ذلك الرجل الأوروبي بمعظم صياغته ومستوياته، فيلسوف وقانوني وأديب وجندي وتاجر، الذي جعل المرأة في وضع مزر، من سلب مفهوم الإنسانية عنها ووضعتها في مرتبة الحيوان والتوحش والتخلف العقلي، فهي تاريخيًا لم تكسب حقًا ولا حصلت خلقًا، بل كسبت انحلالاً خلقيًا، وتردى وضعها المعيشي وكرامتها.
ولهذا فقد كان متوقعًا أن تتعلق النساء بأهداب رجال الثورة الفرنسية، ثورة رجال التنوير وتلاميذ الفلاسفة وحماة الحقوق الإنسانية. إذ عندما أعلنت وثيقة حقوق الإنسان في مطلع الثورة الفرنسية، طالبت امرأة اسمها أولامبده غوج، بإضافة مواد تحمي حقوق المرأة، فقام رجال الثورة بإعدامها فورًا!
وفي عام ١٧٩٣م قررت اللجنة التشريعية في الجمعية التأسيسية للثورة الفرنسية قرارًا صاعقًا ومؤلمًا بحق المرأة والضعفاء والأطفال، أفضل أن أنقله بالنص كما هو، حيث قررت اللجنة التشريعية للثورة الفرنسية أنَّ "الأطفال وفاقدوا العقل والقاصرون والنساء والمحكومون بعقوبات، لن يكونوا مواطنين"!
وكذلك قامت رولان دي لابلاتيـير، سياسية ومفكرة الفرنسية، بالاعتراض وطالبت برفع الظلم عن المرأة الفرنسية، فقام رجال الثورة الفرنسية -رجال التنوير وتلاميذ الفلاسفة- بإعدامها! ومما قالته وهي في طريقها تقاد إلى المقصلة للإعدام:"أيتها الحرية! أيتها الحرية! كم من الجرائم ترتكب باسمك!".
ربما يصدم القارئ والمثقف أن مفهوم "الإنسان" في وثيقة الثورة الفرنسية، الذي طالما تُغني به، الذي يقول: (يولد الإنسان ويظل حُرًا ومتمتعًا بالمساواة في ظل القانون)، إنما يعني حصرًا الإنسان الرجل لا غيره، فوثيقة ثورة التنوير الفرنسية لا تدخل المرأة، والعبد، والطفل، في مفهوم الإنسان!
وقد اشتد القتل واستفحل في النساء منذ قيام الثورة الفرنسية، ثورة التنوير والحقوق والحريات، حيث يقول روجيه جارودي، المفكر الفرنسي المشهور وسكرتير الحزب الشيوعي السابق في فرنسا: "كان القرن التاسع عشر الأشد قتلاً للنساء في الغرب!".
كذلك أكدت فرانسواز جاسبار، عضو اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة والمحاضِـرة في كلية الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، أن المادة التي في وثيقة الثورة الفرنسية: "يولد الإنسان ويظل حُرًا ومتمتعًا بالمساواة في ظل القانون"، لا علاقة لها بتاتًا بالمرأة.
والسبب بحسب الخبيرة الفرنسية جاسبار، أنَّ كلمة "الإنسان" في وثيقة حقوق الثورة الفرنسية، لا تدخل فيها المرأة، وإنما تعني الرجل فقط! تقول: "منذ أن ظهرت تلك المادة إلى حيّز الوجود، تم استبعاد المرأة من ذلك الحق الذي سمي عالميًا".
وتقول فرانسواز جاسبار: "لم تكن المرأة جزءًا من الحق الذي تمخض عنه إنشاء الجمهورية. فلم تكن النساء مواطنات وقد جعلهن هذا الحق قاصرات من الناحية المدنية". هكذا استبعدت الثورة الفرنسية، أعظم ثورة "حقوقية وإنسانية" عرفها الغرب، الاعتراف بالمرأة وحقوقها، بل تتبعتها بالقتل والاستعباد!
ويؤكد فيليب باتاي أن "كلمة الإنسان [بمادة ميثاق الثورة] لم يشمل المرأة، وأنكرت عليها أهليتها كفرد، ليؤسس الاختلاف بين الجنسين بنحو معيب". وتقول فرانسواز جاسبار: "منذ قرنين من الزمان: المرأة لم تتمتع أبدًا، بسبب هذا الإقصاء الذي استبعدها أصلاً، بنفس حقوق الرجل".
ولذلك كان من الطبيعي -كم تعلق فرانسواز جاسبار على نتائج ومآلات الثورة الفرنسية التي لا تزال حية حتى العقود القريبة- أن اعيش المرأة في ظلال وضلال آثار الثورة التنويرية أعظم ثورة عرفتها أوروبا: "هي حقيقة يؤكدها أن القانون الفرنسي ظل حتى نهاية القرن العشرين يميز بين المرأة والرجل".
ولك أن تعجب حقًا، أن أعظم الفلاسفة الذين يقال إن الثورة الفرنسية استندت عليهم في أفكارها وفلسفتها، وهو جان جاك روسو، هو الذي قال: "ولد الإنسان حرًا"، هو نفسه الذي يؤكد أن هذه الكلمة: "لم تكن تعني البشر جميعًا رجالاً ونساءً، بل تقتصر على الرجال فحسب"!
ولله في خلقه شؤون!
ولله في خلقه شؤون!
جاري تحميل الاقتراحات...