Idriss C. Ayat 🇳🇪
Idriss C. Ayat 🇳🇪

@AyatIdrissa

32 تغريدة 140 قراءة Feb 25, 2022
جيوبوليتيك الصراع الروسي-الأوكراني: الجزء 2 (الأمن)
•(حرب الخطوط الحمراء: روسيا- الناتو)
بالنسبة للقوى الكبرى يسود منظور الفيلسوف فريديريك نيتشه، القائل: "إنّ الغايات المُثلى تبررّ الحرب"
يدرك كل ملم بجيوبوليتيك من هذه الخريطة👇🏾 إحاطة الناتو بروسيا من كل جانب، وهو هاجس أمني
طالما فسرته روسيا🇷🇺 بأنه طوق اللؤلؤ من حلف شمال الأطلسي (الناتو) واعتبرته، محاولة لمحاصرتها من قوى معادية، وهذو خطّ أحمر كانت قوى الناتو وأوروبا وعدت بعدم تخطّيه، في أكثر من مرة.
ما هي القصة؟
أمس أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إطلاق عملية عسكرية في إقليم دونباس شرقي أوكرانيا.
وقال بوتين في كلمة متلفزة فجر الخميس إن "المواجهة بين روسيا والقوى القومية في أوكرانيا لا مفر منها"، فاجتاح البلاد في حرب مستمرة حتى الآن.
لكن كيف انزلق الوضع إلى هذا "التنمر السياسي" ؟ هل روسيا "بلطجية" كما يصفها خصومها؟ للإجابة على السؤال دعونا نرجع إلى وراء، قليلا في التاريخ.
•ثمة حدث مهم، يتناول بتحليل أقلّ في الإعلام الغربي، وهو حدث يرجع إلى خواتيم القرن العشرين، بالتحديد 9 فبراير 1990، وهو ضروري في المنظور الجيوسياسي الروسي، لفهم التهديد الأمني الذي يشعر به روسيا الاتحادية راهنًا.
ففي التاسع من فبراير 1990، في خواتيم انهيار الاتحاد السوفياتي؛
اجتمع وزير الخارجية الأميركي آنذاك "جيمس بيكر" بالزعيم السوفياتي "ميخائيل غورباتشوف" حول مستقبل الأمن الأوروبي، وخاصةً مستقبل ألمانيا، فمع سقوط جدار برلين، توشك أوروبا على توحيد ألمانيا الغربية، بألمانيا الشرقية، لكن الأخيرة تحت السوفيات. وكان الروس -بحسن نية- مستعدين للتنازل
عن ألمانيا الشرقية، بضمان غربي أنّ الناتو لن يستقر لا في ألمانيا الشرقية، ولا في دول أوروبا الشرقية التي تحسبها روسيا مناطق نفوذ لها، وكذلك مناطق عازلة تحميها من تطويق عسكري غربي( الناتو)، حماية لأنها القومي والإقليمي. ومن يفهم في الجيوبوليتيك يدرك أن الطلب الروسي شرعي، فلا توجد
دولة ترضى بتمركز أعدائها في فنائها الخارجي..
والغرب الذي بحاجة إلى تعاون الروس في توحيد ألمانيا، أعطى الضمان، وأطلق "جيمس بيكر" جملته الشهيرة "لا بوصة واحدة شرقا"، في تأكيد صريح على عدم نيّة أمريكا توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقا.
•الإشكالية: أنّ أمريكا -الغرب-
ترفض الاعتراف بأنّها أعطت تلك الضمانات، باعتبارها ليس مكتوبة ولم تصدق عليها أحد، حتى تلتزم بها. بل ادّعت في بعض تصريحاتها أنّ الضمانات المزعومة مجرد " قصة مختلقة تنضوي تحت البروباغاندا السوفياتية"
ورجّع جموع كثير من المحللين جذور أزمة أوكرانيا الحالية إلى تجاهل غورباتشوف
تقنين الوعود الشفهية، للغرب، واكتفائه بتأكيدات لفظية بأنّ الناتو لن يساهم في تشكيل حلف مناهض لروسيا قد يصل إلى حدودها.
لكن وفقًا، لتطورات أخيرة؛ بينّت وثائق خاصة عن الاجتماع -رفعت عنها السرية- أن العديد من قادة الدول الأوروبية رضوا بتلك "الاتفاقية السرية" وكانوا يرفضون عضوية
أي من دول أوروبا الوسطى أو الشرقية في حلف الناتو في بواكير تسعينيات القرن المنصرم. وهو ما يعطي الشكاوى الروسية المتلاحقة -حول تضليلها بشأن توسيع حلف شمال الأطلسي- الكثير من المصداقية في نظر الكثيرين. بعبارة أخرى، إنّ روسيا لديها كامل الحق للدفاع عن أمنها القومي، والإقليمي
في هذا الإطار، ردًا على سياسة سوء النية التي طبقها الغرب.
وأثناء جميع ما يحدث وقتئذ، ثمة رجل مجهول، سيكون له شأن يُدعى "فلادمير بوتين" يعمل كموظف مغمور في المخابرات الروسية "KGB" برتبة "كولونيل"، ما يعني أنه كان في الصفوف الأمامية لمراقبة تلك المفاوضات الدبلوماسية.
بعد فترة،
نكثت الولايات المتحدة بوعدها، بتوسيع تحالفاتها العسكرية، فبعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991م ضمت في عام 1999م هنغاريا🇭🇺، وجمهورية التشيك🇨🇿، بولندا🇵🇱.
ثم في عام 2004م - تحت مرأى فلاديمير بوتين الذي أصبح رئيسًا- ضم الناتو بلغاريا🇧🇬 إستونيا🇪🇪 ليتوانيا🇱🇹 لاتفيا🇱🇻، سلوفاكيا🇸🇰 و
سلوفينيا 🇸🇮، رومانيا 🇷🇴، ثم لاحقًا، ألبانيا🇦🇱، كرواتيا🇭🇷، الجبل الأسود🇲🇪، ومقدونيا الشمالية🇲🇰.
بتعبير صريح صفعت الولايات المتحدة روسيا في وجهها، بانضمام 14 دولة جديدة في مخالفة صريحة لوعدها وضماناتها، وهي صفعة تحاول الغرب تكرارها مع أوكرانيا🇺🇦 التي تقع على الحدود المباشرة
لروسيا، وهو الخط الأحمر الذي وضعه الرئيس بوتين، ودونه الدخول في حربٍ لن تبقي ولن تذر، فزوال العالم أهون لدى الروس من انضمام دولة في حدودها في الناتو تقودها الولايات المتحدة النووية، التي ترى في النتيجة أنّه الشيء ذاته.
إذنْ أوكرانيا، جورجيا🇬🇪، بيلاروسيا🇧🇾 هي الدول
التي تمثل المناطق العازلة المباشرة، إذن الأمن القومي الحيوي لروسيا الاتحادية، ما يجعل من انضمام أي واحدة منها إلى حلف الناتو، يُنظر من قبل روسيا، على أنّه يتجاوز تهديداً محتملاً ( potential threat ) وهو تهديد مباشر ( real threat ).
المثير للاهتمام، أنّ جموعًا من الخبراء
الغربيين أيضًا يدركون هذه الحقيقة، بل يرون أن الخط الأحمر الروسي مشروع، فالولايات المتحدة نفسها لن ترضى بقوة خصمة (روسيا مثلا) أن تكون قوى متمركزة على حدودها مع المكسيك🇲🇽. بل المرة الوحيدة التي هددت الولايات المتحدة باستخدام القوة النووية إبان الحرب الباردة كانت لما اقترب
الاتحاد السوفياتي النووي على حدود أمريكا بتنصيب صورايخه في كوبا 🇨🇺، ما عرفت ب" الأزمة الكوبية"، وقد رضخ الاتحاد السوفياتي للتهديد الأمريكي فوراً وسحب الصواريخ.
إذنْ يتساءل العديدون اليوم، لماذا لا يتبع الغرب السلوك العقلاني الرشيد، بالتنازل عن ضم أوكرانيا في الناتو، كما انسحب
الاتحاد السوفياتي؟ في الأزمة الكوبية.
وبحسب " كير جايلز" خبير الشؤون الأمنية الروسية، إن الفكرة القائمة على حنث الناتو بوعده بعدم ضم أي عضو جديد في أوروبا الشرقية هي إحدى الأفكار الأساسية التي توجه وجهات النظر الروسية تجاه الغرب العدواني.
بل صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكيّة
المرموقة أشار في مقال له أنّه “لا يمكن اسْتِبْعاد قلق السيد بوتين تماماً. فإذا انضمت أوكرانيا إلى الناتو، سيكون للحلف حدوداً برِّية طولها 1200 ميل مع روسيا، وهو وضع لن تقبله أي قوة عظمى، بغَضّ النظر عن مدى رفع حلف شمال الأطلسي صوته عالياً مُدّعياً بأنّ دوره دِفاعيٌّ بحْت”.
•حدث آخر مهم، لا يفض الغرب الغبار عنه، حدث عام 31 مارس 2008م وهو قمة "بوخارست" في عاصمة رومانيا🇷🇴، بين مفوضية الناتو وروسيا، بحضور الرئيس "بوتين"، تمحورت كلها حول خطوط بوتين الحمراء.
وذلك عقب بدأ الناتو مغازلة الدول الحدودية لروسيا بغية ضمها، سافر بوتين نفسه إلى مقر الناتو،
لتقديم آخر تحذير لحلف الشمال الأطلسي، واضحًا أنّ توسع الناتو المقلق تم قبولها، لكن الدول الحدودية الثلاثة والتي تضم بيلاروسيا🇧🇾 جورجيا🇬🇪 أوكرانيا🇺🇦 تمثّل مناطق عازلة بين روسيا والتهديد الذي يراه في الناتو، وبالتالي تمثّل تلك الدول خطوطًا حمراء لروسيا.
هي قمة لا يشار
إليها كثيرا، رغم أهميتها، بوصفها تمثّل نقطة تحوّل تاريخية في العلاقات الروسية-الغربية.
في ختام القمة في 2008م قال بوتين: " إن روسيا تعتبر توسيع الناتو شرقاً بمثابة تهديد مباشر للأمن والاستقرار الروسي" وأضاف: "دعونا نصبح أصدقاء... نتعامل بصراحة مع بعضنا البعض" كما هدد بوتين بأن
بأن أي محاولة لضم جورجيا في الناتو " ستدفع روسيا إلى ضم أقاليم أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، لخلق منطقة عازلة بين روسيا ودول الحلف". أرجو عدم نسيان هذا التهديد لأننا سنعود إليه قريبًا.
وفي هذه السياقات التي دعت المستشارة الألمانية السابقة "أنجيلا ميركل" إلى مزيد من الحوار لطمأنة
موسكو، التي وصفتها بالشريك للغرب.
لتحدث المفاجأة بعد فترة وجيزة، فالغرب الذي لا يحفظ عهدًا أبدًا، قامت بفعل الشيء الوحيد الذي طلب روسيا منه عدم فعله.
بعد أشهرٍ من القمة، قام أعضاء الناتو بمغازلة صنّاع القرار في جورجيا، في تحدٍ صريح لروسيا، في محاولة لضمها.
في حلف الناتو. ليأتي الرد الروسي، في شهر أغسطس 2008، مطابقًا فعاله بأقواله. حيث غزت روسيا جورجيا، وأهان جيشها في عدة أسابيع، ثم احتل بوتين -كما هدد- أقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ذوات الأغلبية الروسية. في وقتها، عملت القوى الغربية على تجاهل ضماناتهم في قمة بوخارست،
والدور السيء الذي لعبته في إغراء جورجيا لضمها في الناتو!
الرسالة الروسية كانت واضحة: لا يجب التهاون بالخطوط الحمراء الروسية المهددة لأمنها ووجودها من قبل قوّة معادية، وإلا يجب دفع الثمن وباهظًا.
جميع ما سبق يفضي بنا إلى الأزمة-الأوكرانية الراهنة.
الأزمة الروسية-الأوكرانية الراهنة: لعبة الشطرنج بين روسيا 🇷🇺 والناتو- الضحية أوكرانيا 🇺🇦)
ترتيبًا على جميع ما سبق، نلاحظ أنّ الأزمة الراهنة ليست مفاجأة ولا خارجة عن المألوف، فكل ما في الأمر أنّ بوتين يدافع عن خطوطه الحمراء.
لكن نقطة أخرى جديرة بالإشارة عن قمة " بوخارست" ل2008م
فقد صرّح بوتين بتهديد آخر قائلاً:" أما أوكرانيا فليست دولة بالمعنى المألوف، فجزء منها في أوروبا الغربية، والجزء الآخر نحن- روسيا منحناها إياها" في إشارةً منه إلى أنّ أية محاولة لضمها ستعمل روسيا على تقسيمها وربما محوها من الخريطة بتفكيكها واسترجاع الأجزاء التي منحتها إياها روسيا
وقد شرع بوتين في تنفيذ تهديده ذلك منذ عام 2013-2014 مع ثورة الميدان في أوكرانيا، حين كان انضمام الأخير في الناتو-حينها- وشيكاً، قام بضم "شبه جزيرة القرم" تطبيقا لتهديده، وفاتحة لعملية استعادة الأقاليم الشرقية التي تعتبر روسية في الواقع، بحكم منحها إياه، كما في قمة "بوخارست".
فكما تم الإشارة إليها، تعتبر روسيا الدول الثلاثة مناطق عازلة تفصلها عن دول الناتو في حالة حرب محتملة، وجميع الترتيبات الأمنية والمناورات وضم الأقاليم محاولات استراتيجية لإبطاء تقدم حلف شمال الأطلسي الذي يسعى لتطويقها من جميع الجهات
ثم في النهاية، تعتبر أوكرانيا منطقة نفوذ روسية،
وأرض سوفياتية، بل إنّ الأقاليم الشرقية جميعها " روسوفونية" (التي تتحدث الروسية)، وقد أعرب العديد منها رغبتها في الاستقلال والانضمام للوطن الأم روسيا في غير مرة. أو على الأقلّ، هكذا تفسرها روسيا🇷🇺.
أما الخط الأحمر بيلاروسيا🇧🇾 فباتت حليفة لروسيا، ما يبعدها من احتلال روسي!
الخاتمة (الجزئية)
بات جليا أن أزمة أوكرانيا🇺🇦 لعبة شطرنج♟ بين الناتو، العدواني وبين روسيا الاتحادية🇷🇺 التي تزعم أن لها خطوطا حمراء.
أما أوكرانيا -الضحية- كانت دمية ملعوبة بها، ولم تتعلم الدرس أن الغرب الذي تخلى عن جورجيا🇬🇪 بعد الوعود الكاذبة سيفعل بها نفس الشيء!
إدريس آيات!

جاري تحميل الاقتراحات...