ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

30 تغريدة 490 قراءة Feb 26, 2022
بثبات يتقدم إلى المشنقة، حشود ضخمة تنتظر أن ترى شمسه تغيب إلى الأبد، وعلى بعد دقيقة من موته ينزع عنه قلادته، ويلقي بها على المتفرجين، وهو يصيح قائلًا "هذا كنزي لمن يستطيع أن يفهم!"، من هو هذا القرصان؟! وما الذي تحويه قلادته؟ وما قصة كنزه المقدر بمئات ملايين الدولارات
حياكم تحت🏴‍☠️
الحرب تنسج خيوطها، جميع الفرنسيين منخرطين فيها بشكل أو بآخر، إن لم يكن بالفعل والقتال، فبالقلق وتدهور الأوضاع الاقتصادية، لكن عائلة أوليفييه ليفاسور البرجوازية الميسورة كانت في حل من ذلك، فوضعها المالي والاجتماعي راسخ متجذر، ومعه لا تبالي بأي شيء.
ولد أوليفييه في شمال فرنسا تحديدًا في كاليه عام 1695، وذلك في خضم حرب "التسعة أعوام" بين بلاده وجيرانها الأوربيين، نضج الفتى متلاقيًا مع الدعة والثراء والتعليم المميز، لكن ذلك لم يمنعه أن يكون قوي الطرف مهاب الجانب، مقدامًا شجاعًا وهي صفات خولته بسهولة لأن يكون ضابطًا بجيش بلاده.
انضم إلى الجيش، وفرنسا كما العادة- في تلك الحقبة- متشابكة ضمن حرب ضروس مع جارتها إسبانيا -حرب الخلافة- حيث وجِه مباشرة للخدمة في الأسطول الملكي الفرنسي، لم يعمل بحارًا، بل عمل قرصانًا مفوضًا من قبل التاج الفرنسي، قرصان وتاج كيف يجتمعان؟!
في تلك الحقب الزمنية الأوروبية كانت الدول المتحاربة تمنح بعض ضباطها أو مواطنيها تفويضات رسمية تعطيهم الحق في مهاجمة أي سفينة في البحر تنتمي للدولة المعادية، بما يشمله ذلك من تخريب لها واستيلاءً على ما فيها من مقدرات وأموال، وتلك كانت وظيفة أوليفييه ليفاسور.
وضعت الحرب أوزارها عام 1714م، وصدر أمر ملكي إلى كل السفن والقراصنة المفوضين بالعودة إلى معسكراتهم ومرافئهم، لكن على ما يبدو كان أوليفييه ليفاسور غير مستعد لذلك، لقد أعجبته مغامرات أعالي البحار، أعجبه انقضاضه على السفن والاستئثار بما فيها من ممتلكات.
رفض العودة إلى المرافئ الفرنسية، وعلى مدى عامين استمرت سفينته تمخر البحر بحثًا عن مزيد من الفرائس، لكنه وحيدًا لم يستطع تحصيل الكثير، إلى أن هداه نشاطه إلى عصبة من قراصنة حقيقيين يأتمرون للقرصان الإنجليزي الشهير بينجامين هورنغولد، حيث عرضوا عليه الانضمام لهم فوافق على الفور.
صفحة جديدة في تاريخ الرجل اكتشف فيها ذاته كلص بارع وقرصان ممسك بزمام المبادرة والهجوم، متناسيًا ما كان له من انتماء وطني أو اجتماعي كسليل لأسرة برجوازية ثرية لا يحتاج معها لمثل هذا طريق، لكن جشعه المتنامي وحب السيطرة والتأثير فضلًا عن حبه للمغامرة دفعه لكل هذا.
بعد عام من النهب والقرصنة، تلقت العصابة ضربة قوية حين انفك عنهم قائدهم بينجامين هورنغولد وأصبح واشيًا وصائدًا للقراصنة لصالح بريطانيا، وتناثر الجمع، ما اضطر ليفاسور إلى تكوين شراكة جديدة مع جمع من زملائه، انتهى إلى انتخابه قائدًا لهم وبدأت فترة سيادته لعالم القرصنة.
وجدوا من المناسب لهم تجديد مناطق وجودهم، فكان غرب أفريقيا مقصدًا مثاليًا، تاقوا إلى اليابسة، فلم يكن منهم إلا أن هاجموا ميناء أويدا للنخاسة، واستطاعوا استخلاص كثير من الأموال والفرار بها بعيدًا من ذلك الميناء الذي كان واقعًا ضمن مملكة ويده، المعروفة حاليًا بـ بنين.
لم يسلموا بفعلتهم، إذ تتابعت خلفهم سفن برتغالية من أجل الانتقام، وتحت وابل من قذائف المدافع أصيبت سفينتهم، لكن الظلام وكذا الضباب المنتشر مع جو الصباح ساعدهم على الفرار بعيدًا، استمر البحر يحمل سفينتهم المصابة أسابيع طوال، إلى أن قرر ابتلاعها ضمن حدود قناة موزمبيق الشاسعة.
يصارعون الموج والجوع والعطش، هكذا حملهم زورق صغير، يجدفون بقوة اليأس الكامنة فيهم، ولا أثر ليابسة من حولهم، يعلمون جيدًا أن المسير إلى الأمام سيحملهم إلى بعض الجزر المتفرقة - ما يعرف حاليًا بجزر القمر- لكن بُعد المسافات وأيامها الطوال يجعلهم قريبين من الضياع والموت.
يابسة جزيرة هنزوان تلوح في الأفق، ومعها يلوح الأمل وينمو ويتوالى التجديف إليه بشوق الحياة وإرادة العيش، وصل الزورق إلى اليابسة ومعها فاضت أجساد القراصنة إلى رمال الشاطئ مستلقين، خضرة وطيور وماء عذب في الجوار، وحياة جديدة يتلاقون معها بكل امتنان ممكن.
على ما يبدو لم يصب البرتغاليون السفينة وحدها ويحملوها لاحقًا للغرق، وإنما أصابوا كذلك إحدى عيني ليفاسور، وضمن هذا الغرق وهذه المشقة كان نورها قد انطفأ تمامًا، لذلك لم يجد بدًا من حجبها تمامًا عبر رقعة العين الشهيرة، والتي صارت لاحقًا صورة تقليدية لما يمكن أن يبدو عليه القراصنة.
سار ليفاسور ورفاقه إلى مدغشقر ومنها إلى جزيرة سانت ماري المحاذية لها، حيث أعادوا تهيئة ذاتهم فيها، ووسط فقر مدقع وعوز شديد، انطلقوا في البحر يستكشفون الفرص، فكانت ضربتهم الأولى عظيمة المردود حين استولوا على أكبر سفن الحجاج المغول المدججة بالسلاح والمتجهة إلى مكة المكرمة.
باعوا ما استولوا عليه للتجار الهولنديين بـ 75 ألف جنيه استرليني، واستثمروا في إعداد أنفسهم لمزيد من النهب، في تلك الأثناء كانت سفينة الغَلْيُون البرتغالية العظيمة (نوسا سينهورا دو كابو) المحملة بكنوز أسقف غوا، متجهة من الهند الشرقية إلى لشبونة، ضمن حراسة مشددة.
تأتي عظمة هذه السفينة من حجم ما تحمله من كنوز وكذا من مدافعها الـ 72 القادرة على سحق أي عدو يقترب منها، لكن لسوء الطالع اعترضت السفينة عاصفة قوية أجبرتها على تخفيف حمولتها، فكان الاختيار الأكثر ثقلًا بالنسبة لها هي المدافع، حيث تخلصت السفينة منهم ونجت بفضل هذا القرار، ولكن..
نجت السفينة من العاصفة، لكنها لم تنجو من ليفاسور ورفاقه، الذين كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر، تأهبوا للاقتراب منها مع الاستعداد لوابل القذائف الفتاك، لكنهم وجدوها صامتة عن أي فعل، فاعتلوها واستولوا عليها دون أية مقاومة.
هالهم ما شاهدوا فيها من كنوز، كنوز لم تجل بخاطرهم يومًا، عشرات من الصناديق المليئة بالجنيهات الذهبية والألماس واللؤلؤ والحرير وبعض التحف الفنية المسيحية سحيقة القدم ثمينة القيمة، من ضمنها صليب غوا الملتهب المصنوع من الذهب الخالص والمرصع بالألماس والياقوت والزمرد.
كان ثقيلًا جدًا بحيث تطلب ثلاثة رجال لحمله، وكانت الكنوز هائلة لدرجة أن القراصنة لم يكلفوا أنفسهم عناء سرقة الأغراض الشخصية لمستقلي السفينة، واختاروا إطلاق سراحهم ومنحهم الحرية دون أي اعتراض لأي منهم، أما السفينة فقد استولى عليها وغيرها اسمها إلى المنتصر.
حين جاء موعد تقسيم الكنوز أخذ ليفاسور القدر الأكبر، واختار أن يتضمن نصيبه ذلك الصليب الذهبي، بعد هذه السفينة وهذه الكنوز العارمة لم يكن ثمة مبرر لـ ليفاسور بالاستمرار في القرصنة، لذلك فقد حمل نصيبه المقدر وحده بما يعادل حاليًا أربعة مليارات يورو، إلى مخبأ سري في إحدى جزره.
ساعده في نقله عدد من الأعوان، ومع انتهائهم من وضعه في المخبأ المختار، وعبر حيلة مجهزة منه مسبقًا أسرهم ليفاسور، وقتلهم واحدًا تلو الآخر، حتى يبقى سر الكنز مختبأ عن أي أحد سواه، بعد علمها بما صنعه ليفاسور، خاطبته الحكومة الفرنسية بعفو عام عنه في مقابل ان تقاسمه كنزه لكنه رفض بشدة.
فرارًا من فتك الدول الباحثة عنه، قرر العيش مختبئًا في أرخبيل سيشل، حيث ظل هناك أكثر من ست سنوات، لكنه لم يستغن خلال هذه المدة عن ركوب البحر فعمل قبطانًا لبعض السفن التجارية، قبل أن يلقى القبض عليه عام 1730 بالقرب من فورت دوفين في مدغشقر.
نُقِل ليفاسور بعد ذلك إلى جزيرة ريونيون التابعة لفرنسا، حيث حكم عليه بالإعدام شنقًا، وتم ذلك في الخامسة من مساء يوم 7 يوليو 1730، لكن قبل لحظة التنفيذ نزع قلادة من عنقه، وألقى بها على الحشود وصرخ فيهم قائلا: "من سيجد كنزي هو من يفهمها!".
نفذت السلطات الفرنسية فيه الحكم على الفور بعد كلماته، واستطلعت الحشود القلادة الملقاة عليهم فإذا بها تحتوي شفرة من 17 سطر، مكتوبة بأبجدية غريبة، تداول كثيرون هذه الشفرة بحثًا عن حل لإلغازها، وتلقفها صائدو الكنوز من كل حدب وصوب سعيًا وراء ما تخبئه من ثروة لكن دون جدوى.
ظل البحث جاريًا على مدى أكثر من قرنين، بحثًا لا هوادة فيه وصولًا إلى العام 1923، حين عثرت إحدى النساء على منحوتات صخرية في جزيرة ماهيه بدولة سيشل، رشح المسؤولون لهذه المنحوتات أن تكون من صنع القراصنة، وأن تكون ذات صلة بكنز ليفاسور المختبئ خلف شيفرته الشهيرة.
بعد الفحص والتدقيق في أرجاء المكان، استطاعت السلطات العثور على تابوتين يحتويان على جثتين، ومن أقراط الأذن الذهبية التي يحملها الهيكلين تأكد لهم أنهما قرصانين، لكن لا وجود لكنز في المكان، ومع هذه النتيجة فتحت القصة ذراعيها مجددًا للمجهول، وظل لغزها معلقًا في الهواء ينتظر من يحله.
في عام 1949 أصيب ريجنالد كروز ويلكنز بالملاريا ونصحه الأطباء بالاستشفاء في سيشل، هذا هو المكان الذي اتصل فيه بطريق الخطأ بعملية البحث عن الكنز، في البداية اعتقد أنها مزحة، لكن مع قدرته على فك إلغاز الشيفرة وربطها ببعض الوثائق استمر في البحث عن الكنز حتى وفاته 1977.
لم يسفر بحث كروز عن الوصول إلى شيء إلا بندقية ليفاسور وبعض التماثيل فضلًا عن بعض العملات الذهبية قليلة العدد، بعد وفاته أكمل ابنه كروز مسيرته في البحث عن الكنز ولا يزال مستمرًا بها حتى اليوم، وسط اكتشافات له يقول أنها مثيرة، لكن ما يعوقه بحسب قوله هو التعاطي الحكومي والتصاريح.
من هذه القصة استلهم الروائي روبرت لويس ستيفنسون روايته "جزيرة الكنز" والتي تحولت لعدد من الأعمال الفنية أشهرها مسلسل الأنمي جزيرة الكنز، كل هذا ولا يزال الكنز مختبئًا يبحث عمن يجده دون جدوى،
هل تتوقع يومًا ما أن يحصل عليه أحدهم ؟!

جاري تحميل الاقتراحات...