إبراهيم
إبراهيم

@I_Sharif13

15 تغريدة 2 قراءة Apr 12, 2023
قريت مقالة عن الصادق النيهوم، منشورة من سنتين تقريبًا، لكن تحمست لها بحكم أنها شيء جديد مكتوب عنه. وفورًا خاب ظنّي فيها للأسف، المقالة مشغولة بتلميع النيهوم، وهو تلميع أشعر أنه جاء دون اطلاعٍ كافٍ على أعماله، وأيضًا دون انتباه إلى أن بعض مواقفه الممدوحة في الواقع إشكاليّة.
مثلًا لا أعرف كيف يمكن أن يُقال إن النيهوم كان يتجاهل الخطابات القوميّة والشعبويّة الشائعة في زمنه وينظر نحو نهضة أوروبا وتقدّم أمريكا.
بدايةً لا أعلم كيف ما زال هناك من يظن أن النظر إلى أوروبا وأمريكا هو نظر إلى النهضة والتقدّم! يا خسارة كلّ اللي كتبوا وحكوا عن آفة التقليد هذه…
يا خسارة كلّ اللي كتبوا وحكوا عن آفة التقليد هذه، ومن بينهم النيهوم! كان النيهوم متأثّرًا بلا شك بالفكر الغربي، لكنه أيضًا كان ينتقد كثيرًا تقليد الغرب ويصرّ على ضرورة التعامل مع مشاكل مجتمعاتنا وفق ثقافتها وتراثها وتاريخها (كانت لديه نتائج عبيطة، لكن المنطلق كويس).
ومن اقتباساته الطريفة التي تعجبني قوله إن تقليد الغرب لحل مشاكلنا هو بمثابة استيراد بدلة طويلة لحل مشكلة قصر القامة (أو شيء كهذا). الموضوع باختصار يحتاج حلولًا مفصّلة على مقاساتنا، لا حلولًا مستوردة بسبب مظاهر سطحية وخلاص.
وغير هذا المثال، فالقوميّة (أو العروبيّة) أيضًا لها حضور في كتابات النيهوم. مواقفه من المرأة التي مُدحت في المقالة مواقف متناقضة، فهو في كتاب يعرض آراءً جيدة وفي كتاب آخر يعرض آراءً سيئة. الطريف أن المقالة تستشهد بكتاب "حديث المرأة" بصفته مثالًا على أفكاره الجيدة حول قضية المرأة.
الحقيقة أن كتاب "حديث المرأة" تطرّف فيه النيهوم في أفكار سيئة لحل مشاكل المرأة في المجتمعات العربيّة (وبالتحديد الليبي)، مثل فكرة مدارس منفصلة تدرّس النساء حرف يدوية ومهارات منزليّة لأن المرأة في مجتمعنا حين تتخرج مهندسة لن تحصل على ذات الفرص ولن تعامل مثل الرجل المهندس!
فالنيهوم لم يحل مشكلة انعدام المساواة أو الإنصاف، بل حاول ترسيخ ذلك وتقديم خيارات تأقلم! وحين قلتُ سابقًا إنه تطرَف في هذا الكتاب، القصد أنه تطرّف في معارضة الغرب والالتزام بثقافتنا حدّ أنه وصل إلى نتيجة ترسيخ المشاكل (ولذلك قلت لديه أحيانًا منطلقات جيدة ولكن نتائج سيئة).
ولزيادة التوضيح، النيهوم في "حديث المرأة" فعليًّا يقدّم "حلولًا" تُبقي المرأة سجينة البيت والقمع الاجتماعي، بينما في كتاب آخر مثل "فرسان بلا معركة" كتب مقالات جميلة ينتقد فيها سجن المرأة في البيت وحصر دور النساء في كونهن خادمات.
وهذا يقودني لملحوظة أخرى عن المقالة، في إحدى الفقرات تُعدّد بعض كتب النيهوم "الفكريّة"، فتوضع مثلًا كتب مقالاته (فرسان بلا معركة والإسلام في الأسر) مع دراسات لغوية ودينية (الرمز في القرآن) مع نقد أدبي شعري (الذي يأتي ولا يأتي) دون تمييز. أشعر فعلًا بنقص الاطلاع على أعماله!
الملاحظة الأخيرة، الملاحظات كثيرة لكن لا داعي للإطالة، هي أن المقالة تقع في ذات التناقض الذي يقع فيه كل من يلمعون النيهوم: لا بد أن يتحدثوا عن ارتباطه بالسلطة والقذافي وتصالحه أو تهادنه معه، ولكنهم أيضًا يمدحون كون النيهوم كاتب متحرر يخترق الخطوط الحمراء ويحارب الجهل والقيود.
لم يحارب النيهوم قيود القذافي، لم يحارب تجهيله للشعب وكتمه للعقول والأفواه، لم يتحدّث عن أجيال من الكتّاب والأدباء سجنهم القذافي، لم يتحدث عن الإعدامات والشنق في الشوارع وعلى التلفاز… لم يخترق النيهوم أي خط أحمر وضعه القذافي، بل هادنه واستفاد من نظامه مقابل صمتٍ وتعامٍ مخجلين.
وقبل أن يقول أحد: النيهوم مش لازم يعارض ويسجن أو يموت حتى هو! نقول باهي عادي مش لازم، سنتجاهل كل كتاباته التي صدّر نفسه فيها على أنه منقذ ليبيا وسنقول ليست لديه أي مسؤوليات وطنية ولا يمكن أن نتوقع من كل الناس أن يكونوا أبطالًا وشهداء، كلنا نصمت ونكتم ونتغافل لنحفظ أرواحنا.
لكن نحن حين نصمت لحماية أنفسنا لا يقال عنا أبطال فكر حر ونقد وحملة لواء الحرية. فعلى أقل تقدير لا داعي لأن يقال كلّ هذا التخريف عن النيهوم، الفكر الحر لا يعني فقط نقد الدين، اختراق الخطوط الحمراء لا يعني فقط الحديث عن الجنس، النقد السياسي لا يعني فقط شتم أمريكا والإمبرياليّة.
من جديد هذا الكلام لا يعني أن كل الناس يجب أن يكونوا شهداءً معارضين يمشون على الأرض، هذا أمرٌ يفوق طاقة كثيرين منا. وهذا أيضًا لا يعني أن النيهوم لم يكن مفكرًا وناقدًا وكاتبًا له مساهماته، كل ما يعنيه الأمر هو أن نسمي الأشياء بمسمياتها، وألا نخلق أسطورة بطل ملتزم من شخص لم يلتزم.
كثرة هذا التلميع الواهم والمضلّل والتناقضات والمشاكل في الحديث عن النيهوم تؤدي أيضًا إلى انشغال الواحد (مثلي!) بنقد هذا الكلام عن الاتفاق مع ما ذكر عن مساهمات النيهوم المفيدة.
والواحد ريقه ينشف ومزاجه يخرب، والمهم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي لكم واللهم أرنا الأشياء كما هي.

جاري تحميل الاقتراحات...