خالد بن ابراهيم الجريوي
خالد بن ابراهيم الجريوي

@k_i_j99

11 تغريدة 2 قراءة Dec 20, 2022
*************** معرفة الذات *********************
في مذكراته "أنا" والتي أبحر فيها عباس محمود العقاد في تركيبة النفس البشرية ومحاولة الغوص في أعماقها واستكناه جوهرها وكشف ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من معرفة حول هذه النفس وتعقيداتها، بدأ كتابه بهذا المقطع …
للكاتب الأمريكي «وندل هولمز» يقول: "إن الإنسان – كل إنسان بلا - استثناء – إنما هو ثلاثة أشخاص في صورة واحدة. الإنسان كما خلقه الله.. الإنسان كما يراه الناس.. والإنسان كما يرى هو نفسه.."، ثمّ استطرد متسائلًا: "مَن من هؤلاء الأشخاص الثلاثة هو المقصود بعباس العقاد؟؟!
ومن قال إنني أعرف هؤلاء الأشخاص الثلاثة معرفة تحقيق أو معرفة تقريب؟"
هنا يطرح العقاد سؤالًا معقّدًا جدًا وهو: «هل يعرف الإنسان حقيقة ذاته معرفة تامة ؟»
ثم يجيب على هذا التساؤل من دون أدنى تردّد بالنفي التام لذلك، حيث إن النفس البشرية تحمل عدّة حقائق وعدّة أوجه ولكل حقيقةٍ ووجه عدة مدلولات وعدة عوالم وحقائق لا يمكن الإلمام بها ولا معرفة أغوارها…
ومن هذه القاعدة اكتسب هذا التساؤل أهمية حول البحث عن الإنسان فينا بغية استشفاف صفاته والاستدلال عليه!من نحن؟وأيّ تصنيف نضع أنفسنا؟وأيّ نوع من الإنسان نحن؟
هل نحن النوع الأوّل"كما خلقنا الله"؟أم النوع الذي يشكّله الناس كما يشاؤون؟!أم أننا نحن من نشكّل أنفسنا وهويّتنا وحقيقتنا؟!
لقد وصف العقاد النفس البشرية بالطيور المهاجرة التي تلتمس طريقها فتضلّ الطريق مرة أو مرات ثم تعرف طريقها، كذلك هو الإنسان فى بداية حياته!
لو تساءل الإنسان بينه وبين نفسه عن نفسه، وبحث عن إجابةٍ لهذا التساؤل لما وجد من يجيبه إلا ما ندر!
فمن منا يعرف نفسه حق المعرفة؟
يبدو لي أن الإنسان هو مجموعة أحوال وحقائق تتبدل من يومٍ لآخر حسب المعطيات التي يعايشها كل يوم، مثلا أنت اليوم الرجل الكريم المعطاء، وفي الغد قد تضعك الأيّام في موقف تكون فيه الرجل اللئيم الذي ينقل الكلام بين الناس ليثير الضغينة والبغضاء بينهم ….
وهكذا تتشكّل الذات الإنسانية على أوجهٍ عدة وأشكال متغيّرة فلا يمكن أن تكون كريمًا بالمطلق ولا لئيمًا بالمطلق بل أنت مجموعة صفات وخصائص تشكّل ذاتك، بيد أنّ لديك صفة غالبة على جميع الصفات الأخرى، وهي تلك التي يحكم عليها الناس وتصبح الصفة الوحيدة التي توصف بها
ويبقى المولى سبحانه هو الوحيد المطلع والعالم بالإنسان وبجميع صفاته وأحواله.
إنّ الإنسان في حالة تغيّر وتبدّل مستمرّيْن، ومنذ ولادته،وهو في نموّ جسديّ وفكريّ وعقليّ وروحيّ،لا يمكن تأطيره بتعريف يُحجّم قدرته التحوّلية والتغييريّة التي جعلته كائنًا مختلفًا عن سائر الكائنات البشرية،
ولا بدّ من الالتفات الى فلسفة صينيّة قديمة وهي "اليين واليانغ"، حيث النقطة البيضاء في الدائرة السوداء، والنقطة السوداء في الدائرة البيضاء، لذا لا يمكننا أن نحكم على الأشياء والمواقف والأشخاص بالمطلق!
وفي هذه الفلسفة بالذّات عمق يختصر كل الموجودات، وتبقى محاولة العبور الى الذات البشرية لاستنطاق مكنوناتها وجوهرها أمرًا غاية في الحساسية والأهمية… فهي "آية" من آيات الله وهو القائل عزّ من قائل :
{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}..
#خالد_بن_ابراهيم_الجريوي

جاري تحميل الاقتراحات...