منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر المنصرم يعاني مزارعو الجزيرة والمناقل من انعدام اليوريا التي وافى ميقاتها للمستحقين منذ قرابة الشهر، هذا لو غضضنا الطرف عن العطش الذي تمددت أذرُعُ جفافهِ لتُقْفِر تُرَعاً بل مكاتِباً بل حتى أقساماً من المشروع وامتداده كذلك،
ونسبةً لمدافعةِ الأحرارِ غلواء الجنرالاتِ وعسسهم في شوارع البلادِ وأزقتها مما أعجزهم عن تكوين حكومةٍ لتسيير دولاب الدولة فلا وجهة يجأر إليها المزارعون لإنقاذِ محاصيلهم فقد ظل الحالُ يُغني عن السؤال،
ولعل في ذلك خير رد عمن يهزؤون بحجم غضبةِ الشباب ويطففون من حجمها، فهذا أثرها البائن "عجز الإنقلابيون عن إدارة البلادِ وتصريفِ شؤون العباد"، فلو لم يكن لحراك الأحرار أثر لما غُلَّت أيدي الجنرالات ومَن والاهم،
ومضى الأمر على هذا المنوال منذ ذلك الحين، وما انفك المزارعون يعزِقون حقولهم ويفلحونها بالصبرِ قبل المجاريفِ بينما تنطفئ أرواحهم شيئا فشيئا متوحدةً مع ذبولِ المحاصيل في مطاردة الأملِ خلف سرابِ الإشاعات:
- المِلح قالو جا
° قالو في بورسودان ياخ
- وصل مدني
- قالو نص جرعة بس
- المِلح قالو جا
° قالو في بورسودان ياخ
- وصل مدني
- قالو نص جرعة بس
تتقافز من الفرح ثم تخفتُ جذوة انتشائها وتذوي بمرور الساعات وانجلاء وجه الوهم، فقصد الميسورون سوق الله أكبر، حيث التجار الذين تم ابتياعهم حصة المزارعين لاحتكارها، وقنِطَ الكثيرون من روْحِ الآمال،
اليوم تأكد بما لا يدع مجالا للشك وصول اليوريا إلى مكاتب الأقسام، فهرع المزارعون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من موسمهم، وقد جرت العادة على تسديد ضرائب البنك الزراعي وإدارة مشروع الجزيرة في نهاية الموسم الزراعي،
ولكن تبين لهم أنّ الإدارة قد قررت دفع مستحقات العروة الفائتة قبل استلام الحصة، ولم تكن حصة كاملة، بل على النصف، مما يشي بإفلاس الدولة الدولة ودفع القائمين على أمرها بوضع اليد على همبتتة الناس للإيفاء باستحقاقات الموظفين نهاية الشهر، وكأننا نعيش أيام الإنقاذ الأخيرة!
على كل حال ذهبت مع صديقي وابن عمتي لجلب استحقاقنا مستقلين تراكتر ومقطورة صغيرة "ترلة"، واختار الجار طريق "الجنيد الحلاوين" برغم وعورته لقصره،
ومنذ دخولنا باغتني طيف كشة، ولا يبارحني، حتى إذا ما أوشكنا على الخروج تأملت صورته المرسومة في بوابة دكان يقف عند مدخل القرية عند الطريق المسمى باسمه "شارع الشهيد كشة"، وتقافزت الذكريات ..
عندما عَلِمتُ باستشهاد كِشّة أغلقتُ حُزم البيانات قبل تعطيل شبكة الإنترنت بل وأغلقتُ الهاتف تماما لفترة طويلة، وعزلتُ نفسي بملء إرادتي، إذ لم يعد في القلب مُتّسعٌ لمزيدٍ من الحزن، لا سيما أنّ فقد الأصدقاء أوقعُ على القلبِ من أي فقد،
كنت في تلك الحالة حتى زارني الأصدقاء "مدني، بانقا، النوراني، أبوبكر، والبنا" في قريتنا قبل يوم من الثلاين من يونيو، تبادلت معهم همومي وبادلوني ذات الهموم، وطمأنوني على بقية الرفاق،
وشاركوني اللحظات الأخيرة مِن تلك الليلة التي غُدِرنا فيها مِمّن استأمنّاهم على أرواحنا بحكم الأمر الواقع، كان تنفيسا متبادَلاً غَسَلنا فيه بعض الأوجاع وما عَلِقَ في الأفئدةِ مِن سَقَطٍ وأغيان.
كلما تذكرت ابتسامته وغضبه قفزت إلى الذاكرة أيام قديمة في منزل أستاذي محمد سيد أحمد الماحي "سيدا"، ما هي إلا لحظاتٍ حتى أجد روحه بدأت تطوفُ بحاشية الحياةِ ومتنها تحدو ركائب أرواح الأبرارِ من إخواننا التي فاضت فداءً لتراب هذا الوطن العزيز،
فتناجيهِ روحي من وراء قضبان الجسد المُضنى، وأغلالِ الذكرى المريرةِ وأنا أستشعر خيانتي لهم حتى حَسَبْتُ نفسي مع المتولين يوم الزحف العظيم أنْ يا رفيق:
خُذني معك
مِن حاسةِ الشِّعْرِ القَصِيِّ إلى الحريق
خُذني هُتافاً لاهِباً
أَجّ المَسارِبِ والعروق
خُذني صدىً لصداكَ أصحو
مِن على خَدَرِ الكلام
خُذني صدىً لصداكَ ما طالت لَيالِيّ القِتام
مِن حاسةِ الشِّعْرِ القَصِيِّ إلى الحريق
خُذني هُتافاً لاهِباً
أَجّ المَسارِبِ والعروق
خُذني صدىً لصداكَ أصحو
مِن على خَدَرِ الكلام
خُذني صدىً لصداكَ ما طالت لَيالِيّ القِتام
خُذني صدىً لصداكَ أغرقُ والسلام
عَجَباً أناديهم وأجْفُلُ هارِباً مِن هَوْلِهم
أمضي على رملٍ
وشيءٌ مّا تجهمني ونافِذَةٍ كؤود
وأغُضُّ حرفي مِن حياءٍ هزني
كَرْهاً أُسافِرُ دافِقاً حُزْني
وأعْقِدُ ناطِقي فأنا طريد
عَجَباً أناديهم وأجْفُلُ هارِباً مِن هَوْلِهم
أمضي على رملٍ
وشيءٌ مّا تجهمني ونافِذَةٍ كؤود
وأغُضُّ حرفي مِن حياءٍ هزني
كَرْهاً أُسافِرُ دافِقاً حُزْني
وأعْقِدُ ناطِقي فأنا طريد
كَلَفاً بِعَدِّ النجمِ أهبِطُ مِن نُوَيٍّ لنُوَيّ
وأنْزعُ عن خُطَاً تاهت لبيد
وإذا بصَلْصَلَةٍ تَراعَشُ عندها لغتي
وتُفْلِتُ ناقتي هَلَعاً
ويحْمِلُني المكانُ إلى الصعود
وأنْزعُ عن خُطَاً تاهت لبيد
وإذا بصَلْصَلَةٍ تَراعَشُ عندها لغتي
وتُفْلِتُ ناقتي هَلَعاً
ويحْمِلُني المكانُ إلى الصعود
ليجيءَ صوتٌ خِلْتُني أغفو لهُ
كُن آمِناً ،، حواليكَ شيءٌ مِن دواعيهم
وأجنحةٌ تُهَلِّلُ عندَ رؤيتِها وجوهُ الخَلْقِ والأكوان
جَمْهَرَةٌ تَعَبَّقُ بالهُدى وَضَحَ البنود
كُن آمِناً ،، حواليكَ شيءٌ مِن دواعيهم
وأجنحةٌ تُهَلِّلُ عندَ رؤيتِها وجوهُ الخَلْقِ والأكوان
جَمْهَرَةٌ تَعَبَّقُ بالهُدى وَضَحَ البنود
فيهرعُ بعد مناجاتي تلك إلى خلدي بعض السكون، سكونٌ مبعثه ثقةٌ عمياء في مقدرة هذا الجيل الذي علِم أنّ قدره طيّ صفحة الإنقلابات العسكرية وما فتئ يواجهه بصلابة في الشوارع حتى يُتِمّ اللهُ نورَهُ وكان على ربّكَ حتماً مقضيا.
ألا رحمهُ اللّٰه رحمة واسعة وسائر شهدائنا ،،
ألا رحمهُ اللّٰه رحمة واسعة وسائر شهدائنا ،،
جاري تحميل الاقتراحات...