١- أبن رشد
مرّ على تاريخنامجددون وفلاسفةومفكرون،قدّموا لنا رؤى جديدة،وأفكارامختلفة،ولكن تم اغتيالهم معنويا وحُوربوا وقُتلوا،ولم تكن فى بلادنامؤسسة تمتلك شجاعةالكنيسة لتعتذر لهم كما اعتذرت الكنيسة الكاثوليكية للعالم الكبير جاليليو وصنعت له تمثالا وضعته فى إحدى قاعات «الفاتيكان»
مرّ على تاريخنامجددون وفلاسفةومفكرون،قدّموا لنا رؤى جديدة،وأفكارامختلفة،ولكن تم اغتيالهم معنويا وحُوربوا وقُتلوا،ولم تكن فى بلادنامؤسسة تمتلك شجاعةالكنيسة لتعتذر لهم كما اعتذرت الكنيسة الكاثوليكية للعالم الكبير جاليليو وصنعت له تمثالا وضعته فى إحدى قاعات «الفاتيكان»
٢-وقد كان الفيلسوف المسلم ابن رشد الذى اشتهر بـ«ابن رشد الحفيد» يسبق جاليليو بنصف قرن من الزمان، وكان زمن ابن رشد غير زمننا، فأهل تلك الأزمنة القديمة لم يكونوا متخصصين فحسب ولكنهم كانوا موسوعيين، لذلك كان ابن رشد فقيها وطبيبًا وفيزيائيًا وفلكيًا وفيلسوفًا وقاضيًا
٣-وكان له بالمختصر باع طويل فى كل علم من علوم زمنه،فكان أن اشتُهر بـ «الفقيه الفيلسوف» ورغم أنه بدأ حياته على المذهب الأشعرى،فإنه عندما استقام عوده،أخذ يوجه الانتقادات للأشاعرة،ثم تخرج فى الفقه على المذهب المالكى الذى كانت له سطوته فى بلاد الأندلس فأصبح فقيها له باع طويل في الفقه
٤-إلا أنه تحرر من المذهبية وانطلق فكريًا ليؤسس مذهب الفكر الحر، ثم قرأ ابن رشد لـ«أرسطو» ثم «أفلاطون»، وشغف بهما، فقام بترجمة معظم ما وصل إليه من فلسفة أرسطو ومن كتب أفلاطون، ثم انتهى إلى: أنك تستطيع أن تصل إلى الله عن طريقين، إما النصوص،وإما الفلسفة، فكلاهما عنده يكملان بعضهما
٥-ولكن مشكلة الرافضين لابن رشد أنهم لم يفهموا منهجه القائم على أنه لا إمام للإنسان إلا العقل، العقل عنده مقدم على النص في حالة التعارض، ليس العقل فقط ولكن مع الأخلاق الذوق البديهي واعتبروا أنه بذلك يرفع العقل على النص الدينى الذى أنزله الله على رسوله
٦-ويرد ابن رشد على كتاب أبى حامد الغزالى «إحياء علوم الدين»بقوله:«كأنما علوم الدين قد ماتت وجاء الغزالى ليحييها»ثم يرفع ابن رشد من قدر الفلسفة فيقول:«إن ما قيل من مخالفة الفلسفة للشرع دعوى باطلة،فالفلسفة صاحبة الشريعةوأختها الرضيعة»لاتعارض إذن بينهما،ولكن الناس أعداء الذى يجهلونه
٧-وفقهاء عصر ابن رشد يمقتون الفلسفة ولايعرفون ماهيتها،كما أنهم يضيقون ضيقاشديدامن إعمال العقل،ويبدو أن إعمال العقل عندهم كانت بضاعة الفلاسفة فقط أما هم فلايعرفون غير النقل مع إبعادالعقل عن الاجتهاد فى النص،أو إنكار قدسيته إذا ما تعارض مع العقل
٨- لا يعرف علماء عصره وأتباعهم في عصرنا الحالي أنه كلما استعمل الإنسان عقله وارتقى به ارتقى فى مدارج الإنسانية.والعقل عند ابن رشد ليس مجرد آلة للحفظ، ولكنه آلة قادرة على إدراك الموجودات بأسبابها،وأن معرفة المسببات بتمامها لا تكون إلا بمعرفة أسبابها
٩-وهو الأمر الذى نعرفه فى المنطق بارتباط النتائج بمقدماتها،فلا شىء يأتى بغتة دون أن يكون له مُسبب،فالنار لاتشتعل إلا إذا كان هناك مُشعل لها،سواء كان إنسانا أو ظاهرة كونية،ولذلك حدث خلاف بين الصوفيين وابن رشد،إذ إن المعرفة عندهم تُقذف قذفًا داخل النفس الإنسانية دون سبب أو علة
١٠-ومن هنا كانت النكاية بابن رشد، ويبدو أن أعداء ابن رشد حاولوا النكاية به أكثر من مرة، ففشلوا فى أول الأمر لأن الخليفة الأندلسى المنصور كان فى بداية عهده مُحبًا للفلسفة، وكان ابن رشد عنده مقربًا، فهو الذى قام بشرح فلسفة أرسطو
١١-حتى إن ابن رشد عُرف بالشارح وذلك لأنه عكف على شرح ما وصل إليه من فلسفة أرسطو،ولكن النفس البشرية تتقلب من حال إلى حال، فسرعان ما أصاب الملل المنصور من الفلسفة والفلاسفة واتجهت نفسه إلى الصوفيين والصوفية، وكان ما بين ابن رشد والصوفيين ما صنع الحداد
١٢-فإذا بأعداء ابن رشد ينشطون ويقدمون الوشايات للخليفة ضده، ويتهمونه بمعاداة الشريعة وتغليب العقل عليها، وكان ابن رشد حينها قد اقترب من السبعين، وتمكن الأعداء من قراءة بعض فقرات من مؤلفات ابن رشد فى مجلس الخليفة، وتمكنوا من إخراجها من سياقها وتأويلها ضد مقصدها، فغضب الخليفة عليه
١٣- وانعقدت المحاكمات له، فكان أن أصدر القاضى حكمه ضدهم بالنفى بعد التعذير والتعنيف والتجريس.وبدأ أعداء ابن رشد فى تأليب العامة عليه،ويا لهف قلبى عليك يا ابن رشد والناس كالخراف والبهائم تسير أمام من يسوقها بداعي الدين والحفاظ على ثوابته، وكأن من فكر بطريقة تختلف عنهم قد هدم الدين
١٤-ورغم ان ابن رشد كان فقيها إلا أن تخصصه في الفقه لم يشفع له، فهم يرفضون المتخصص وغير المتخصص الذي يفكر بطريقة تختلف عنهم، حتى إن ابن رشد وولده دخلا مسجدًا فى قرطبة فثار الناس ضدهما وطردوهما من المسجد بعد أن كادوا يفتكوا بهما
١٥-والرجل يجرى وولده يمسك يده، فقد بلغ ابن رشد من الكبر عتيًا، والناس لا توقر كبيرًا تم اتهامه بالهرطقة والكفر، وصدق شوقى أمير الشعراء حينما قال عن الغوغائين: يا له من ببغاء عقله فى أذنيه، وهؤلاء الببغاوات قاموا بحرق كتب ابن رشد وهم يكادون يطيرون فرحًا وكأنهم تخلصوا من شر مستطير
١٦-ولم يشفع لابن رشد أن الخليفة عفا عنه بعد ذلك، بل ظل صاحبنا مكروهًا متهمًا فى دينه حتى مات.وتمر الأجيال ويكتب علماء المسلمين الكتب والتشنيعات على ابن رشد، ويتهمه ابن تيمية بالكفر تارة وبالزندقة تارة أخرى، وتنتقل فلسفة ابن رشد وترجماته لأرسطو وأفلاطون إلى أوروبا
١٧-وتلقى أفكاره رفضا من رجال الدين،حتى إن أسقف باريس عام ١٢٧٧ميلادية حظر أفكار ابن رشد بعد أن كان قد أدانها،وقام دانتى بوضع صورةابن رشد فى الجحيم فى تحفته«الكوميديا الإلهية»ولكن هذا لم يجعل العقل الغربى العلمي مستهجنا أفكار ابن رشد،بل أخذها وجعل منها «اليقظة الكبرى للعقل الغربى»
جاري تحميل الاقتراحات...