنه هو من كان يصرف على نفسه بنفسه.
هذا الصديق كان دائمًا يقول لي إنني مثقّف و واسع الاطلاع بدرجة يتمنى أن يصلها ولكن في نفس الوقت كنت أراه شخصًا مُتقنًا للكثير من المهارات العمليّة والحياتيّة بدرجة كبيرة أتمنى أن أصل لها أيضًا فحتّى أصحاب المتاجر يستعينون به في شؤونهم الخاصة…ولكن السبب الذي جعله يصل لهذا المستوى
هو إنه كان مجبرًا على أن يصل لهذا المستوى أو أن يموت ذُلًا! (مُجبرٌ أخاك لابطل)، بينما أنا كنت مرتاحًا تحت جناح عائلتي…فهممت بنفسي وقلت لماذا يجب عليّ أن انتظر الحياة لتدفعني على التعلّم بالطريقة الصعبة؟ فالمغزى هو أن لا تنتظروا الحياة تجبركم للتعلّم، بل أنتم أجبروها أن تعلّمكم.
وذهبت للبحث عن الوظيفة وكنت أُرفض مرات عديدة بسبب دراستي للطب فبيئات العمل ترى أن طلّاب الطب عيّنات غير جيدة لتتم استهلاكهم فهم ذوي طاقة قليلة من الأساس بسبب الجهد الذي يبذلونه لكلّياتهم، فرُفضت مثلًا من مكتبة جرير التي أردت العمل بمكتبتها لحبّي بالقراءة وغيرها الكثير لنفس السبب.
ولكن مرّت الأيّام واستطعت أن أحصل على وظيفة بسيطة ببيئة عمل صغيرة في مقهى بسيط، وتم قبولي لأنني عازف وبرؤية المدير "عازف بالمقهى سيجذب الزبائن بالتأكيد، فلا مشكلة من تدريبه إن كان سيعزف لنا مجّانًا ويجلب أصدقاءه العازفين لمقهانا أيضًا، عصفوران بحجر!"
وعلى الرغم من ذلك، كان المدير لا يسمح لي بالعزف في المقهى بكل الأوقات، فكان يحترق لو رأى إنني اعزف والمقهى لايوجد به زبائن، فلماذا هذا الموظف يستمتع بالعزف والمقهى فارغ؟ أليس الأولى أن يمسح الطاولات ويغسل الصحون ويكنس الأراضي؟ وكان يقول بهذه الأوقات "أنا أريد باريستا لا عازف!"
ولكن عندما يكون هنالك أحد ضيوفه الذين يريد أن يعقد معهم صفقةً أو أن يستعرض أمامهم، يستهلّ بمناداتي للقدوم للعزف لضيفه ويقول له "هذا موظّفي حمزة، الأول في العزف بآلة القيتار على الشرقيّة!، والأول في لعبة الشطرنج بالأحساء!" <تبًا لكَ ما أكذبك! أنا بارع ولكن لست بهذا المستوى. 😂
يقلل من مهاراتي وهواياتي ويستسخفها في اللحظة التي يريد فيها أن يشعرني بأن العمل أهمّ منها، ويضخّمها ويجعلني الأول على مستوى قارّة آسيا بها ويمدح طموحي ويرفعه لعنان السماء في اللحظة التي يريد أن يستعرض بي أمام ضيوفه! يا إلهي 🤦♂️.
بالأمس كنت في مقهى مع صديقي @N1528Almousa وكنت أحدّثه عن ما جرى معي، وكان يستمع وعيونه تقول لي (توك ماشفت شي)، قال لي: في كل بيئة وكل مكان وزمان، سوف تجد شخصًا يَحفِرُ لك حُفرةً فيجب أن تكون مُتيقِّضًا ومنتبهًا لأيّ طعنة قد تسدد لك بظهرك.
والفكرة من التفريق بينها، هو أن كل دائرة منهم تمتلك أجواءً وطاقةً خاصةً بها، فمثلًا عندما نكون مشحونًا من عملك، تذهب لأصدقائك لتخرج الطاقة السلبية معهم، وعندما تكون مشحونًا من أصدقائك تذهب إلى عائلتك وهكذا تدور الحياة، ولكن تخيّل لو كانت جميع الدوائر متوازيةً فوق بعضها البعض!
فكانت دائرة حياتك الخاصّة بأصدقائك هي نفسها دائرة عملك هي نفسها دائرة عائلتك، حينها عندما تكون مشحونًا بسبب واحدةٍ من هذهِ الدوائر لن تجد مأوى أو مكانًا تفرّغ فيه طاقتك السلبيّة! ولن تجد أحدًا تجلس معه بصدر رحب للحديث معه فكل شيء بحياتك متداخل ببعضه! وهنا المغزى من ضرورة التفريق.
وأكمل محمد بكلامٍ أثارَ اهتمامي جدًا…وقال: إذا كان هنالك شخصٌ تُحبه من دائرة أصدقائك أو عائلتك أو حتى دائرة الأشخاص الذين أنت مجرّد معجبٌ بهم ولاتجمعك معهم علاقة، فأحذّر يا حمزة قبل أن تدخل في عملٍ معهم! فمن علاقتك جميلة معه كصديق ليس بالضرورة أن تكون علاقتك معه جميلة كشريك عمل.
بل وقد تكون شراكتكم مع بعضكم البعض سبب أساسي ومحوري في تغيّر حالة علاقتكم من صداقة إلى عداوة، قلت له أنت تبالغ! فإذا لم أعمل مع صديقي فمن سأعمل معه؟ وبدأ يقصص عليّ أمثلةً من حياته الخاصة يوضّح لي فيها الأسباب ولماذا ندم فيها على دخلوله في اعمال مع من يحب.
أحد الأسباب…إن علاقات الحياة العمليّة يجب أن لا تدخل فيها العاطِفة، فإذا دخلت العاطفة بشكل كبير في بيئة العمل أفسدت كل شيء، وكما قلنا سلفًا البيئة تنافسيّة وتدخل فيها الغيرة بل وحتّى الحسد أحيانًا، فهل تريد أن تعيش ذلك مع صديقك المقرّب؟ لا تقل لي هذا لن يحصل، الشيطان لم يمت.
يا إلهي، ماهذا الكم الهائل من التغريدات! هل أنا مُتشفِّقٌ على الوظيفة التي فقدتها؟ قطعًا لا فغرضي الأساسي كان التعلُّم ونيل الخبرة…بل أنا نادمٌ على كمّية العطاء الذي بذلته لصنع علاقاتٍ مع أشخاصٍ خطأ وفي مكانٍ خطأ، ولذلك عصرت لكم خلاصة الخبرة التي استطعت أخذها خلال هذه الفترة.
جاري تحميل الاقتراحات...