منصور الحذيفي
منصور الحذيفي

@mansour1917

12 تغريدة 23 قراءة Mar 03, 2022
المطر في القرية
البارحة، بعد صلاة العشاء،هدر الرعد فجأةً في القرية، فكان صوتَ البشرى في أذن الواله المتعطش،وكان نداءَ الحياة في الأرض الجرُز،فسأل أحدهم:أهذا صوت رعد؟ وأغلب ظني أنه يعلم الجواب! لكنه سؤال الشوق،الذي رصده المتنبي فقال:
وكثير من السؤال اشتياقٌ
وكثير من رده تعليلُ
=
أحتفظ في مكان عزيزٍ من ذاكرتي بأجمل الذكريات، ومن أعزها ذكريات المطر في قريتي الرابضة على أطراف الوادي، وكلما حلّت السحابةُ بأكناف هذا الوادي وأفرغت قَطرَها فيه هرعنا إليه زرافاتٍ ووحدانا، أطفالًا وشِيبًا وشُبّانا، في يدِ الكبير منا (مِسحاةٌ) يسُدُّ بها خَلل الساقية
=
وفي روحه فيضٌ من مشاعر الغبطة والامتنان للرحمن..وفي قلب الصغير تتأجج أشواقٌ لا يُطفِئها إلا أن يغرس قدماه في الطين،ويتقلّب في الوحل، ويُمسّد بيده تلك الحشرة الحمراء ذات القطيفة الناعمة(بنت المطر)،والتي يسميها أهل القرية(أبو مطر)،ولا تُرى إلا غِبَّ قطرِ السماء، كأنها نزلت معه!
=
(فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون، وإن كانوا من قبل أن يُنزّل عليهم من قبله لمبلسين، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها)
إي والله يستبشرون! وأيُّ بشرى تلك! إنها البشرى التي تكتنفك بنسائمها المنعشة، فتخالُ أنه قد فُتِحَ لك بابٌ إلى الجنة!
=
إنها البشرى التي تنفحك بعبيرها الساحر (عبير المطر)، ذلك العطر الذي ينشأُ عن التقاء الأرض بالسماء، واختلاط التراب الظامئ بالماء، إنها البشرى التي تُخرج الأطيار من وُكُناتها، لتشارك الإنسان فرحتَه، وتصدح بالتغريد المنتشي المطرب. ويأتيك من بعيدٍ صوتُ السيلِ الهادر
=
المنحدر من جبال السَّراة، فتقف (العقومُ) على أطرافه لتعُبَّ منه ما يُروي الحقول، فأنت تمتزج بتلك المناظر، وتستمع إلى تلك الأصوات، وتستنشق ذلك العبير، وتُباشرك هاتيك النسائم، فأيُّ سعادةٍ تلك التي يبعثها المطر! وأيّ طمعٍ في رحمة الله يُجدِّدُه في القلوب الحية!
=
كان موسم المطر عام ١٤١٨ هـ من أحفل المواسم بالغيث، وأجملها ربيعًا، في عموم الجزيرة، وفي جنوبها خاصة، حتى ازدهت بخضرتها الديار، وفاضت العيون بالأنهار، ولا أنسى ذلك الصباحَ السعيد، الذي خرجت فيه -وأنا في الصِّبا- مع رفقتي لنرى أحد تلك الأنهار الصغيرة
=
والتي تُسمى (الغيول) وواحدها (غَيل) وهو لفظٌ عاميٌّ فصيح، وكان يبعد عنا كيلًا واحدًا تقريبا، فقطعنا المسافةَ إليه على الأقدام، بين أشجار السدر والسُّمُر، حتى وافَينا ذلك النهر، ولهَونا حوله، وخُضنا فيه، ورأيناه وهو يتفرّع فيتخلّل المزارع المنتشرة على ضفتيه، ويمضي باقيه في مجراه.
وقد أشرت في مقال سابق إلى أن الطفل في تذوّقه لجمال الطبيعة وانغماسه في مسرّاته ليس كالكبير،وهذا أمر محسوس، فالقلب الفارغ من الهموم، المتطلّع إلى الحياة،الذي ما زال للدهشة فيه مكان= يجد لكل تلك المُتَع من النشوة والانبساط ما لا يجده غيره ممن أثقلته الهموم، وانتهبَتهُ المسؤوليات
=
وها أنذا أتعلّل بهذه الخواطر، ريثما تُطِلَّ على أُفُقي سحابةٌ سحّاء، فأتفيَّأُ بظلِّها، وأنهَلُ وأعُلُّ من وابلها وطَلّها، فأعيش بها سعادتَين: سعادة العودة إلى الذكريات، وسعادة التعرّض للرحمات
=
فقد حسرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثوبه عنه حتى أصابه المطر ، فقال له أصحابه : يا رسول اللهِ ، لم صنعت هذا ؟ فقال : "لأنه حديث عهد بربه".
.. انتهت..
الخميس ١٤٤٣/٧/٣٠ هـ
أن يغرس قدميه*

جاري تحميل الاقتراحات...