أحمد بن نهار
أحمد بن نهار

@a7madn7ar

13 تغريدة 25 قراءة Feb 12, 2022
قراءة موجزة في طبيعة #نظام_الإفلاس في الفقه الإسلامي والأنظمة الوضعية:
بدايةً إن من يمعن النظر في أحكام الإفلاس –في الفقه الإسلامي وكذلك في القانون الوضعي- يجد أن نظام الإفلاس ذو طابع جزائي، فالتشريعات الوضعية منذ نشأتها تنظر إلى الإفلاس على أنه جريمة ارتكبها المفلس بحق دائنيه
ولكن حدة هذه النظرة للإفلاس في القانون أخذت تخفف تدريجيًا ، فقد لاحظوا أن المدين قد يفلس لسبب لا يد له فيه، ولهذا فرقت القوانين بين هذا النوع من الإفلاس، وبين الإفلاس الذي يصاحبه تقصير من المفلس أو تدليس ، فالأول لا عقوبة عليه –بمعنى أنه لا يعتبر جريمة-
أما النوع الثاني فيعتبر جريمة، ويعاقب عليها بعقوبة مقررة بقانون العقوبات كما في القانون المصري والكويتي ، وفي الفصل الرابع عشر من نظام الإفلاس السعودي الجديد
ومع أن الفقه الإسلامي والقانون الوضعي لا يعتبر الإفلاس البسيط الذي يقع به المدين لأسباب لا يد له فيها، وتلافيها فوق طاقته، جريمة، إلا أن من يدقق النظر في أحكام الإفلاس يجده ينطوي على عقوبات متعددة مختلفة؛ فمنع المفلس من التصرف بأمواله، وغل يده عن إدارتها، يعتبر عقوبة معنوية سلبية
لأنها تسلب المدين جزءًا من أهليته وحقًا من حقوقه، وهذه عقوبة قاسية ومؤلمة وشديدة، ولعل شدة هذه العقوبة هي التي جعلت الإمام أبا حنيفة يذهب إلى عدم جواز الحجر على المدين المفلس، معللًا مذهبه بأن في الحجر عليه إهدارًا لأهليته
هذا بالإضافة إلى أن نظام الإفلاس يشمل على عقوبة أخرى من نوع آخر، وهي إشهار إفلاس المدين على الملأ، حتى يكون المتعامل معه على بصيرة من أمره، وهذه عقوبة معنوية إيجابية، ولا شك أنها عقوبة قاسية ومؤلمة على النفس
ومن المعلوم أن شدة العقوبة تدل على أهمية الأمر الذي شرعت لحمايته والمحافظة عليه ، وهذه العقوبات يتفق عليها الفقه الإسلامي والقانون الوضعي في حالة الإفلاس البسيط الذي يقع بحسن نية، أو بسبب أمر لا يد للمدين فيه
ولكن بعض القوانين الوضعية كالأردني مثلاً أضافت عقوبات أخرى على المفلس إفلاسًا بسيطًا، فسلبت منه حقوقه السياسية والمهنية، فيمنع من الانتخاب والترشيح في المجالس النيابية والبلدية والنقابات المهنية، ومنعته من الوظيفة العامة
والعقوبات التي أضافتها القوانين الوضعية أصحبت موضع نقد من معظم رجال القانون وإن كان بعضهم يقبلها كعقوبة تأديبية في حالة الإفلاس بالتدليس أو التقصير، فلا يجوز قبولها في حالة الإفلاس البسيط، خصوصًا إذا وقع بسبب خارج عن إرادته ونتيجة عوامل لم تكن متوقعة
أما الفقه الإسلامي فلم يقر مثل هذه العقوبات على المفلس في حالة الإفلاس الذي لا يد للمفلس فيه وكذلك فعل النظام السعودي ، بل نجد الفقه الإسلامي يقف موقفًا إيجابيًا مع المفلس، فإذا كان الإفلاس بسبب جائحة أصابته، كغرق ماله، أو حرقه، أو هلاك ثمر شجره بآفة سماوية.. إلخ
فإنه يعان من بيت المال، وتحل له المسألة وقد وردت نصوص في السنة النبوية تدل على ذلك ، وموقف الشريعة من هذا المفلس يدل على سمو الشريعة ورفعتها، وعنايتها بحقوق الإنسان، وعدم المساس بها، فلا يجوز سلبه حقوقه السياسية والمهنية،
وبهذا تفوقت الشريعة الإسلامية على أحدث القوانين الوضعية بعدم إقرارها لمثل هذه العقوبات بل والوقوف إلى جانب هذا المفلس ليستعيد مركزه المالي والاقتصادي ، وقد اعتبرت القوانين الوضعية الإفلاس بسبب التقصير، أو التدليس، جريمة يعاقب عليها المفلس بتقييد حريته وحبسه
والفقه الإسلامي لا يمنع من إيقاع عقوبات تعزيرية على شخص المفلس في حالة الإفلاس الاحتيالي أو التقصيري تتناسب مع جريمته، لتكون هذه العقوبة زاجرة لغيره عن ارتكابها، من أجل حماية المجتمع والدائنين من آثار الإفلاس التي تضر بهم.

جاري تحميل الاقتراحات...