كوني انسانة عقلانية بالدرجة الأولى، استغرب البعض عبر مراحل حياتي انتمائي الديني، خاصةً إيماني بالنقاب والحرص على ارتداءه حتى في الولايات المتحدة الامريكية، كونه وسيلة لطمس هوية المرأة وصوتها وتعزيزه لفكرة أن جسد المرأة عورة
بدأت قصتي مع الإيمان في الصف الأول الابتدائي، حيث لاحظ والداي سرعتي في الحفظ، فقررا ادخالي لمدارس تحفيظ القرآن الكريم، وفعلاً كنت من أبرز الطالبات في حفظ وترتيل القرآن رغم صغر سني، لكن ما حدث ذاك اليوم في درس القرآن غير توجهي بالكامل
لمن عاصر التعليم في التسعينيات؛ يذكر بكل تأكيد نظام التعليم الأبوي الذي لا يجعل للطلبة أي متنفس او فرصة للتفكير، ومن ضمن الشروط التي فرضت علينا طالبات مدارس تحفيظ القرآن الكريم؛ هو لبس "البخنق" كما اسموه، وهو حجاب أبيض ترتديه الطالبات أثناء حصص القرآن الكريم
كانت معلمة القرآن قاسية ولا ترحم صغر سننا أبداً، وفي يوم من الأيام؛ نسيت احضار "البخنق" الخاص بي، لكني لم اهتم للأمر كثيراً حتى انتبهت المعلمة بعدم ارتدائي له، وبختني ولم اهتم أيضاً لما قالته، وبدأ الدرس كالعادة وعندما حان موعد القراءة، قمت بكل براءة برفع يدي كوني احد المتميزات
عندها قامت المعلمة بإسكات ضجيج الفصل لتقول لي "أنت محرومة من القراءة اليوم"، فقلت لها ببراءة الكلمة المحرمة في المدارس ذلك الوقت "لماذا؟" فما كان منها إلا أنها اتهمتني بأبشع الأوصاف مختتمة تنمرها بعبارة "الله لن يقبل بقراءتك وأنت مظهرة لشعرك ولا تحترمين كتابه"
بعد انتهائها من جملتها دخل جميع من بالصف بحالة من التضامن الغريب لإزدراء طالبة الصف الأول الابتدائي التي نطقت بـ"لماذا؟"، كانت جميع الانظار متجهة نحوي، وكانت جميعها نظرات مليئة بكلمة "كافرة"، هذا ما احسسته بصدق وقتها ولازلت أذكر هذا الشعور البشع حتى اليوم
أصبت بحالة حزن وانكسارٍ شديدة لدرجة اني لم انطق بكلمة حتى أنتهى أسوأ يوم دراسي مر بي، حتى أن بقية الطالبات اتفقن على عدم التحدث إلي لأني لا احترم الله ولا القرآن، في ذلك اليوم المشؤوم أحسست بأن الله يكرهني وبشدة رغم حبي الشديد لله وللقرآن، أحسست بأني نكرة، لا شيء!
فتكونت لدي يومها فكرة معادية لله وللدين، حتى انني كنت أشعر بالذل في كل صلاة أصليها، وتتردد في ذهني جملة المعلمة في كل فرصة ملائمة وغير ملائمة، فأصبحت للأسف أصلي للناس لا لله، كنت احتمي خلف الستار الديني حتى أحمي نفسي من نظرات الآخرين التي شعرت بها ذاك اليوم بسبب تلك المعلمة
بعد تعرضي لذلك الموقف، توصلت بعقلي الطفولي إلى أن الله لا يحبني وأن الدين ليس للجميع، تأصلت لدي الفكرة بشكل كبير إلى درجة اني توقفت عن الإلتزام بالصلاة، وكنت اتحايل على جميع من حولي بأني أستحق جائزة المسلمة المثالية
بل بلغ بي الأمر إلى دخول دورة المياه وتبليل أطرافي وشعري حتى يظهر للآخرين أثر الوضوء، وأيضاً كنت أقوم بتغيير شكل شرشف الصلاة وكأني ارتديته وأديت الصلاة على وقتها، وفي الصف الرابع الابتدائي بدأت إدارة المدرسة باجبارنا على لبس عباءة الرأس وتغطية الوجه
لم أفكر بالموضوع كثيراً وارتديت العباءة لسببين رئيسيين، الأول هو اتقاء شر المعلمات، والثاني حتى أصبح اقرب لعالم الكبار، رغم تشدد المدرسة الشديد في موضوع الحجاب إلا أني لمست من عائلتي أن الوقت ما زال مبكراً على ارتداءه، بدأت بارتداء الحجاب الكامل في بداية الصف الرابع الابتدائي
واستمريت حتى الصف الخامس، وأنا ملتزمة به وبشدة حتى في غير وقت المدرسة، وفي نهاية الصف الخامس ناقش معي والداي موضوع بقائي في مدرسة تحفيظ القرآن او الإنتقال لنظام التعليم العام، حينها كطفلة تحمست للذهاب إلى مدرسة جديدة ولم افكر بشيء آخر
أول يوم في مدرسة التعليم العام ذهبت بعباءة الرأس والغطاء الثقيل، وعندما صعدت إلى حافلة المدرسة وجدت أن كل الانظار علي، كنت الطفلة الوحيدة التي ترتدي عباءة الرأس وتغطي وجهها، وخلال سيري للبحث عن مقعد كنت اسمع الضحكات والهمز واللمز، شعرت بغربة شديدة للمرة الثانية في حياتي
بعد عودتي من المدرسة أعلنت لعائلتي خلعي للحجاب ولم أجد منهم أي مقاومة، وذهبت مع والدتي واشتريت عباءة كتف مع حجاب شفاف كالذي يرتدينه الفتيات في سني، وفي اليوم التالي ارتديت عباءة الكتف ووضعت الحجاب على كتفي وكشفت شعري ووجهي للمرة الأولى منذ سنتين
لكن عند أول خطوة خارج المنزل أحسست بالعري ولم أستطع رفع وجهي من الأرض، توقعت الأمر سهلاً لكن ما أحسست به يفوق الوصف، بقيت عدة أيام أعاني من الخجل الشديد لكشفي شعري ووجهي ولكن بعد عدة أيام اعتدت الوضع الجديد
أنتهى الصف السادس الإبتدائي ودخلت الصف الأول المتوسط، حينها حظيت بجلسة عائلية مع والدتي وشقيقاتي بخصوص ارتدائي للحجاب وتغطية وجهي مرة أخرى، عارضت في بادئ الأمر لكن اقتنعت أخيراً بعدما فهمت أن المتوسطة للفتيات الكبار فقط، وجميع الفتيات الكبار يرتدين العباءة ويغطين وجوههن
وفعلاً تم الأمر، وفي أول يوم للعودة للمدرسة انقسمن الطالبات إلى فريقين؛ فريق غطاء الوجه وفريق كشف الوجه، وبالرغم من مضايقة المعلمات للفريق الثاني إلا انهن كن يغلعن غطاء الوجه بمجرد ركوبهن للحافلة المدرسية، وهنا للمرة الأولى عرفت معنى كلمة "تمرد"
كنت أرتدي واخلع الحجاب متى ما أردت، لكني عدت مرة أخرى للتمسك به في الصف الأول الثانوي بعد ما تعلمت بأن سوء خلق المتدينين لا يعني بالضرورة سوء الدين الذي يتبعونه، كما قررت أيضاً العودة إلى حلقات التحفيظ وإلتزمت بالصلاة
خلال المرحلة الثانوية كانت معلمة الكيمياء شديدة التدين، وفي أحد الأيام كنت أرتدي عباءة الرأس والخمار الأفغاني الذي كان شائعاً ذلك الوقت، فما كان منها إلا أن استوقفتني وقالت لي: "أستطيع رؤية بياض جلدك بين عينيك"! شعرت بالغضب الشديد لكني قررت تجاهلها حتى لا أقع بالمشاكل
وما زاد الأمر سوءاً أن معلمة الكيمياء ترتاد معي دار التحفيظ، وكانت من وقت لآخر تمارس ضغوطها علي، الحق يقال كانت معلمة رائعة وقديرة والجميع يشهد لها بالخير، لكن ملاحظاتها المستمرة اعادت لي ذكرياتي السيئة وبأن جهودي "ليست كافية"
وعندما أحسست بثقل وجودها حولي، قررت الإنقطاع عن دار التحفيظ بشكل نهائي، وبدأت أنظر لشكوكي الدينية بشكل جدي أكثر، وفي المرحلة الجامعية بدأت أقرأ أكثر في الدين وكان بداية تصفحي للإنترنت، فكنت أقرأ بنهم كل ما تقع عيني عليه، ولأول مرة أحسست بوجود عالم أكبر من العالم الذي اعيش فيه
كانت لغتي الإنجليزية ممتازة وكنت أقرأ في المدونات الأجنبية، ورأيت البشر على جميع أصنافهم، المتدين والملحد وما بينهما، عندها سألت نفسي بجدية وللمرة الأولى: هل أنا مؤمنة؟ فكان الجواب "لا أعلم"، فبدأت بالغوص أكثر في نظريات الملحدين وكنت أناقشها مع عائلتي من وقت لآخر
حينها أدركت أمراً مهماً، وهو أن جميع البشر مؤمنون، هناك من يؤمن بالله أو المسيح أو العلم أو منطقه الشخصي أو بوذا وغيرها من الانتماءات، حينها غيرت طريقة بحثي عن الإيمان وبدأت بإستبعاد المسارات التي لا اقتنع بها حتى أرى الخيارات المتبقية
كانت المسيحية من أوائل الانتماءات الدينية التي لم اقتنع بها لأسباب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها هنا، وبعد عمليات اقصاء مرهقة؛ بقي الاسلام والبوذية واللادينية، وركزت تفكيري وبحثي في هذه الانتماءات الدينية، بدأت بالادينية وتوصلت بعد وقت قصير أنه انتماء ديني غير منطقي لسبب رئيسي..
وهو ببساطة بأننا سنصبح عبيداً تحت قوانين وضعها بشر آخرون، وهو مالم أستطع تقبله، فالعقل البشري في مرحلة تطور مستمر ولم ولن يبلغ سقف المعرفة الكاملة، حينها أدركت حاجتي كشخص إلى قانون مرجعي ارجع إليه معتقداتي ومبادئي، وكوني رفضت الإيمان بقوانين البشر؛. فقد استبعدت اللادينية
ولنفس سبب رفضي للادينية؛ رفضت البوذية، وبقيت مرة أخرى الاسلام، وبدأت البحث أكثر عن بعض الأمور الشائكة، كان أولها هو حكم تغطية المرأة لشعرها عند قراءة القرآن، وبعد بحث مطول لم أجد أي نص قرآني أو حديث صحيح يدل على وجوب تغطية المرأة لشعرها عند قراءة القرآن، وهي مجرد بدعة من البدع
واستمر بحثي في أمور كثيرة ووجدت أن الدين يضع الأساسات التي يبني البشر عليها مبادئهم وقناعاتهم، وكوني رفضت جميع الأديان الأخرى لأسباب مختلفة، فقد بقيت مع الاسلام كوني فعلاً احتاج إلى مصدر تشريعي أسير حياتي عليه، ومع الوقت والبحث توصلت إلى قناعة أخرى..
وهي اني لا أملك الشجاعة للإيمان بالعلم أو العقل البشري، فتوصلت إلى حقيقة احتياجي للدين لتسيير أمور حياتي، والآن أصبحت اعلم تماماً إجابة سؤال: هل أنا مؤمنة؟ واستطيع في كل مرة أن اجيب بشفافية وعقلانية تامة لما اخترت الاسلام من بين جميع الخيارات المتاحة لدي وأصبحت أكثر وعياً من قبل
أرى بأن رحلة الإيمان رحلة شخصية بحتة ويحق لكل شخص الإيمان بما يريد؛ في حال موافقاً على دفع الثمن بالكامل، كما أصبحت لدي عدة علاقات وصداقات مع مختلف الأديان والمذاهب، ووجودهم في حياتي لا يشكل خطراً على عقيدتي لأني وببساطة اخترت ما أؤمن به بعناية فائقة، ومستعدة لتحمل نتيجة اختياري
كتبت قصتي مع الإيمان بإختصار شديد، ولا أريد منكم كقراء إلا القراءة والاحترام فقط، ولن انساق في أي نقاش يناقش صحة اختياري أو أي ردود تمجد وتمدح اختياري لأني لا احتاج إلى ذلك
بالمناسبة تمسكي بالحجاب ليس لإرضاء أي بشري كان، لذلك لا أرحب بأي رد يمجد تمسكي بحجابي
بالمناسبة تمسكي بالحجاب ليس لإرضاء أي بشري كان، لذلك لا أرحب بأي رد يمجد تمسكي بحجابي
لا تتوقفوا عن طرح الأسئلة الصحيحة لأنها دائماً ستوصلكم في النهاية إلى الطريق الصحيح، أنتهى
اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك
اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك
جاري تحميل الاقتراحات...