"محاولة في وصف جوانيات الاكتئاب"
أحسَب أنّ هذه اللحظة هي الأكثر مثالية خلال سنين من حياتي لأحاول وصف ما هو معنى أن تكون مكتئبًا -وصفًا جوانيا، لا برانيا-، لأنه لأول مرة كان وعيي يتراوح ما بين نوع من الحياة الطبيعية، ثم انتكاسة مفاجئة نحو اكتئاب كامل، مع تركيز على كل من التجربتين
أحسَب أنّ هذه اللحظة هي الأكثر مثالية خلال سنين من حياتي لأحاول وصف ما هو معنى أن تكون مكتئبًا -وصفًا جوانيا، لا برانيا-، لأنه لأول مرة كان وعيي يتراوح ما بين نوع من الحياة الطبيعية، ثم انتكاسة مفاجئة نحو اكتئاب كامل، مع تركيز على كل من التجربتين
مقدمة:
قبل أن أصف ما هي هذه التجربة، أعتقد أنني أودّ الإشارة إلى ما "ليست هي"
يميل البعض إلى تصور الاكتئاب بوصفه حالة شعورية، بمعنى أننا يمكننا الحديث عن الحزن وعن الفرح وعن الاكتئاب، هذا الوصف خاطئ. ويميل البعض إلى فهمه باعتباره حالة مزاجية -والمزاج أعمق وأكثف دلالة من الشعور-
قبل أن أصف ما هي هذه التجربة، أعتقد أنني أودّ الإشارة إلى ما "ليست هي"
يميل البعض إلى تصور الاكتئاب بوصفه حالة شعورية، بمعنى أننا يمكننا الحديث عن الحزن وعن الفرح وعن الاكتئاب، هذا الوصف خاطئ. ويميل البعض إلى فهمه باعتباره حالة مزاجية -والمزاج أعمق وأكثف دلالة من الشعور-
بمعنى أننا يمكن الحديث عن مزاج فرايحي ومزاج محبط ومزاج اكتئابي، هذا الوصف خاطئ أيضًا.
أعتقد أن الاكتئاب وتجربته بجانب انطوائها على مشاعر مؤذية كثيرة، وعلى أنماط تفكير خاصة بها، بل وحتى على طريقتها الخاصة في إعادة رسم سلوك الجسد بمعناه الحسي المباشر، فإنها في الأساس نمط وعي مختلف
أعتقد أن الاكتئاب وتجربته بجانب انطوائها على مشاعر مؤذية كثيرة، وعلى أنماط تفكير خاصة بها، بل وحتى على طريقتها الخاصة في إعادة رسم سلوك الجسد بمعناه الحسي المباشر، فإنها في الأساس نمط وعي مختلف
بمعنى ماذا!؟
أعتقد كان راتكليف هو من اعتبر الاكتئاب حالة من حالات الوعي، بالمعنى الذي يكون فيه الوعي الاكتئابي يقف بجانب حالة وعي النائم، وحالة وعي اليقظ، وحالة وعي السكران على سبيل المثال. وهذا التصنيف يلقي بظلاله على فكرة أساسية أن القوانين التي تسري في عالم المكتئب مختلفة عن
أعتقد كان راتكليف هو من اعتبر الاكتئاب حالة من حالات الوعي، بالمعنى الذي يكون فيه الوعي الاكتئابي يقف بجانب حالة وعي النائم، وحالة وعي اليقظ، وحالة وعي السكران على سبيل المثال. وهذا التصنيف يلقي بظلاله على فكرة أساسية أن القوانين التي تسري في عالم المكتئب مختلفة عن
القوانين التي تسري في عالم الإنسان الطبيعي، ومعاني الأشياء والمشاعر الطبيعية ومعالجتها مختلفان بدرجة قريبة من الاختلاف بين المتيقظ والسكران على سبيل المثال.
يفرض هذا الاختلاف الضخم معضلة أساسية في الاكتئاب، أنّ اللغة التي يتحدثها المكتئب خاصة به لا يفهمها سوى مكتئب آخر، واللغة التي يتحدث بها الناس مع المكتئب أو النصائح التي يقدمونها له تكون غير قابلة للترجمة بحيث تحتوي المعاني التي قيلت لإيصالها، سوى زيادة شعوره بالعزلة الشعورية.
يمكنك أن تخبر شخصًا مكتئبًا أن يتحلى بالأمل، وأن يستمتع بالحياة، وأن يتقبل حزنه ومشاعره، وأن يترك الماضي وراءه. وهي نصائح جيدة بلا شك لشخص حزين أو يمر بصعوبات نفسية. لكنها بالنسبة لمكتئب مجرد كلمات ولا تحتوي أي قيمة شعورية أو معنى نفسي قابل للفهم ضمن الوعي الاكتئابي.
وبنفس الطريقة فإن المكتئب الذي يخبرك أنه غير قابل للإصلاح، وألا شيء مهم في الحياة، أو يسألك ما جدوى ذلك. فهو لا يتحدث بلغة عالمنا والذي يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة فيها، وإنما يتحدث بلغة وعيٍ لن يكون فيه جواب ذو معنى بالنسبة لهذه الأسئلة، لأن هذا الوعي ينظر للعالم وحدوده بطريقة
مختلفة.
"يستيقظ في الساعة الثانية ظهرًا وهو ما يزال منهكًا بعد عشر ساعاتٍ من النوم المزعج الذي لم ينعم فيه الذهن بدقيقة من الهدوء، وإنما هي أصواتٌ وضوضاء كثيفة يكاد يكون واعيًا بها خلال نومه. يستيقظ وما إن يعي أنه حي يمتلئ صدره ضيقًا وتتسارع دقات قلبه ويشعر أنّ جسده يبذل ما يستطيع للخروج
منه، ومغادرته نحو أبعد مكان ممكن. وبمجرد ما يشتعل الذهن يتذكر هو حدثًا قديمًا تصرف فيه بطريقة سيئة فيغرق في تفكير ثقيل حول سوئه الشخصيّ وضرره على كل من أحبّ، ينتبه للحظة وصدره يودّ الخروج من مكانه ونوبة ذعر تتزايد قليلًا. تمتلئ روحه يأسًا من عالم لا سبيل لإصلاحه، ومن ألم عالٍ قوي
يتراوح بين الانتباه لألم الجسد الناتج عن القلق والذعر، وألم الروح الناتج عن اليأس والسأم، وألم الذهن الناتج عن فيض قوي من أفكار مختلفة لا يملك أن يسيطر عليها، بينما هي تغذي كل من ألم الجسد وألم الروح وألم الذهن. في منتصف هذا الألم يفرض ضباب ما نفسه على المشهد لدرجة أن متابعة
كل عنصر من عناصر الروح أمرًا متعذرًا، ويدخل الشخص في نوع من الخمول بحيث يصبح كالفرد في زنزانة تعذيب -إلا أنه ليس هنالك مطلوب يمكنك إنهاء التعذيب بتسليمه-، يستسلم لكل هذا الفوضى والضبابية في الساعة الخامسة حين ينادي عليه أحد من بيته أن يقوم من السرير، الجسد مشلول، والروح مشلولة
والذهن لا يملك إلا هامشًا ضعيفًا من الفاعلية، يستفيد من هذه الفاعلية ليكتشف بغتةً أنه لم يصلِّ ولم يذق طعامًا منذ يومين، ويستطيع بعدها أن يسمع وسط ألم القلق والتعب والذعر الجسدي نوعًا من همس الجوع، ويدرك أنه يجب أن يقوم لأداء هذه المهمتين فقط، يجرّ جسده بصعوبة محاولاً الحركة
ويشعر أنه يتقطع وأنّ الكوكب كله يلقي بحمله على ظهره، يبدأ في محاولة الأكل فلا يلذّ له منه شيء فيتناول أقل ما يمكن تناوله، ويصلي دون انتباه (بقلق كثيف بطبيعة الحال)، يعود بعد ذلك ليفكر في ما يجب عليه عمله بعد أن قام بتضييع خمس ساعات بسبب تلكؤه. فما إن يدرك ما يريد فعله حتى يهجمه
القلق والذعر مرة أخرى، وحتى يأتيه سؤال ما جدوى ذلك، فيجلس في حالة من جلد الذات والندم والإحساس العالي بالذنب. ثم يشعر أنه لا أحد سواه في العالم، أن جدارًا شفافًا صلبًا يحول بينه وبين الناس، يراهم ولا يستطيع التحدث معهم، وهم لا يرونه ولا يحاولون الحديث، معزول عن كل العالم.
يرتدي سماعاته للاستماع أو مشاهدة أي شيء في محاولة أخرى لجعل كل شيء يسكت، القلق والأفكار الكثيرة والأسى والذنب والذعر، يصبح الذهن غائمًا بعض الشيء ويتفاعل كل شيء وينتقل وعيه من ألم الأفكار، إلى محاولة التركيز على الموسيقى إلى ألم الجسد، فيعود إلى حالة الشلل المستمر.
يحاول المرة تلو المرة أن يغير ما يستمع إليه في محاولة لتشتيت القلق والألم، أن يشاهد مقاطع جديدة، أن يتصفح في الفيس او تويتر، أن يبدأ كتابا جديدًا، الدقائق الأولى أحيانًا تخفف الألم لكنه يعود بعدها، أحيانًا ينجح في مراوغته إذا استطاع تخفيفه حتى ينام، فلا يلتقيه إلا اليوم القادم
وفي الغالب فهو لا يستطيع مراوغته وإنما هو يستسلم للألم كله وهو يندفع في ذهنه وروحه وجسده، ويجلس الساعات الطوال مستسلمًا أمام حقيقة أنه لا وجود لشيء يمكنه إخراجه عن هذا العالم المؤلم، لا أصدقاؤه، ولا أهلوه، ولا شيء يمكنه أن يوقف الألم، هو فاسد والحياة فاسدة، تألم واستمرّ أو انتحر"
للتو خطر في بالي أن أقرب توصيف لحالة وعي الاكتئاب يمكنني تذكره هو وصف فرقة metallica في أغنية one التي تتحدث عن شخص تعرض لضربة في الحرب ففقد أرجله ويديه وقدرته على التكلم والتواصل ولكنه احتفظ بوعي نوعا ما، فليس يرجو ممن حوله سوى أن يجيبوا رغبته في أن يموت
youtu.be
youtu.be
وصف آخر للتجربة:
تفتتح الذهنَ دومًا فكرةٌ عدميّة حول إيقاف كل جهد في صناعة أي أثرٍ إيجابيّ في الواقع، والاكتفاءِ بحياة بوهيميّة أنانية لا تجد مبادئَ ولا أحلَامًا لتبتزّها.
تنفعلُ أغنية في خلفية ذهنِي عبر السماعات لتخفف وطأة السؤال العدميّ المُلِحّ القلِق على الروح،
تفتتح الذهنَ دومًا فكرةٌ عدميّة حول إيقاف كل جهد في صناعة أي أثرٍ إيجابيّ في الواقع، والاكتفاءِ بحياة بوهيميّة أنانية لا تجد مبادئَ ولا أحلَامًا لتبتزّها.
تنفعلُ أغنية في خلفية ذهنِي عبر السماعات لتخفف وطأة السؤال العدميّ المُلِحّ القلِق على الروح،
يتأرجَحُ الذهنُ المضطرب بينَ الاستغراق في الموسيقى وبين التفكير في السؤال الثقيل.
تعترض ذبَابة شاردة تلك الملحمة -بعد انقضاء ساعتين فناءً فيها- لتعيد تركيزي نحو الحواسّ وتخرجني من بين قضبان الذهن المتّقد قلقًا وتعَب، أهُشّها عن أمامي ليظهر من ورائها لوح الزنك الأبيض،
تعترض ذبَابة شاردة تلك الملحمة -بعد انقضاء ساعتين فناءً فيها- لتعيد تركيزي نحو الحواسّ وتخرجني من بين قضبان الذهن المتّقد قلقًا وتعَب، أهُشّها عن أمامي ليظهر من ورائها لوح الزنك الأبيض،
يخترق ديفيد هيوم روحي كالحدس ليسألني هل سيتمدد اللوح أم لا، محاولًا أن يوقعني في استقراءٍ ناقص، فيهبّ في روحي كارل بوبر مدافعًا عن الفرض والاستنباط، يعلو صياحهم في الروح المتعبة.
تهزمُ الريحُ قنينة بلاستيكية فوق سقف الزنك، فتسقط محدثةً جلبتها المعتادة، فيرتعب هيوم وبوبر ويهربان
تهزمُ الريحُ قنينة بلاستيكية فوق سقف الزنك، فتسقط محدثةً جلبتها المعتادة، فيرتعب هيوم وبوبر ويهربان
لأعودَ في تركيزي نحو الحياة، فلا ألبث قليلًا حتى يسجنني ذهني مرةً أُخرَى.
أجرّ جسدًا منهكًا نحو طريقٍ لا معلوم النهاية وبدون سبب وجيه، أو حتى بلا وجهة محددة، يتحرك الجسد بألم ثقيل، يسألني خاطِر "لماذا تصعّب الأمرَ على جسَدِك" ، أرد عليهِ: "لأخفّفَ الأمر على روحي، إنّي تعبتُ من القلق"!
الكلام فيو أخطاء نحوية عديدة وكلمات ناقصة نطقتها بداخل ذهني ولم أكتبها، لم أملك قدرة كافية للتركيز أثناء كتابته في الأصل، ولا لمراجعته بعد ذلك، أستميح القارئ عذرًا على ذلك. أرجو فقط أن تكون المعاني الأساسية واضحة.
جاري تحميل الاقتراحات...