كنتُ جَميلا ذاتَ يوم، عشرينيا، منطلقا، شاعراً، ومشروع نجمٍ واعدٍ في سماءِ الثقافةِ في عُمان. حصدت جوائز أدبية، وصرت مشروع إعلاميٍّ صاعد. كنت مستخفا بكل هذا، ظننته واقعا لن أخسره، وقال كثيرون: هذا الفتى سيكون له مستقبل كبير!
ولكن ذلك الفتى، عاش حياةً مغايرة، وذهبَ بنفسه للشقاء.
ولكن ذلك الفتى، عاش حياةً مغايرة، وذهبَ بنفسه للشقاء.
بدأ ذلك الفتى الكتابة، واختارَ أن يكتبَ في هموم الناس، وفي شؤونهم. كان صادقا في بدايته، يكتبُ وهو يبحث عن السلامة أولا، يحاول ألا يصطدمَ بمن لديه القدرة على سحقه وإيذائه. وأصبح ذلك الفتى مدونا لامعا، واعترف به الناس، وأحبَّ كثيرون، لأنَّه [كان صادقا]. وقال الكثير من الحق.
وكذلك ظنَّ ذلك الفتى أنَّه محصّن، أنَّ الغرور لن يداخله، وأن الأنانية لن تدخل قلبه، وأنَّه لن يتحول لإنسان سيء. وها هو في الخامسة والعشرين وقد أصبح قلما تتناثر حروفه وكلماته في مجتمع كامل. وكان مستخفا بكل ذلك الحب، وبدأ يميل، وبدأ يصبح أنانيا، ثم بدأ التحول إلى مسخٍ يسبب الحسرات.
ليتَه أصبح مطبلاً، أو مهادنا، ليته أصبح مدَّاحا، ليتَه أصبحَ مبرراً، لقد نبذَ كل ذلك ليكون أقبحَ من كل هؤلاء، لقد أصبح مسخا مؤذيا، وفي وقتٍ حرجٍ، وصعبٍ، أصابت سهام كلماته أبرياء لن يشفوا منها مهما امتدت بهم الأعمار. ذلك الفتى اللامع، أصبح مسخا! ولم يعد يستطيع أن يحب أحدا أو شيئا.
لقد استخف ذلك الفتى بالحياة، وبالحب.لم تكفِه خياراته الغبية، أضاف لها خيارات أخرى، وأصبح مدمناً، مفلساً، وأحاطَ نفسه بكل من يشبهه في القذارة،وغرق في المستنقع القبيح حتى ظنَّ أنَّه لن يخرجَ منه، وأنَّا لا فلات ولا نجاةَ.
لقد استخف ذلك الفتى بحبِّ الله له، فكان أن عاقبه بما استحق.
لقد استخف ذلك الفتى بحبِّ الله له، فكان أن عاقبه بما استحق.
واكتملت أركانُ المأساة، وانتصر القبحُ، وانتشر الصديد. وبدأت حكايةٌ مغايرةٌ ذلك الفتى، ليتحدى الله وعباده، والسلطان وجنوده، والثقافة وكلماتها. كان يتحدى كل شيء، وياللعجب! لقد ظنَّ وقتها أنه أصبح جميلا، وظنَّ أن ما يفعله هو [الصدق]. لم يكن يعلم أنَّه خسر نقاءه، وأصبح قبيحا.
ومن شاعرٍ مفوَّه، إلى صاحب البثوث المباشرة، التي تفنن فيها كمسخٍ مستجد، يشتم أباه لمدة ساعتين. ثم يهاجمُ الجميع، وبعدها يتفرغ لنفسه، فيسحقها، ويمرغ بها الطين، ويلعنها، قبل أن يعود إلى دائرته السابقة، ومخدراته المتنوعة، وعقاقيره الوفيرة. لقد أصبح مأساةً عامَّةً بلا حل!
ولم يكفه الخمر، أو الحشيش، أضاف لذلك ما تيسر من عقارات الهلوسة، ذلك الفتى الذي تسميه أمَّه [كبير الشيمة]، الذي يقدسها، ويحبها أصبحَ يتفوَّه عنها بأقبح الكلام، وكره الجميع، عائلته، ووطنه، ومجتمعه، وأصدقاءه، وأصر على أن يحب من يكرهه، وأن يكره من يحبه!
يا لها من وصفة كارثة!
يا لها من وصفة كارثة!
وفوق كل الكيمياء التي دمَّر بها نفسه، أضافَ لذلكَ الصدامَ الذي كان يكفي لينعتق من كل ما استخف به. وأن يهرب من الحب إلى فيوض الكراهية، وأن يقبل أنَّه مسخ، وقبيح، وأن يحاول بكل جهده أن يكون سيئا. ونجح في ذلك، نجحت أمنيته، وأصبح مشوها، وقبيحا. أصبح حكاية حُزنٍ وحسرة، وشماتة!
وامتدت سنواتُ الحكاية أطول مما يجب. [كبير الشيمة] يتصل بأمِّه ليقول لها شتى القذارات، يشتم كل فرد في عائلته، يهاجم أي شيء، وكل شيء، فهو الخاطئ الأكبر، والقذر الأكبر، وكان يجب أن يكافئ حقارته بشتى أنواع التخيل، كان كثير الكلام، قليل الأفعال، كثير الخيال، قليل الواقع!
ولم يكفِه ما يحدثُ له في بلادِه، لقد أضاف إلى رصيد عدائيته خصوماجدداً، وأكرمَه الله بالنجاةِ من حيث لا يحتسبُ. أكرمه الله بالألم، وأكرمه الله بالسجن،وأنعم الله عليه بالشقاء الذي في موضعِه.
وعلمَ الفتى في قلبِه وتقين، أنه لم يفقد ثقته بالله بعد. لكن الطريق طويل، والمأساة مستمرة.
وعلمَ الفتى في قلبِه وتقين، أنه لم يفقد ثقته بالله بعد. لكن الطريق طويل، والمأساة مستمرة.
لم يكن ذلك الفتى شجاعا ليواجه نفسه، لكن الله وضعه في المكان الملائم، مع أصعب خصومِه. أنعم الله عليه بالألم الذي أنجاه من ذاتِه. وبعدها، عندما أحبَّ قلبُه الله، وهو في قلبِ مأساته، أنجاهُ الله من حيث لا يخرج الناجون!
وقرر الهرب من كل شيء، وحاول أن يعودَ لمأساتِه. ولم يستطع!
وقرر الهرب من كل شيء، وحاول أن يعودَ لمأساتِه. ولم يستطع!
ومرَّت السنوات، وهو يتخبطُ يمنةً ويسرةً. وأخذَت نعم الله آثارها ببطء شديد. وتعلّم أن يحب الحب، وأن يأخذ من الحياة متيسرها، وأن يعرف أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأنه المنتقم الجبار. تقبل ذلك الفتى حزنه، تذكر أنه شاعر، وتعلم أن يحبَّ، قطرةً فقطرة، وكان أن أنجاه الله مجدداً.
وتعلم هذا الفتى درسَه، تعلم من حياتِه ما يكفي لكي يكون شبحا، ومن مأساته ما يكفي لكي يكون إنسانا. ولم يعد يستخف بالحب، ولم يعد يصدق ذاتَه كما كان. تعلَّم الحياة لأنها واجب، وتقبَّل الأمل لأنه وهم اضطراري في غيابِه لا يحدث إلا الموت، أو ما هو أسوأ، أن تصبح جمادا على قيد الحياة!
وقيض الله له من ينتشله من مأساته، وألهمَه الله أن يحب. وتعلَّم درسَه الصعب، وتقبل ما عاقبه الله به. تقبل خساراته، وتقبل ذاكرته المريرة، وحسمَ الشعرة بين خيالِه وواقعه. وحاولَ العودةَ كثيراً، وكتبها الله له في وقتِها، وفي آنِها. ذلك الفتى، لم يعد يستخف بنعم الله عليه.
وتعلَّم ذلك الفتى، أن الطمأنينة أهم من السعادة. وأنَّه لن يكون جميلا كما يتمنى. تعلَّم أن يحاول، أن يحاولَ حبَّ الخير، تعلم أن يحاولَ، وفشل في أن يكون خيّرا، لكنه نجح في ألّا يكون شريرا.
سيعيش ذلك الفتى آلامَه للنهاية، وسيتعلم يوما ما أن ينسى، فالمشوار ليس قصيرا.
سيعيش ذلك الفتى آلامَه للنهاية، وسيتعلم يوما ما أن ينسى، فالمشوار ليس قصيرا.
واليوم، تعلّم أن يتذكر. تعلّم ألا ينسى. وها هو يعيش اختبارَه مرة أخرى، لكنه هذه المرَّة، يعرفُ أين هو الشيطان الحقيقي، ويعرفُ من هو العدو الحقيقي، ويعرفُ أنَّ أخطرهم هو نفسه على نفسه، تعلم هذا الفتى أن المعركة في الداخل، وأن الظروف الخارجية قد تمنع السعادة، لكنها لا تصنعها.
وتعلمَ ألا يحب عدوه، وألا يعادي محبَّه. تعلم أن يُنصف الحب. تعلم أن يحمي نفسه، وتعلم أن يلجأ لله، وأن يثق بقدرته، وأن يقر بعبوديته لخالقه، وأن يحاول أن يفعل خيرا، وإن لم يستطع.
لقد تعلم أن يدافع عن نفسه، وأن يحافظَ على من يحبه. وأنّه يستحق ــ ككل إنسان آخر ــ
يستحق الحياة!
لقد تعلم أن يدافع عن نفسه، وأن يحافظَ على من يحبه. وأنّه يستحق ــ ككل إنسان آخر ــ
يستحق الحياة!
جاري تحميل الاقتراحات...