محمد عبدالله
محمد عبدالله

@Edc2ZF6aXYLZox0

21 تغريدة 250 قراءة Feb 23, 2022
محنة الإمام الطبري: قصة إمام قتله التعصب
يعتبر الإمام الطبري من كبار أئمة الإسلام وعلم من أعلام الدين، يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من معاصريه، فقد كان حافظًا لكتاب الله،
#مختلف_عليه_بين_السلف
عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال السلف من الصحابة والتابعين، بصيرًا بأيام الناس وأخبارهم.
محنة الإمام الطبري:كان المذهب الحنبلي هو المذهب السائد بأرض العراق خلال القرنين الثالث
والرابع الهجري، وذلك بفضل صمود الإمام أحمد -رحمه الله- في محنة خلق القرآن وهذا الصمود أعلى من شأن الحنابلة ورفع قدرهم في أعين الناس والعامة، وأقبلوا على تعلم العلم وفقًا للمذهب الحنبلي،حتى أصبح الحنابلة أغلبية بأرض العراق، وكان رأس الحنابلة بالعراق أبا بكر محمد بن الحافظ أبي داود
ولم يكن الرجل جديراً بهذا المنصب على الرغم من مواهبه وقدراته، ولكنه نال الزعامة الشعبية لدى الحنابلة؛ لشهرة أبيه الحافظ الكبير أبي دواد والذي يعد من تلاميذ الإمام أحمد المقربين له.
كانت بين أبي بكر وبين الإمام ابن جرير الطبري مشاحنات وخلافات، وكلاهما لا ينصف الآخر،
ووقع بينهما ما يقع بين الأقران في كل عصر ومكان، ولو وقف الخلاف بين الرجلين عند هذا الحد لكان الأمر هينًا يسيرًا؛ لتوافر أمثال هذه الخلافات في كل عصر، ولكن هذا الخلاف قد أخذ منحنىً جديدًا حتى تحول إلى محنة كبيرة للإمام ابن جرير الطبري.
تحول الخلاف الشخصي بين الرجلين لحملة شعواء على الإمام الطبري زاد من أورها التعصب والجهل ودخول عوام الناس في القضية، وهؤلاء أتباع كل ناعق، ووقود أي فتنة. ذلك أن الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود قد دفعهم التعصب المذهبي المقيت لأن يشنعوا على ابن جرير ويشيعوا عليه الأكاذيب
والأباطيل الذي هو منها براء، بل هو من أبعد الناس عما اتهموه به؛ ذلك أن الحنابلة قد أشاعوا على الإمام الطبري أنه من الروافض، ورموه بالتشيع والإمامية، وشعبوا عليه بشدة، وصدقهم كثير ممن لا عقول لهم إلا في آذانهم، وكان سبب هذا الرواج وانتشار هذه الشناعات عدة أمور منها:
تأليف الإمام الطبري كتاباً في اختلاف العلماء والمذاهب في الأمصار، وكان كتاباً ضخماً وحافلاً إلا أنه لم يذكر فيه المذهب الحنبلي، حيث كان يرى أن الإمام أحمد معدود من جملة المحدثين وليس من جملة الفقهاء، ولا شك أن هذا الصنيع منه فيه شيء من التحامل على الإمام أحمد، فمذهبه الفقهي معروف
ومدون وتلاميذه كانوا يملئون العراق، غير أن الإمام الطبري ربما كان معذوراً بأن المذاهب الأخرى كانت أقدم وأكثر شهرةً ورواجاً في العالم الإسلامي، ومذهب الحنابلة كان قاصراً على العراق فقط. المهم أن الحنابلة وجدوا في هذا الصنيع فرصةً للنيل من الإمام الطبري والتشنيع عليه
بكراهية الإمام أحمد، ثم بنوا على تلك المقدمة الفاسدة، نتائج أشنع مفاداها: أنه مادام الطبري يكره الإمام أحمد، إذاً فالطبري فاسد العقيدة، معتزلي أو شيعي رافضي!! وكانت هذه التهمة في هذا الوقت كفيلة بالإطاحة بأكبر الرموز والعلماء حتى ولو كانوا من طراز الإمام الطبري.
رفض الإمام الطبري لعقيدة " الإقعاد " التي كان يروج لها أبو بكر بن أبي داود. ومفاد هذه العقيدة أن بعض الحنابلة ومنهم أبو بكر يفسرون "المقام المحمود" بإجلاس المولى -جل وعلا- للنبي -صلى الله عليه وسلم- على العرش يوم القيامة . وقد كتب الإمام الطبري جزءاً بيّن فيه بطلان هذه العقيدة
والحديث الذي ورد في شأنها، وكان أبو بكر عدو الطبري نفسه من رواة هذا الحديث، مما زاد من كراهية أبي بكر وحزبه له. هذه الأمور وغيرها جعلت فصول المحنة تستحكم، وتضيق حلقاتها على الإمام الطبري، فبعد هجمة شرسة من الشناعات والأباطيل والأكاذيب بحق هذا العالم الجليل
قام الحنابلة بالتشويش على الطبري في مجالسه، وتنفير الطلبة من مجالسه، ومع ذلك ظل الإمام صابرًا محتسبًا مواظبًا على الدرس لا ينقطع عنه، حتى قام الحنابلة ذات يوم بسبه وشتمه أثناء الدرس، وأقاموه بالقوة من حلقة الدرس ومنعوه من الجلوس للتدريس، وألزموه القعود في بيته.
نقل الطبري دروسه إلى بيته فكان يجتمع مع طلبة العلم في بيته، فأغاظ ذلك الأمر عوام الحنابلة بشدة، فدفعهم التعصب المذهبي المذموم لأبعد دركات الغلو والظلم، حيث قاموا بمحاصرة بيت الطبري ومنعوه من الخروج من بيته، ومنعوا طلاب العلم من الدخول عليه، حتى إن كل طلاب العلم والحديث الذين
دخلوا بغداد سنة 309هـ لم يجتمعوا به ولم يرووا عنه شيئًا بسبب طغيان جهلة الحنابلة، ومنهم الإمام حسنيك بن علي دخل بغداد ولم يكتب شيئًا عن الطبري، وعندما علم أستاذه ابن خزيمة ذلك قال لتلميذه (حسنيك): "ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنهم وسمعت من أبي جعفر، وبئس ما فعلت الحنابلة بحقه".
ظل الطبري حبيسًا في بيته يعاني من الاضطهاد الشديد، ولا يدخل عليه أحد إلا القليل من خاصته، وكان قد جاوز الخامسة والثمانين وأنهكته السنون، ورحلات طلب العلم في شتى بقاع الأرض، وزادت المحنة من آلامه وأوجاعه، والجهلة والمتعصبون لا يردهم شيء، لا مكانة علمية ولا كبر سن، ولا مؤلفات
ومصنفات عظيمة في التفسير والتاريخ وغيرهما، وظل الجهلة محاصرين لبيت الطبري حتى حان وقت الرحيل في شوال سنة 309هـ، وقد ظل الطبري يردد الشهادة قبل موته عدة مرات، ثم مسح يده على وجهه وغمض بصره بيده، وبسطها وقد فارقت روحه الحياة.
وبلغت المحنة أوجها ووصل التعصب إلى ذروته،وظل الحنابلة على حصارهم لبيت الطبري حتى بعد أن بلغهم خبر وفاته،مما دفع أصحاب الطبري لأن يدفنوه في صحن داره برحبة يعقوب ببغداد،ولم يخرج الطبري من حصاره حتى بعد موته، ولكن هذا الحصار والتعصب المقيت لم يمنع الناس أن يأتوا إلى بيته للصلاة عليه
حتى إن الناس ظلوا عدة شهور يصلون على قبره ليلاً ونهارًا.
رحل الطبري عن دنيانا الفانية محاصرًا مظلومًا مضطهدًا من الجهلة والمتعصبين، وراح ضحية محنة مقيتة، وإن كان خصومه قد نالوا من دنياه، فإنه ولا شك قد نال من آخرتهم، وقد رفع الله -عز وجل- ذكره بين الناس وقام له سوق الثناء والفضل
@rattibha مشكورا رتبها

جاري تحميل الاقتراحات...