21 تغريدة 53 قراءة Feb 07, 2022
في المقهى اللطيف في إحدى شوارع الخرطوم ٢ كنتُ أرقبُ كل يومٍ فَتَاةً هي منتهى أملي من الحياة الدنيوية، وغاية رغباتي البشرية العادية، حتى تكاد تلامس الجزء الأكثر جوهرية من نفسي ومعناي ووجودي، ذلك التلامس الذي يؤدي بالعشاق أن يشعروا أنهم أمام امرأةٍ إن فشلوا في الوصول إليها فإنهم
سيفقدون جزءًا من أنفسهم، فيتحولون نتيجة لذلك الخوف من الفشل إلى عشاق مجانين.
لقد اصطدمتُ في حياتي الكثير من الفتيات الجميلات، وقابلتُ أيضًا الكثير من الفتيات اللطيفات، ولمحتُ من البعد العديد من الفتيات اللواتي يُثرنَ في الشخص كل مكامن الرجولة بداخله -ليس بسبب لبسهنّ،
وإنما بسبب سر في أعماقهنّ يجعل هذه الخاصية ملازمة لهنّ، إلا أن يبذلن جهدًا في إخفائها، ثم إذا هي تتفلّت عند أقلّ تخفيف في حراستهنّ لأنفسهنّ-، ثم استمتعتُ لنظرية عند صديقي أنّ هذه الأنواع الثالثة من الفتيات لا تجتمع في فتاة واحدة أبدًا، الجمال واللطف والشهوة،
وأن الجمال واللطف يجتمعان، والجمال والشهوة يجتمعان، والشهوة واللطف -وإن كان نادرًا- يجتمعان.
فلما سمعتُ ما قال أيقنتُ أني وقعتُ على التفسير الذهبي لما أشعرُ به في حضور هذه الفتاة، وعن ذلك الارتباك الشديد الذي يزورني كلما لمحتُها عن بُعدٍ تنظر إليّ،
كانت تتفاعل بداخلي أحاسيس ومشاعر ويدخل بعضها الضيم على بعض، رغبتي في حمايتها نفسيا وجسديًّا من العالم مغمورًا بالرحمة، ورغبتي في تملُّكِها جسدًا وروحًا وحبسها عن العالم في جَيب مِعطَفي مثلًا، والرغبة النقيضة لها أن أعرضها أمام كل الوجود وأساعدها لتتألق وتظهر في كامل بهائها وتنشر
أثرها في كل مكان، مع رغبتي في أن أجلس أمام محراب عينيها معترفًا بكل سوءي وباكيًا في حِجرِهَا على أحزان -لا أعلم بوجودها إلا حين أكون بين يَدَيهَا-. كانت هي الوحيدة التي تنطوي على الجمال واللطف والشهوة مجتمعين في جسد وروحٍ واحدة.
خُيّل إليّ مرةً أنّ هذه العاصفة الهوجاء من العواطف هي مما يوحي به الوَهمُ إليّ، إذ أنّ كمية العواطف المندلعة تجاه شخص تتناسب طرديًّا مع مقدار الغموض المحيط به بالنسبة لك. فاستجمعتُ نفسي ورباطة جأشي وذهبتُ متقدمًا نحو المكان الذي تجلس فيه في المقهى لأكرر تلك الدورة التي اعتدت
عليها من اندلاع المشاعر ثم فنائها مع الحديث الثاني أو الثالث مع الفتاة التي تسبب لي هذه المشاعر، فأردتُ أن أنهي هذه الرحلة بسرعة وبعد استمتاعٍ كافٍ بعدة أسابيع من المشاعر القوية.
ابتسمتُ وأنا أفكر في أنّ هذه التجربة كانت استثنائية من ناحية المشاعر الكثيفة، وأني أدركتُ أجزاء في نفسي أعمق من أي مشاعر مضت. وشعرتُ بالزهو وأنا أعلن لنفسي سيادتي الكاملة على مشاعري والتي أتحكم في بدايتها ونهايتها بسهولة ووضوح حينما أريد.
فقمتُ بنفس الابتسامة متوجهًا نحوها مُقيمًا عودي على استقامته وماشيًا ببطء نحو نقطة النهاية.
ثم فجأة نظرت إليّ وابتسمت إليّ ابتسامة شعرتُ بعدها بالانكشاف الكامل، وبأنّ هذه الفتاة كانت مطلعة تمام الاطلاع على كل ما شعرتُ به وفكرتُ فيه منذ أول يوم رأيتها وحتى الخواطر الأخيرة التي تتطاير في رأسي الآن، وما أزمعتُ القيام به. لا أستطيع أن أشرح لماذا اعتقدتُ ذلك بسبب
النظرة لكنني أعلم أن مشيتي لم تعد بذلك التناسق وأنّ الزهو الذي امتلأتُ به قبل لحظات قد انقلب خوفًا ووَجلًا من النوع الذي يشعرُ به المرء أما مشهد جليل وبهيّ.
حين قمتُ كنتُ أفكر كيف يمكنني -ساخرًا- أن أكتب آخر اليوم عن هذه الرحلة من طاولتي في المقهى إلى طاولتها أني "تجاوزتُ أحراسًا إليها ومعشرًا عليَّ حراصًا لو يسرّونَ مَقتَلِي"، فما نظرت إليّ تلك النظرة وبهتتني حتى ضللتُ وضلَّتْ أفكاري وطفقتُ أقول:
"جئتُ لَا أدرِي مِن أين ولكني أتيتْ.. ولقد أبصرتُ قدامي طريقًا فمشيتْ.. وسأظل ماشيًا إن شئتُ هذا أو أبيتْ.. كيف جئتُ، كيف أبصرتُ طريقي.. لستُ أدري".
وصلتُ وأنا في حالة ذهنية سيئة من فرط الإنهاك من تلك الابتسامة التي ظلت تعرّيني نفسيًّا رويدًا رويدًا حتى حينما وصلتُ شعرتُ أنه لا يوجد شيء يمكنني أن أقوله لن تكون هي بالفعل عالمةً به، سواء عن مشاعري تجاهها، معرفي الثقافية أو الفكرية، وفكرتُ في أنها ستشعر بالملل من أني سأكرر لها
معلومات هي تعلمها بالفعل، فتسلَّمَ طبعي النفسي الأكثر هدوءًا زمام الأمور ثم قال لها: "أنت جميلة، وإني منذ عدة أسابيع لم أزل متفاجئًا من هذا الجمال الذي على خلاف الجمال الطبيعي الذي ينقص في عين رائيه يومًا بعد يوم، فإن جمالك يزدان ويتألق ويصبح أحلى كلما نظر المرء إليك،
وأنا بكل صراحة أشعرُ بالرعبِ من هذا الجمال القوي ومن نظرتك إليّ منذ توجهتُ نحوك، لذلك أردتُ إخبارك بذلك خاصة أني لن أعود إلى هذا المقهى مرةً أخرى في حياتي."
كان القرار وليد اللحظة ولذلك كان متطرفًا جدًّا، وأعتقد أنه لولا بعض رباطة جأشي لكنتُ أعلنتُ لها أني مسافرٌ عن البلاد في سبيل الهرب من ذلك الجمال المرعب. فالتزمتُ به منذ ذلك الحين لكنني أظنّ أني ضيعتُ فرصةً عظيمة بسبب فرط تفكيري وجمال هذه الفتاة.
علمتُ فيما بعد من صديقي -الذي كان يعرف صديقتها- أنّ هذه الفتاة كانت محببة لنفوس من عرفوها ولطيفة، ولكنها كانت تسرح بنظرها كثيرًا، تنظر في اللاشيء لدقائق طويلة دون أن تفكر في شيء، ولما جاء هو وصديقتها مرةً على ذكر اسمي ووصفي بين يديها تذكرتني على نحو غائم وأخبرتهم أنها كانت
تراني في المقهى كثيرًا، وأنها مرة كانت بينما هي تستمع مبتسمةً بطمأنينة إلى موسيقى بعيدة بعض الشيء تفاجأت بأن وجدتني أمامها، وظنت أني امرؤ لطيف فعلًا "لكنه خجول، ويبدو أنه طيب وغبي قليلًا" على حد تعبيرها، وأنها كانت تودّ معرفتي بعد ذلك اللقاء لولا أنني اختفيتُ من ذلك اليوم.
الآن أنا أفكر في المعارك التي خضتُها والمكاسب التي خسرتُها وأعي أن كل ذلك يحدث في ذهني، وأن هنالك جزء ود كَــ.ـلب من راسي يهزمني كل مرةً قبل أن يهزمني الواقع، وأشعر لذلك بالحزن الشديد، بسببه فأنا الليلة سأنام دون أن أجد قمرًا يُؤنِسُ ليلي، أو صوتًا يخبرني "خلي بالك من نفسك".

جاري تحميل الاقتراحات...